اعتمد الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم "حزب العدالة والتنمية" حملتهما الانتخابية على برنامج ذو توجه أمني
أردوغان مخاطبا مؤيدين له في إسطنبول

سونر چاغاپتاي/

تشير استطلاعات الرأي الخاصة بإعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول إلى تقدّم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو على مرشح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء السابق بينالي يلدريم (بن علي يلدرم). وعلى الرغم من فوز إمام أوغلو خلال الانتخابات الأولى التي جرت في 31 آذار/مارس، إلا أن مجلس الانتخابات في البلاد ألغى النتيجة، بحجة وجود مخالفات تتعلق بتشكيل لجان الاقتراع في بعض مناطق إسطنبول، ودعا إلى إعادة الانتخابات في 23 حزيران/يونيو.

ونظرا لأن إسطنبول تمثّل ثلث اقتصاد تركيا وأن أردوغان كان عمدة [رئيس بلدية] إسطنبول قبل أن يصبح رئيسا للوزراء في عام 2003، فيمكن أن تكون هذه الانتخابات منصة يتحدى من خلالها إمام أوغلو الرئيس أردوغان على الصعيد الوطني.

ومع ذلك، فلدى أردوغان ـ الذي يسيطر على العديد من مؤسسات الدولة، بما فيها الكثير من وسائل الإعلام والمحاكم والشرطة ومجالس الانتخابات ـ خطتان للفوز بمدينة إسطنبول، واحدة صيغت قبل 31 آذار/مارس والأخرى بعد هذا التاريخ.

الخطة (أ): الفوز بأصوات السكان عبر مزيج سياسي

تنعكس خطة أردوغان المفضلة للفوز في انتخابات إسطنبول لصالح يلدريم من خلال "مجموعة من الأساليب": أي مزج أدوات مختلفة مصممة لتحقيق مكاسب تدريجية لصالح مرشحه المفضل بدلا من لحظة "تحوّل مصيري" كبرى. أولا، تم التعرّض جسديا لنحو ستة صحفيين تابعين للمعارضة خلال الأسابيع الأخيرة. وعلى الرغم من إلحاق بعض الجروح الخطيرة، إلا أنه بالكاد تلقى الفاعلون أي تأنيب؛ وبدلا من ذلك، منحتهم الشرطة والمحاكم حصانة.

وفي غضون ذلك، روّجت روايات كاذبة ومقاطع فيديو تمّ التلاعب بها ونشرها من قبل وسائل الإعلام الموالية لأردوغان، مزاعم بأن إمام أوغلو هو من "أصل يوناني" وبالتالي يجب استبعاده من تولي منصب العمدة.

إمام أوغلو مسلم متديّن، لكن بخلاف أردوغان، يرغب في فصل الدين عن الدولة

​​وهناك أيضا احتمال في أن يشوب يوم الانتخابات تزوير طفيف للأصوات. وكانت تركيا قد شهدت تصويتا حرا ونزيها منذ عام 1950، ويبدو أن تزوير واسع النطاق هو خارج نطاق البحث.

ومع ذلك، أيّد مجلس الانتخابات إلى حد كبير قرارات أردوغان في الآونة الأخيرة، على غرار قراره الصادر في 6 أيار/مايو بإلغاء نتائج التصويت في إسطنبول. وفي السادس من حزيران/يونيو، عزل المجلس ثلاثة عشر من رؤساء الدوائر التسعة والثلاثين المسؤولين عن عمليات الاقتراع في إسطنبول. وبإمكان المسؤولين عن الانتخابات الخاضعين لأردوغان مساعدته على تغيير النتيجة لصالحه في 23 حزيران/يونيو إذا كان الفارق بين إمام أوغلو ويلدريم ضئيلا مرة أخرى (وفقا لبعض التقارير كان هذا الفارق حوالي 13000 صوتا في آذار/مارس).

فضلا عن ذلك، يمكن للعمليات العسكرية التركية المستمرة والناجحة ضد "حزب العمال الكردستاني"، وهو جماعة مصنّفة كإرهابية، أن تقدم دعما إضافيا لمعسكر أردوغان. كما يمكن أن يكون لـ "أزمات الأمن القومي" المختلفة التأثير نفسه ـ فعلى سبيل المثال، صراع أوسع نطاقا بين القوات التركية والقبرصية اليونانية في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث دخلت الدولتان في خلاف في الآونة الأخيرة بشأن التنقيب عن الغاز الطبيعي.

لكن إذا ما استثنينا مثل هذه الحوادث غير المتوقعة، من المفترض أن يأمل أردوغان أن تساعده سيطرته على المؤسسات التركية ـ بما فيها "وكالة الأناضول للأنباء" شبه الرسمية، وهي الهيئة الوحيدة المخوّلة بالإعلان عن نتائج الانتخابات ـ على التلاعب بالنتيجة لصالح يلدريم.

أردوغان الجديد في تركيا

على الرغم من عدم التناسق بين موارد المرشحَيْن، قد تكون "الخطة أ" التي وضعها أردوغان قد ساعدت عن غير قصد على خلق "أردوغان جديد" من إمام أوغلو الذي ينبغي تحليل نجاحه في إطار سياق صعود الرئيس التركي الخاص في تركيا.

تجدر الإشارة إلى أن أردوغان قد وُلد في أحد أحياء إسطنبول ضمن الطبقة العاملة والشجاعة عام 1954. وقامت علامته السياسية الأولى على تصوير نفسه من المستضعفين الفقراء والمتدينين في تركيا التي أقصت في ذلك الوقت الأشخاص الراغبين في التعبير عن ديانتهم صراحة عن السلطة السياسية.

وبعدما اعتنق الإسلام السياسي ودخل معترك السياسة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي كعمدة إسطنبول، نجح من خلال الدفاع عن مصالح "المقترعين المتدينين من عامة الشعب" في وجه "المؤسسة العلمانية". وقد ساعد ذلك، من جملة أمور أخرى، "حزب العدالة والتنمية" الذي ينتمي إليه على الفوز بالانتخابات البرلمانية في تركيا عام 2002، مما رفعه إلى منصب رئيس الوزراء، ورئيس البلاد في وقت لاحق.

هناك احتمال في أن يشوب يوم الانتخابات تزوير طفيف للأصوات

​​وطوال عقد من الزمن بعد عام 2002، أجرى أردوغان تغييرات في تركيا. فقد آمن برؤية تطلعية صوب المستقبل للبلاد، مشيرا إلى قدرته على تجاوز التحديات الأكثر إلحاحا، بدءا بالقضية الكردية مرورا بالفساد وانتهاء بسوء الإدارة الاقتصادية، وهذا ما فعلَه. ولهذا السبب، دعمه كثير من الناخبين وأيدوا حزبه في صناديق الاقتراع.

لكن الوضع تغيّر الآن. فقد حكم أردوغان تركيا فترة ستة عشر عاما وأصبح السياسي الأكثر نفوذا في البلاد في التاريخ المعاصر. كما أن هناك ما يقرب من 31 مليون تركي، أي حوالي 40 في المئة من السكان، قد بلغوا السنّ القانوني للاقتراع خلال عهده. ويحمّله العديد من هؤلاء المواطنين مسؤولية المشاكل التي تعانيها البلاد حاليا، مثل تجدّد الصراع مع "حزب العمال الكردستاني"، والاقتصاد المنهار، والبيئة القمعية تجاه المعارضة.

وبعبارة أخرى، يمثّل أردوغان حاليا الوضع الراهن، وبهذا المعنى ربما يكون قد ساعد إمام أوغلو عن غير قصد من خلال إلغاء انتخابات آذار/مارس. وفي ظل الظروف العادية، يجب ألا تؤثّر انتخابات رئاسة البلدية على السياسة الوطنية، غير أن أردوغان شارك شخصيا في حملة مرشح حزبه في هذه الانتخابات، محولا أساسا الاقتراع إلى استفتاء حول شعبيته ومزوّدا إمام أوغلو بمنصة أوسع نطاقا ليكون "أردوغان الجديد" ـ المستضعف الذي يمثّل فرصة للتغيير.

فعلى سبيل المثال، إن إمام أوغلو مسلم متديّن، لكن بخلاف أردوغان، يرغب في فصل الدين عن الدولة، وهو موقف يتردد صداه في أوساط العديد من المواطنين المستائين من تسييس الدين خلال السنوات الأخيرة. كما اعترض إمام أوغلو على الفساد والمحسوبية والإنفاق الحكومي المهدر، وأظهر تضامنا مع الناخبين المستائين من الإنفاق الحكومي في وقت تعاني البلاد تباطؤا اقتصاديا حادا. فضلاً عن ذلك، دعم إقامة حكومة شاملة، معربا عن استعداده لمعاملة جميع المواطنين على قدم المساواة بغض النظر عن ممارستهم الدينية أو عدم وجودها، عازفا على الوتر نفسه كما فعل أردوغان في عام 2002.

الخطة (ب): إضعاف إمام أوغلو تدريجيا في حال فوزه

إذا فاز إمام أوغلو في 23 حزيران/يونيو، فلن يسارع أردوغان إلى إضعافه على الفور. بدلا من ذلك، يوفّر جدول الأحداث الزمنية بعد انتخابات 31 آذار/مارس مخططا لاستراتيجيته المحتملة. فعقب فوزه بالجولة السابقة، اضطر إمام أوغلو إلى الانتظار لأكثر من أسبوعين من أجل تولي مهام منصبه بشكل رسمي. وقد سمح له أردوغان بأن يكون عمدة لما يقرب من ثلاثة أسابيع قبل أن يطلب من مجلس الانتخابات إبطال نتيجة التصويت وطرده من منصبه؛ وقد لبى المجلس طلبه هذا في أقل من ثمانية وأربعين ساعة. فلو دعا أردوغان إلى إبطال النتيجة على الفور، لكان من المحتمل أن يثير احتجاجات واسعة النطاق. وبدلا من ذلك، اختار مقاربة تدريجية امتدت على مدى خمسة أسابيع، متجنبا بالتالي الكثير من السخط الشعبي الذي كان يمكن أن ينتج عن ذلك.

وإذا فاز إمام أوغلو مجددا، من المرجح أن يتأنى أردوغان في اتخاذ خطوات من شأنها إضعاف سلطة العمدة. على سبيل المثال، يمكنه حثّ الأغلبية التابعة له في البرلمان على تمرير تشريع يحد من صلاحيات إمام أوغلو. وتتمثل الخطوة التشريعية الأكثر فتكا في وقف تمويل المدينة، لأن للحكومات المحلية في تركيا وسائل محدودة لزيادة الإيرادات وهي تعتمد على الحكومة المركزية لما يقرب من ثلثي ميزانيتها.

ويتمثّل خيار آخر في إقالة إمام أوغلو وتعيين عمدة "مؤقت"، وهو إجراء لجأ إليه أردوغان سابقا في مدن أخرى لاستبدال رؤساء البلديات المنتخبين من "حزب ديمقراطية الشعوب" ['حزب الشعوب الديمقراطي'] القومي الكردي استنادا إلى ادعاءات بأن لديهم صلات بـ "حزب العمال الكردستاني". ولكن نظرا لشعبية إمام أوغلو، فإن استبداله بعمدة مؤقت من دون سبب وجيه من شأنه أن يثير احتجاجات على الأرجح.

ومن أجل تخطي هذه العقبة، قد يلجأ أردوغان إلى مجموعة من الأدوات القانونية. فعندما ألغى مجلس الانتخابات نتائج التصويت السابقة في إسطنبول، فعل ذلك بناء على أسس أثارت جدلا كبيرا مفادها أن عددا من مسؤولي مراكز الاقتراع لم يكونوا موظفين حكوميين، خلافا للقانون. ومع ذلك، ففي 5 حزيران/يونيو، قرر المجلس عدم استبدال هؤلاء المسؤولين أنفسهم في 23 حزيران/يونيو. وقد سبق أن علّق أردوغان على هذا التناقض الواضح قائلا: "أعتقد أن هناك سوء تفاهم". ويفتح ذلك المجال أمامه في نهاية المطاف لكي يطلب من المجلس إلغاء التصويت المقبل في إسطنبول استنادا إلى الأسس ذاتها إذا فاز إمام أوغلو مجددا.

إذا فاز إمام أوغلو في 23 يونيو، فلن يسارع أردوغان إلى إضعافه على الفور

​​وفي الوقت نفسه، قد يلجأ أردوغان إلى اتخاذ خطوات برلمانية للحدّ من التمويل المقدّم إلى حكومة إمام أوغلو الجديدة، ما قد يسفر عن انهيار خدمات المدينة ويحوّل المشاعر الشعبية ضد العمدة على الأمدين القصير والمتوسط، الأمر الذي سيسهّل إزالته من منصبه.

لقد سبق أن تغلب إمام أوغلو على "الخطة أ" التي وضعها أردوغان من قبل، حيث تفوّق في انتخابات آذار/مارس رغم كل المصاعب. ومن أجل أن ينجح في ذلك مجددا، ولتجنب مكائد "الخطة ب"، سيحتاج إلى التغلب على الألاعيب القانونية لأردوغان وإقناع عدد كاف من الناخبين بأنه المستضعف والمدافع الذين يتطلعون إليه.

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف الكتاب المرتقب "إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.