خيبة الأمل لعينة، سخيفة، ضارية، ولربما مهينة، لا حل معها إلا في حرق مصدرها: عمق قلبك
خيبة الأمل لعينة، سخيفة، ضارية، ولربما مهينة، لا حل معها إلا في حرق مصدرها: عمق قلبك

د. ابتهال الخطيب/

ترى كيف هي قلوبكم؟ وماذا تصنع بها خيبات الأمل؟ في مقال سابق، كنت قد كتبت في الحزن وحول شعوره واضح المذاق، هذا الشعور السكري اللذيذ الدافئ الثقيل، كأنه شوكولاتة داكنة ذائبة تسري في الجسد وتسد منافذ النور فيه.

الحزن معتم، هادئ، له موجات مطوية ثقيلة من الوجع تأتي وتذهب دون إنذار، إلا أن للحزن كثافة تجعله يجلس مستقرا في قعر القلب، واضح المعالم مريح النكهة في ما يصاحبه من يأس ولا مبالاة.

خيبة الأمل هي أن تبذل جهدا تسرقه واسطة

​​أما خيبة الأمل، تلك العدو اللدود، فهي غرائبية المذاق هلامية الوجود، ذات طعم لزج جاف لا نكهة واضحة فيه. خيبة الأمل ليست حزنا ولا ندما ولا غضبا، خيبة الأمل مزيج من هذه كلها، وخارج نطاق هذه كلها، ذات مذاق كأنه ذاك الذي لقطعة الحلوى القطنية التي تختفي قبل أن يظهر لها طعم في الفم، أو لربما هو ذلك الذي لقطعة قصب السكر التي بعد ثوان من لوكها تتحول إلى شرائح خشبية جافة مائعة لا ذكرى لسكريتها التي كانت قبل ثوان واختفت في أقل منها.

خيبة الأمل... شعور سخيف هي تلك الخيبة، فهي توحي بأن آمالك كانت أعظم من واقعك وأن تطلعاتك كانت أكبر من حجمك. خيبة الأمل (مع الاعتذار عن التعابير التي أصف بها نفسي لا القارئ) تشير لسذاجتك، لقلة خبرتك، ولغباء مشاعرك، تلك التي أطلقتها أنت في فضاء مثالي، لتتشكل وتتبلور بشكل غير واقعي وفي مساحة مثالية غير موجودة.

خيبة الأمل هي مؤشر على اختلال مقاييسك وانحراف توقعاتك، وعدم تعلمك الدرس، أنت كما أنت وخيبات الأمل كما هي، "فمتى أنجو من الأسر وتنجو؟ لست أدري"¹. خيبة الأمل هي أن تبذل جهدا تسرقه واسطة؛ أن تنتظر وعدا تنهبه مصلحة؛ أن تقول أحبك لمن لا يردها لك؛ أن تضحك في وجه من لا يعيدها إليك. خيبة الأمل هي أن تحرق السنوات وتبذل المحبات وتبني الآمال وتحفر في صخر الحياة لتصنع حبا وقربا وأمنا لا يتحققون؛ خيبة الأمل لعينة، سخيفة، ضارية، ولربما مهينة، لا حل معها إلا في حرق مصدرها: عمق قلبك.

حين يخيب أملك في العشرين، تعرف أن لديك فرصة أوسع في الثلاثين، وحين يخيب أملك في الثلاثين، تعرف أن فرصتك أنضج في الأربعين، أما حين يخيب أملك في الأربعين، تدرك حينها أنه نمط سلوكي ومشاعري، وأنك تدور دورة كاملة حول الآمال لتعود لذات نقطة البداية.

تدرك أنك عطارد محترق حول الشمس أو فأر محبوس في مصيدة دائرية أو شخصية الزوجة في قصة شارلوت بيركنز جيلمان المعنونة "ورق الجدران الأصفر"² والتي في نهاية القصة يجدها زوجها وقد هبطت على ركبتيها وراحتي يديها وأخذت تدور وتدور حول غرفتها وكتفها الأيسر ملتصق بالحائط في مشهد مرعب جراء حبس زوجها لها في إجراء "طبي" كان يتخذ تجاه النساء حتى القرن التاسع عشر وكان يسمى "علاج الراحة" ـ ربما تكون هذه القصة موضوع مقال قادم. تدرك أنك عربة في لعبة دولاب الملاهي، أو سمكة في بحيرة مغلقة، في الأربعين ستدرك أنك، ولا مؤاخذة، وأنا وكلنا "عبيطين".

خيبة الأمل هي أن تنتظر وعدا تنهبه مصلحة

​​كيف نتفادى خيبة الأمل؟ بأن نتوقف عن تشكيل التوقعات؟ وكيف نوقف تشكيل التوقعات؟ بأن نقطع حبال التمنيات؟ وكيف نقطع حبال التمنيات؟ بأن "نقطع الأورطي ونسيح دمه" على قولة الأحبة المصريين، لتنتهي التوقعات والتمنيات والحياة بأكملها، فحياتنا، بيولوجيا، مشروطة بالأمل، والأمل مشروط الأمنيات، والأمنيات بالتوقعات والتوقعات بالخيبات، وندور وندور في هذه الدائرة النفسية البيولوجية؛ بلاها لا نحيا وبها نموت كل يوم.

المزاج داكن، لربما أكثر ظلاما مما يحتمله مقال، ولكن خيبات الأمل هذه، هي لسان حالنا اليومي، حتى أنها أصبحت جزء من نفسياتنا ولا وعينا، مدفونة عميقا في أكبادنا ومعصورة تماما مع أحماض معداتنا. خيبات الأمل هي عنوان الحالة البشرية، وهل من خيبة أمل أكبر وأسخف من خيبة الموت؟ بعد كل ما نبذل ونفعل ونحب ونكره ونحارب ونتصارع ونتعلم ونكتب ونقرأ ونوثق ونسجل ونقتني ونبني، نموت، هكذا، نفنى ونموت، فهل هناك خيبة أمل أسخف وأشد وأحلك من هذه؟

خيبة الأمل هي أن تقول أحبك لمن لا يردها لك

​​ولأنني لا بد أن أكون كاتبة طيبة، لا بد أن أترك فسحة من أمل لتضيء شيئا من عتمة هذا المقال. ليست كل الآمال تخيب، فهناك آمال تتحقق وهناك أفراح تتجلى، وهناك حلوى قطنية تدوم في الفم وقطعة قصب سكر لا تنتهي حلاوتها؛ هناك آمال لا تغتالها واسطة ووعود لا تسرقها مصلحة، هناك ضحكات مردودة ومحبات متبادلة؛ هناك عطارد يصفو جوّه وعربة ملاهي تصل لنهاية طريقها وزوجة من القرن التاسع عشر تجد العدالة والإنسانية؛ هناك موت بعده حياه وحياة لا موت بعدها، هناك الأمل في الأمل في الأمل الذي لن يتحقق، والذي لا بد أن نستمر في إيماننا بأنه سيتحقق ليخيب أملنا ونخيب ونعيد الكرة. هناك كل هذه الأكاذيب، وهناك التمني أن تتحول الأكاذيب إلى حقائق في يوم ما، التمني الذي به نحيا ونستمر ونواجه الحياة وفناءها. كل عام وأنتم بخير وأمل.

¹بيت من رائعة العبقري إيليا أبو ماض "الطلاسم"

²رواية قصيرة رائعة من عبقريات الأدب النسوي، عنوانها الإنكليزي The Yellow Wallpaper

اقرأ للكاتبة أيضا: عن مشاعر الغربة والغضب

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.