الملك الأردني مشاركا في احتفالات عيد استقلال الأردن
الملك الأردني مشاركا في احتفالات عيد استقلال الأردن

نضال منصور/

20 عاما مرت على عيد جلوس العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على العرش خلفا للملك الراحل الحسين الذي استمر قائدا للأردن طوال 47 عاما.

كان الأردن طوال عقدين من الزمن في عين العاصفة، لم يكن سهلا التخيل كيف سيصمد الملك الشاب في وجه الرياح العاتية دوليا وإقليميا، فهو قبيل أشهر من رحيل والده لم يكن وليا للعهد ولم يكن يشار له باعتباره الملك القادم، حين كان عمه الأمير الحسن الأقرب لوراثة عرش المملكة.

لم تمهل الأيام الملك عبد الله الثاني كثيرا بعد تسلمه للعرش، فالاختبارات الصعبة والعواصف توالت، ابتداء من أحداث أيلول/سبتمبر الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية في عقر دارها، تلاها الحرب لإسقاط نظام صدام حسين، ولم تتوقف بالعمليات الإرهابية التي ظلت تُسيل الدماء وتثير الهلع والمخاوف، ولم تنته بالربيع العربي الذي غير الخارطة العربية، وأشعل المزيد من الحرائق في جوار الأردن.

طوال عقدين لم يكن سهلا التخيل كيف سيصمد الملك الشاب

​​في عشرين عاما من حكمه سقطت أنظمة عتيدة على حدوده، رحل زعماء عرب عُرفوا بقوتهم وسلطتهم وجبروتهم، في حين صمد الأردن دولة ونظاما، وربما تعززت ثقته، وامتلك قدرات على المناورة أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد رهانات الربيع العربي على انهياره، فانحنى للعاصفة، واستمع لصوت الشارع، وامتلك جرأة للتغيير، فصمد ونجا حين سقط الآخرون.

بعد احتفالات المملكة بعشرين عاما على جلوس الملك عبد الله الثاني لم تتراجع الأخطار مثلما كانت منذ تأسيس الدولة، وما زال هناك من يدعي أن لها دورا وظيفيا، ولم تعد شعارات "أمن الأردن من أمن إسرائيل" مسلمات أو بديهيات، ولم يعد الرهان على أن أميركا في زمن الرئيس ترامب تتعامل مع النظام الأردني باعتباره من الثوابت في المنطقة التي لا يجوز المساس بها، فإن كان الأردن بلدا ونظاما عرضة قبل عقود لانقلابات عسكرية ومؤامرات اتُهم بالتخطيط لها زعماء الجوار من الناصريين والبعثيين، وزادت التهديدات مع الصراع الذي اندلع في "السبعين" مع الفصائل الفلسطينية، فإن خارطة المخاطر تغيرت وتبدلت اليوم وأصبحت "عملية السلام" حسب "صفقة القرن" من أكبر التحديات التي تهدد الأردن ومصالحه.

شهد الأردن في الأيام الماضية احتفاليات بذكرى جلوس الملك العشرين، وأطلق "هاشتاغ" "وتستمر المسيرة" في إشارة للإنجازات التي تحققت في عهد الملك عبد الله، وزخرت وسائل الإعلام المحلية بتغطيات إعلامية تؤرخ لقصص النجاح التي تحققت في ميادين التعليم والصحة وتنامي الاقتصاد، وانفتاح الأردن على محيطه العربي والإقليمي والدولي، لكن في ظلال المشهد الذي لم ترصده الصحافة الوطنية كان القلق حاضرا، والعاهل الأردني يسعى لتحشيد الشارع خلفه ويؤكد المرة تلو الأخرى في لقاءات ممنهجة مع الشخصيات العامة والإعلاميين "أن الأردن لن يغير موقفه"، ويُقصد بذلك أن عمان لن تقبل باستحقاقات عملية السلام الأميركية ـ صفقة القرن ـ ولن يقبل بسحب وصايته عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

يساند الشارع الأردني الملك في موقفه الرافض لاستحقاقات ما يُسمى "عملية السلام"، لكن التشكك والتشكيك لا يمكن اخفاؤه أيضا، فالأسئلة كثيرة على لسان المنتقدين، وتناسلت الأسئلة الحائرة أكثر بعد تسريبات إعلامية أميركية أن الأردن سيشارك في "ورشة البحرين الاقتصادية" التي تعد توطئة لصفقة القرن.

♦♦♦

لو خرجنا من أزمة ملف السلام فإن الداخل الأردني يعيش حالة من التجاذب والصراع، ففي يوم الاحتفال بعشرينية الجلوس الملكي كانت أجهزة الأمن تمنع محتجين من الوصول إلى مقر المركز الوطني لحقوق الإنسان للتعبير عن رفضهم لتوقيف وسجن نشطاء حراكيين اتهموا "بإطالة اللسان" على الملك، ووُجهت لهم اتهامات بـ "تقويض نظام الحكم"، الأمر لم يتوقف عند حدود الاحتكاك والمنع الذي تكرر، وهو ما أثار اعتراض المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان على التضييق على حرية التعبير وحق التجمع السلمي، بل تعدى ذلك لاعتقال عدد من المحتجين وثلاثة من الصحفيين من قناة الأردن اليوم الذين كانوا متواجدين لتغطية الاعتصام.

السؤال المحير من الذي أمر بتوقيف المحتجين والصحفيين في يوم احتفالية عيد الجلوس، وهي قصة ستلتقطها وسائل إعلام دولية للتشويش على الرسائل الملكية بأن عمان تتسع للأصوات المختلفة، وهي دولة لا تتشابه مع دول الإقليم الذي تُقمع فيها الحريات العامة؟

المشكلة المتصاعدة أن الأردنيين لا يثقون بالحكومات بعد استلاب ولايتها العامة

​​هذه الأحداث التي تنتهك سجل الأردن بحقوق الإنسان تترك بقعا سوداء في الصورة الأردنية التي يجهد النظام في تصديرها للعالم، وملخصها الأردن مختلف رغم الصعوبات والتحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهه، فهو يملك رصيدا شعبيا متينا، ومتصالح قبل كل شيء مع أهله.

تغير العالم خلال العشرين عاما، وقواعد اللعبة التي تعود عليها الحكم في الأردن لم تعد كما كانت، وأول ما يجب أن يتعايش معه أن "السوشيل ميديا" أصبحت دولة منافسة لكل أنظمة الحكم، وحدودها مفتوحة، وأصواتها مسموعة، وتحتضن جميع الأصوات الغاضبة والرافضة، قبل المسالمة والصامتة.

في الدستور الأردني، الملك محصن من النقد، وهذا معروف، وقبل سنوات قليلة وحتى الربيع العربي لم يكن مألوفا توجيه انتقادات للملك وحتى العائلة المالكة، وكانت المنابر الإعلامية لا تقترب من هذه الخطوط ليس لرقابة مسبقة، ولكن تسليما وتوافقا مع الدستور، وتقديرا للملك والهاشميين، واليوم هناك من يكسر هذا المسلَّم في منصات التواصل الاجتماعي حبا وعشما وأملا وعتبا، وبعضهم يكسر هذه التابوهات وهنا قناعة عن بعض المسؤولين في الدولة، وخاصة في أجهزتها الأمنية، أن بعض هذا النقد هو استهداف للنظام والبلد من أجل إضعافهما وإثارة الفوضى، ويصرح ويلمح (بعض المسؤولين) لأياد خارجية تعبث بنسيج الوطن ووحدته المقدسة.

لا أعرف إن كان فريق المستشارين في الديوان الملكي، وبمناسبة ذكرى الجلوس، قد أدركوا أن إعادة عقارب الساعة للوراء مستحيلة، وأن زمن الصوت الواحد والإعلام الواحد قد ولى إلى غير رجعة، وأن السيطرة على الإعلام أو "السوشيل ميديا" أو تقنين المحتوى للحد من انتقادات المغامرين أو كذب المغرضين أمر مستحيل، وأن المطلوب إعادة بناء الصورة حتى تجد طريقها لعقول وقلوب الناس، وترجمة كلام الملك ووعوده إلى أفعال.

المشكلة المتصاعدة أن الأردنيين لم يعودوا يثقون بالحكومات بعد أن استُلبت ولايتها العامة على مر العقود، وأصبحت جهازا تنفيذيا في أحيان كثيرة تجري المياه من تحتها فلا تبصر ولا تعرف، وهذا خطأ وخطيئة أسهما في حرف البوصلة واندفاع المحبطين لانتقاد "القصر" باعتباره المسؤول عن حالهم وليس الحكومات.

20 عاما على حكم الملك قد تكون مناسبة للمباشرة بعملية "تطهير" للمتنفعين ورموز الفساد، ولإعادة حكم القانون ووضع الأوراق النقاشية للملك موضع التطبيق، ومن المهم أن تُقرأ رسالة الملك لمدير مخابراته الجديد، والتي تضمنت انتقادات علنية لتجاوزات وقعت في أكثر أجهزة الدولة حساسية وثقة لدى النظام، بأنها خطوة على أول طريق التصحيح.

يحفظ الناس للملك والعائلة الهاشمية صورا على تواصلهم وقربهم لا يفعلها زعماء المنطقة، فالملك يرتدي قميص المنتخب الوطني ويكون أول المشجعين في الملعب، وهو بنفسه يتواجد على الطائرة المروحية العسكرية ليشرف على قفز جنوده، وهو المشارك في تمارين الرمي بالذخيرة الحية للقوات الخاصة بالجيش، وهو الذي يصطحب عائلته ليتناولوا "سندويش فلافل" في مطعم شعبي، وأيضا هو من ينزل من موكبه لينقذ سيارة علقت في الثلوج، وأخيرا هو من تفرد صور إفطاره الرمضاني مع عائلته على "السوشيل ميديا"، فيرحب بها كثيرون ويقدمونها كصورة لعائلة أردنية تمارس طقوس حياتها ببساطة؛ وهناك قلة تصيدتها للتندر و"فبركة" حكايات للنيل من العائلة.

كان الأردن بلدا ونظاما عرضة قبل عقود لانقلابات عسكرية ومؤامرات

​​الملكة رانيا امتلكت شجاعة نادرة حين ردت بطريقة غير مباشرة على الانتقادات خلال لقاء لها في محافظة الطفيلة حين بادرت بالسؤال بذكاء "أكيد راح تسألوني كيف كان الورء ـ ورق العنب ـ" في إشارة للطعام الذين تناولوه في إفطارهم الذي أصبح مادة على "السوشيل ميديا"؟

حتى تكتمل الصورة ونخرج من هواجس الخوف والقلق، فإن أجندة تسعى لتحسين الحياة المعيشية للناس، وتوسيع هوامش الحريات، وإنفاذ إصلاحات تغير النهج السياسي والاقتصادي وتحاسب بلا هوادة كل من يعتدي على المال العام وسيادة القانون، ستعبد طريق الملك، وتوقف التشويش الممنهج وغير الممنهج ضد العرش، وتصبح الجبهة الداخلية حائط صد يتكئ عليه النظام لمواجهة مخاطر الخارج.

الملك عبد الله الثاني حكما ليس الراحل الملك حسين، ولكن المؤكد أنه يملك مهارة قراءة المتغيرات ويعرف كيف يصغي لنبض الناس، وهذا يساعده أن يمضي "لتستمر المسيرة" ويُخرج البلاد من عنق الزجاجة.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب 'عربان' في العيد.. و'صفقة القرن' 'عارية'

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.