طائرة F-15 تحط في قاعدة خميس مشيط الجوية
طائرة F-15 تحط في قاعدة خميس مشيط الجوية

جويس كرم/

يحمل صاروخ ـ"كروز" الذي ضرب قاعة الاستقبال عند الساعة الثانية فجرا من صباح الأربعاء (12 حزيران/يونيو) في مطار أبها في السعودية موقعا 26 إصابة، يحمل رسائل تصعيد وبوادر غليان أبعد من ساحة المواجهة بين حوثيي اليمن والمملكة، ويعد بتشنج إقليمي وردود قد تكون غير مسبوقة تتناول دور إيران وتفرض مراجعة للدفاعات الصاروخية للسعودية.

اعتداء أبها بحد ذاته غير مفاجئ، إنما توقيته في مرحلة ساخنة إقليميا يعني اتساع رقعة المواجهة بين إيران والسعودية. لماذا إيران؟ لأن صاروخ "كروز" لا يملكه الحوثيون وهم غير قادرين على استحواذه أو إطلاقه من دون مساعدة الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله. هذا النوع من الصواريخ أطلقه الحوثيون قبلا، لكن لم يصب هدفه، وكان الرد داخل اليمن. اليوم، ومع الاستهداف العلني والفاضح لمرفأ حيوي ومدني للسعودية، ليس بوسع الرياض إلا الرد وبإطار قد لا ينحصر في اليمن.

الصورة الإقليمية هي صورة غليان وتصعيد

​​بعيدا عن الإدانات التي اعتدنا عليها، وبيانات المنظمات العربية والدولية، معضلة حرب اليمن أن لا انتصارات عسكرية فيها ولا حلولا سياسية في الأفق. فرص المبعوث مارتن غريفيث لتطبيق حد أدنى من تفاهمات ستوكهولم في تراجع، ومجلس الأمن عاجز، والحوثيون يزدادون تعنتا وضراوة في اعتداءاتهم الأخيرة.

ساحة اليمن هي جبهة مفتوحة وغير مكلفة لإيران بهدف إغاظة خصومها عبر تدريب وتسليح الحوثيين، وضربهم لأهداف حيوية داخل السعودية. أما الرياض، فخياراتها ضيقة، إما الرد عسكريا داخل اليمن من دون حل الأزمة، أو التفاوض وهو ما لم يحل الأزمة، أو تفعيل الدفاعات الصاروخية والضمانات الممنوحة للسعودية من أميركا أو غيرها والذي يبقى الحل الموقت والأنسب اليوم.

الرد داخل اليمن لن يحل مشكلة وصول صواريخ "كروز" للحوثيين ولن يخرج مدربي حزب الله والحرس الثوري من مناطقهم، فيما الجلوس على طاولة المفاوضات طوال الأربع سنوات الفائتة لم ينه الاقتتال من الجانبين.

تفعيل الوجود العسكري الأميركي في مياه الخليج في الشهر الأخير ساعد، من دون أن يوقف التهديدات والاعتداءات الإيرانية على حلفاء واشنطن. من هنا، على السعودية أن تنظر في وسائل أفعل لتعزيز دفاعتها الصاروخية طالما أن حرب اليمن مستمرة ولا ضمانات لوقف تسليح الحوثيين.

يمكن للسعودية أن تجري محادثات موسعة مع الأميركيين لتحصل على معدات دفاع صاروخية أقوى وتتصدى لصواريخ "كروز" كالتي تملكها إسرائيل مثلا (القبة الحديدية)، وتسريع تسليمها معدات كانت اشترتها سابقا مثل نظام "ثاد". مع العلم أن نظام "ثاد" غير كاف لاعتراض صواريخ "كروز"، فيما نظام "باتريوت" الأميركي قادر على ذلك.

وفي حال اعترضت واشنطن على تزويد الرياض بهكذا صواريخ، يمكن للسعودية أن تنظر شرقا وتستكمل محادثاتها مع الصين التي كشفتها "سي أن أن" الأسبوع الفائت لتطوير صواريخ باليستية، أو مع روسيا حول نظام أس 400 الذي ستتسلمه تركيا من موسكو خلال أسابيع إلا في حال أقنعتها واشنطن بالتراجع عن الصفقة.

الرد داخل اليمن لن يحل مشكلة وصول صواريخ "كروز" للحوثيين

​​أميركا، التي لا تريد من حلفائها في الخليج أن يرموا أنفسهم في أحضان روسيا والصين، قد تكون مجبرة بعد التصعيد العسكري جويا وبحريا في المنطقة، أن تزود حلفائها بترسانات دفاعية أكثر فعالية مما يمتلكونه حاليا ولتفادي ردود أكثر كارثية قد تجرها لحرب إقليمية.

الصورة الإقليمية هي صورة غليان وتصعيد، واعتداء مطار أبها هو جبهة واحدة منها. ففي فترة تقل عن شهر وقعت أربعة اعتداءات في الخليج بدءا من الفجيرة في الإمارات، ومؤشرات الاصطدام بين واشنطن وإيران تلوح في العراق، وبين حزب الله وإسرائيل في سوريا وجنوب لبنان. هذا التصعيد يفرض ترو ومراجعة استراتيجية لتفادي اشتعال حرب، والنظر في تعزيز الدفاعات الصاروخية.

اقرأ للكاتبة أيضا: تركيا وأميركا نحو مواجهة دفاعية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.