القدس لم تحصل على مسجد حتى العام 637، أي بعد وفاة الرسول بخمس سنوات
القدس لم تحصل على مسجد حتى العام 637، أي بعد وفاة الرسول بخمس سنوات

حسين عبدالحسين/

اللمحة الموجزة التي حاولنا تقديمها في المقالة السابقة  عن علاقة مدينة القدس بالمسلمين أثارت ردود فعل لدى القراء تشي بأزمة ثقافية يعيشها مسلمون كثر يستقون ما يعرفونه عن الماضي، والحاضر، من نصوص دينية لا تفي بالغرض.

ومما قلناه إن تفسير آية "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" والقول إن "المسجد الأقصى" هو نفس المقصود في القدس اليوم، هو تفسير يتعارض والمنطق.

لا بد من فصل التاريخ عن الدين، وفصل الدين عن السياسة

​​ويؤرخ المسلمون المساجد، فيعتبرون أن أول مسجد هو قباء، على طريق مكة إلى المدينة، وهو سابق للمسجد النبوي. أما المسجد الحرام، فتسميته القرآنية بيت، وهو لم يتحول مسجدا إلى ما بعد فتح مكة، في العام 629، ما يتطلب تغيير تاريخ الإسراء من ما قبل الهجرة، حسب الاعتقاد السائد، إلى ما بعد فتح مكة، أي بعد هدم الرسول الأصنام، إذ لا يمكن السجود في مكان كان يعج بالأصنام، مثل الكعبة قبل الهجرة، وتسميته المسجد الحرام.

هذا يعني أيضا أن القدس لم تحصل على مسجد حتى العام 637، أي بعد وفاة الرسول بخمس سنوات، ما يعني أن القول إن الرسول زار المسجد الأقصى في القدس لا يتوافق والتسلسل التاريخي، فالقدس في حياة رسول المسلمين كانت مدينة مسيحية بيزنطية، يصعب أن يكون فيها مسجدا يمكن للرسول الإسراء إليه.

ردود فعل القراء جاءت على أشكال، غالبها شتائم، واتهام بالدعاية للصهيونية، وتعيير باسم "عبدالحسين" "الشيعي الرافضي"، وعدد منها حاول، مشكورا، الانخراط في نقاش لدحض ما قدمناه.

الرد الأكثر تكرارا كان اعتبار أن في القدس مسجد سابق للإسراء، بناه ابراهيم، جد الإسرائيليين والعرب، والنبي لدى المسلمين. هذا التصور مبني على اعتبار أن ابراهيم كان يتحدث العربية، ومبني أيضا على اعتبار أن العربية هي "لغة البشر"، أو "لغة الجنة" حسب المسلمين. لكن عربية القرآن هي لغة حديث نسبيا، ظهرت مع الإسلام، أو قبله بوقت قصير. حتى امرؤ القيس، الملك والشاعر الشهير، حجر قبره منقوش بالنبطية المتأخرة، وفيه أن "ملك العرب" توفي في العام 328 ميلادية. والأرجح أن العرب لم يتسمّوا عربا على اسم لغتهم، بل هم منحوا اللغة، التي بدأوا يتحدثونها في وقت لاحق للقرن الرابع الميلادي، اسمهم.

جواد علي، المؤرخ العراقي الراحل المعروف بموسوعته الضخمة "تاريخ العرب قبل الإسلام"، يرفض تصور العرب لتاريخ لغتهم، والذي ينص أن العرب تسموا كذلك لأن جدهم الأكبر، يعرب، كان أول من تحدث العربية، وهو تفسير غير قابل للتصديق، إذ يستحيل أن يبتكر شخص لغة بأكملها من مخيلته، وأن تتحول إلى لغة محكية، فاللغة هي تطور في التعبير والتواصل بين أفراد مجموعة بشرية كاملة، ولا تخرج من رأس أفراد على غفلة.

ابراهيم لم يتحدث العربية، والعرب بعد الإسلام صنفوا أنفسهم إلى ثلاث فئات، العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة؛ ووضعوا اسماعيل، ابن ابراهيم، في خانة المستعربين، وقالوا إنه تعلم العربية، فصار مستعربا. ورسول المسلمين محمد هو من نسل اسماعيل، حسب الروايات. إذن الرسول هو من العرب المستعربة. وإذا كان اسماعيل هو الذي تعرب، لا يمكن للغة أبيه ابراهيم أن تكون العربية، ولا بد أن تكون شيئا آخر، ونحن إن صدقنا الروايات غير العربية، نستخلص أن ابراهيم تحدث الآرامية، أي أننا إن اعتبرنا أن ابراهيم شيد موقعا للعبادة في القدس، فالموقع لم يكن مسجدا، ولا الديانة الإبراهيمية كانت ناطقة بالعربية، حتى لو كانت توحيدية.

نقطة ثانية مرتبطة بإبراهيم تتعلق بهويته. ابراهيم هو جد العبرانيين، من أمهم سارة، وجد العرب، من أمهم هاجر، ومن هم من نسل هاجر يفترض أنهم تعربوا، إذن تعربوا من كونهم عبرانيين، وهو ما يعني أن ابراهيم نفسه كان عبرانيا من نسل عابر، وهو ما يعني أن النبي محمد نفسه كان من نسل عبراني، قبل أن يتعرب جده اسماعيل، وهو ما يعني أنه لو كان فعلا يوجد مكان عبادة وصله الرسول ليلة الإسراء، لكان مكانا عبرانيا سكانه ينطقون بالأرامية واليونانية، ولم يكن تحول إلى مسجد بعد، وربما كان موقعا مسيحيا يعج بالصلبان، وهو ما يمنع صلاة المسلمين ويبطلها.

هذه الأفكار مبنية على ربط بسيط للروايات الإسلامية العربية السائدة، مع تعريج بسيط على بعض العمل التاريخي المبني على نقش النمارة، أي قبر امرؤ القيس، والاستعانة بالتسلسل التاريخي لوضع آية الإسراء في سياقها.

المشكلة أن غالبية المسلمين اليوم تتصور تاريخها بشكل يعكس وضعها الحالي، المعادي لليهود، وتحاول تأكيده بنصوص دينية يمكن تأويلها بأشكال كثيرة، وهي عادة قديمة. المؤرخة اللبنانية ناديا الشيخ اصدرت بحثا قبل عقود حول الآية "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون". وكلمتا غلبت وسيغلبون تعتمد على التحريك، الذي يحولها من فعل معلوم إلى مجهول، وبالعكس. ولأن التحريك عملية تلت تدوين القرآن بفترة، اختلفت القراءات بين المسلمين على مر العصور. وتظهر الشيخ أن طريقة تحريك المسلمين للكلمتين كانت تعكس علاقة المسلمين بالروم، فإن كانت طيبة، تشير الآية أن الروم سيفوزون، وفي الأزمان التي كانت علاقة المسلمين بالروم عدائية، قرأ المسلمون الآية بشكل يشي بأن الروم سينهزمون.

غالبية المسلمين اليوم تتصور تاريخها بشكل يعكس وضعها الحالي، المعادي لليهود

​​الحاضر غالبا ما ينعكس على تفسير التاريخ، حتى لو كان تفسير النص نفسه. ربما هذا هو سبب إصرار غالبية مسلمة اليوم على تفسير الآيات المتعلقة بالقدس، أو باليهود عموما، بشكل عدائي. ربما لو خرج مؤرخ قبل ثلاثة قرون، يوم كانت القدس تحت سيطرة عثمانية وتعيش على الهامش، وقال إن "المسجد الأقصى" في آية الإسراء لا بد أن يشير إلى موقع آخر، لكانت غالبية المسلمين تعاملت مع الأمر وكأنه تجديد في التفسير التاريخي وتباين في وجهات النظر التي تحتمل التأويل.

لا بد من فصل التاريخ عن الدين، وفصل الدين عن السياسة، فالتاريخ للتاريخ، والدين غذاء للروح، والسياسة سباق مصالح، فإن دخلت السياسة على التاريخ والدين، أفسدتهما، وان دخل التاريخ والدين على السياسة، أفسداها كذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: التاريخ كما يراه الإسلام السياسي​

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.