بري مستقبلا ساترفيلد (حسن إبراهيم - موقع مجلس النواب اللبناني)
بري مستقبلا ساترفيلد (حسن إبراهيم - موقع مجلس النواب اللبناني) | Source: Courtesy Image

حنين غدار/

بعد سبع سنوات من الجهود الدولية لحل النزاع على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، تبدو الدولتان على وشك الاتفاق على إطار عمل للتفاوض حول هذه القضية من أجل تسريع عمليات التنقيب عن النفط والغاز في البحر. ونقلت وكالة "رويترز" عن لسان مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى أنه من المقرر إجراء المحادثات في مدينة الناقورة اللبنانية خلال الأسابيع المقبلة.

ما الذي سيتحدثون عنه؟

منذ عام 2012، توسطت الولايات المتحدة في نزاعٍ حول مثلث مساحته 330 ميلا مربعا في شرق البحر المتوسط. وأصبحت المنطقة المعنية أكثر أهمية بعد اكتشاف الغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل وقبرص في عام 2009.

ونجحت المساعي الدبلوماسية الأميركية حتى الآن في حث كل طرف على تقديم بعض التنازلات. فقد وافق لبنان أخيرا على تولّي واشنطن دور الوساطة رغم اعتراضات "حزب الله"، بينما وافقت إسرائيل على عدد من الشروط التي وضعتها الحكومة اللبنانية.

رفض لبنان الإطار الزمني المقترح لستة أشهر لاختتام المفاوضات

​​وعلى الرغم من تصاعد التوترات والحديث عن الحرب، يبدو أن "حزب الله" وإسرائيل لا يريدان صراعا كبيرا آخر في لبنان في الوقت الحالي، لذلك قد توفر المفاوضات البحرية مجالا للتنفس وهو ما يحتاج إليه كليهما.

وفي هذا السياق، أفادت بعض التقارير أن القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد حمل إلى بيروت ردا إيجابيا في وقت سابق من هذا الشهر مفاده، أن إسرائيل مستعدة الآن لمناقشة الحدود البرية والبحرية معا، ويمكن إجراء المحادثات تحت رعاية الأمم المتحدة طالما يُسمح لممثلي الولايات المتحدة بالمشاركة.

وقد سبق وأن تم اقتراح مقايضة للأراضي لتسوية النزاعات الحدودية الرئيسية على الحدود البرية، على الرغم من أن المحادثات لن تشمل مزارع شبعا التي تعتبرها الأمم المتحدة جزءا من مرتفعات الجولان وبالتالي قضية سورية (لا تريد أي من الأطراف إشراك نظام الأسد، في هذه المرحلة).

وعلى الرغم من أن الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله قد حذّر مؤخرا من قبول الوساطة الأميركية، إلا أن قيادة "الحزب" أعطت موافقتها في النهاية. وتتمثل الخطة الحالية في أن يترأس المحادثات رئيس مجلس النواب والحليف السياسي الرئيسي نبيه برّي بينما يراقب مسؤولو "حزب الله" بدقة [تطور المحادثات] عن بُعد.

وفي الواقع، سارع نصرالله إلى تقييد معايير النقاش حين صرّح في 31 أيار/مايو، أنّ "الولايات المتحدة تريد ابتزاز المفاوضات حول ترسيم الحدود من أجل طرح موضوع ترسانة الصواريخ الدقيقة لدى 'حزب الله'"، محذرا ساترفيلد بالتركيز فقط على قضايا ترسيم الحدود.

لماذا غيّر "حزب الله" رأيه؟

بالنظر إلى اكتساب إيران المزيد من التأثير على القرارات السياسية والأمنية في لبنان بعد الانتخابات النيابية التي أجريت العام الماضي، فلن تتمكن بيروت من المضي قدما في هذه المفاوضات دون مباركة "حزب الله" ـ المنظمة الوكيلة الأبرز لطهران [في المنطقة]. فلماذا قرر التنظيم فجأة قبول المحادثات؟ هناك عدة عوامل تساعد في شرح قراره:

تخفيف الضغوط الاقتصادية: يدرك الرأي العام اللبناني أن "حزب الله" قد انتقل حاليا من جبهة المعارضة، حيث كان بإمكانه إلى حد كبير تجنب مسؤوليات الحكم، إلى جبهة المسؤولية، حيث أصبح يتحمل السلطة وعبء صياغة كافة القرارات الوطنية. وفي الوقت نفسه، تغرق البلاد في أزمة اقتصادية عميقة، مع وجود القليل من الأمل في أن يتم حلها في أي وقت قريب. وبما أن "حزب الله" يواجه أزمته المالية الخاصة بسبب العقوبات الأميركية على إيران الراعية له، يُلقي كثير من المواطنين اللوم على التنظيم نتيجة مشاكلهم الاقتصادية. وبالتالي، ليس من مصلحة "حزب الله" أن يُعتبر عائقا أمام صفقات مربحة في مجال الطاقة يمكن لها أن تساعد في تخفيف المعاناة المالية للبلاد. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت لدى "الحزب" الآن إمكانية الوصول إلى معظم الوزارات المهمة في لبنان، وبالتالي سيكون قادرا على الاستفادة من أي أرباح نفط وغاز تتحقق في المستقبل.

المساعي الدبلوماسية سارت وسط شائعات متزايدة بوقوع حرب.

​​​تفادي حرب كبيرة: على الرغم من تمسّك "حزب الله" بخطابه الناري التقليدي ضد إسرائيل، إلا أنه يدرك جيدا أنه لا يستطيع تحمل خوض حرب في الوقت الراهن. وسيصعب عليه تمويل رواتب المقاتلين والاحتياجات اللوجستية خلال صراع كهذا، ناهيك عن دفع تكاليف إعادة الإعمار بعد ذلك. وبخلاف حرب عام 2006، قد لا يسارع المجتمع الدولي إلى مساعدة لبنان في إعادة البناء بعد أن سيطر "حزب الله" على الحكومة. وقد تكلّفه محاربة إسرائيل مجددا جزءا كبيرا من ترسانته، وربما أيضا سلطته الهشة على المؤسسات اللبنانية.

تجنّب الانتقادات الدولية: لا يريد "حزب الله" أن يعطي أوروبا وروسيا والجهات الفاعلة الأخرى الانطباع بأنه الطرف الوحيد الذي يعيق الحل. فقد أُبرم في نيسان/أبريل 2018 اتفاق مع ائتلاف مؤلف من شركة "توتال" الفرنسية و "إيني" الإيطالية و "نوفاتك" الروسية لبدء أعمال الحفر الاستكشافية في منطقتين قبالة الساحل اللبناني، من بينهما المنطقة (أو البلوك) 9 المتنازع عليها، ومن المفترض أن تبدأ الشركات أعمال الحفر في كانون الثاني/يناير 2020، لذا يشعر "حزب الله" بالضغط من أجل إيجاد حل للنزاعات الحدودية قبل ذلك الحين.

ما فائدة ذلك لبرّي؟

إن نبيه برّي هو نجم هذه العملية. إذ اختاره "حزب الله" لترأس المحادثات لأن التنظيم يؤمن بأنه لن يتجاوز أبدا الخطوط الحمراء لـ "الحزب". ولكن بري يخوض معركته الخاصة ويعلم أنه أمام فرصة لتعزيز مكانته السياسية.

وفي أعقاب زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للبنان في آذار/مارس الماضي ومباشرة بعدها، ظهرت تقارير مفادها أن الحكومة الأميركية بدأت مناقشة العقوبات المحتملة على الأوساط الخاصة ببرّي بسبب علاقته الطويلة الأمد مع "حزب الله" وإيران. وذُكرت أسماء مسؤولين سياسيين في "حركة أمل" وكذلك بعض داعميه الماليين على قائمة المستهدفين المحتملين. ويبدو أن بومبيو نظر في إمكانية فرض عقوبات محددة على خمسة من شركاء بري. وربما ليس من المستغرب أنّ يكون رئيس مجلس النواب قد غيّر موقفه ووافق على الوساطة الأميركية بعد أسبوعين من ظهور هذه التقارير. ومن الأرجح أن "حزب الله" كان يتوق بنفس القدر إلى تجنيب حلفاء برّي العقوبات، لأن "الحزب" يعتمد عليهم لتحقيق منافع تجارية.

ومن المحتمل أن يأمل برّي أيضا في تعزيز مكانته بين الطائفة الشيعية في لبنان. فعندما تشكلت الحكومة الحالية، أعلمه "حزب الله" أن الجماعة ستتولى الدور التقليدي لـ "حركة أمل" المتمثل في شغل نصف الوظائف والمشاريع الحكومية المخصصة قانونيا للشيعة. وإذا خسر بري هذه الخدمات، سيواجه صعوبة في الحفاظ على قاعدة مناصريه التي بدأت بالتزعزع فعلا (كما ظهر عندما فازت "حركة أمل" في مقاعد أقل بكثير من ائتلاف "حزب الله" في انتخابات العام الماضي).

وفي المقابل، إذا نجح بري في المفاوضات المقبلة حول الحدود، سيبدو البطل الذي أنقذ الوضع وساهم في نهوض الاقتصاد اللبناني وحمل الإسرائيليين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بشروط لبنان. وعلى المدى الأبعد، قد يساعده هذا الأمر في التعويض عن الخدمات التي خسرها لصالح "حزب الله". ذلك أن غالبية البنى التحتية التي أقيمت لمساعدة الشركات الكبرى والمنظمات الأجنبية في مشاريعها على طول الساحل الجنوبي اللبناني تعود لشركات أعمال تابعة للرئيس برّي. من هنا، قد تمر سنوات طويلة قبل أن يبدأ لبنان بتحقيق المكاسب من أعمال التنقيب عن النفط والغاز، ولكن برّي سيكون أول الكاسبين.

الصعوبة تكمن في التفاصيل

إن الخبر السار هو أن المساعي الدبلوماسية قد سارت وسط شائعات متزايدة بوقوع حرب. لكن حتى لو كان "حزب الله" وإسرائيل ملتزمان حقا بتجنب أي مواجهة مسلحة في الوقت الحالي، فإن هذا لا يعني أن المحادثات بشأن الحدود ستكلَّل بالنجاح.

وكمثال، رفض لبنان الإطار الزمني المقترح لستة أشهر لاختتام المفاوضات، وبدلا من ذلك، طالب برّي بأن تكون الفترة مفتوحة المدة. وهذه خطوة معبّرة لأن برّي معروف بسجله الطويل والناجح في المماطلة والعمل مع كلا الجانبين. وقد تكون أيضا إشارة إلى أن "حزب الله" غير مهتم بالتوصل إلى حل في حد ذاته، بل في كسب الوقت إلى أن يصبح أكثر استعدادا لمواجهة إسرائيل. لذلك فإن الإصرار على إطار زمني محدد للمحادثات أمر ضروري.

سيكون "حزب الله" قادرا على الاستفادة من أي أرباح نفط وغاز تتحقق في المستقبل

​​وفي الوقت نفسه، قد تكون هناك فرص لمناقشة الأمور المهمة على الأقل بما يتجاوز التفاصيل التقنية لترسيم الحدود. ففي 26 نيسان/أبريل، على سبيل المثال، صرّح وزير الدفاع الياس بو صعب أن رئيس الجمهورية ميشال عون سيدعو قريبا إلى إجراء حوار لبناني بشأن "استراتيجية دفاع وطنية لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني". وفي 22 أيار/مايو، أفاد لصحيفة "الشرق الأوسط" أن المحادثات بهذا الشأن ستبدأ مباشرة بعد حل القضايا الأخرى ذات الأولوية. ومن الممكن أن تكون هذه التصريحات قد صدرت تحت ضغوط من المسؤولين الأميركيين الزائرين وألا يعتبرها عون خطة جادة.

ومع ذلك، لا يزال بإمكان المفاوضين استخدامها كأداة للشروع في حوار حول قضايا الدفاع الوطني ـ والتي بدورها يمكن أن تفرض المزيد من الضغط الداخلي على جهود "حزب الله" لتوسيع ترسانته من الصواريخ والأسلحة المتقدمة الأخرى.

حنين غدار هي زميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في "برنامج جيدولد" للسياسة العربية في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.