الدخان يتصاعد من ناقلة نفط تعرضت للهجوم قبالة خليج عمان
الدخان يتصاعد من ناقلة نفط تعرضت للهجوم قبالة خليج عمان

مشرق عباس/

تصعيد خطير في المنطقة. لا يقتصر الأمر على طريقة تنفيذ هجمات بألغام بحرية ضد ناقلات نفط في بحر العرب، والذي قد يتطور قريبا إلى حرب ألغام بحرية أكثر اتساعا، بل يتجاوز ذلك، بالنطر إلى طبيعة التطور التسليحي الذي بات يتيح للحوثيين في اليمن ضرب مناطق استراتيجية في السعودية والإمارات، ولا يتوقف أمام الإمكانات المتطورة لمجموعات مسلحة عراقية.

لكن للتحديد، فإن أي مواجهة متوقعة في جانبها العسكري ستكون إيران طرفها الأول مهما تعددت الوسائل والتسميات، وطرفها الآخر هو الولايات المتحدة مهما تعددت الوسائل والتسميات أيضا، ولا يمكن قياس طبيعة ما يحدث من دون قراءة الاستعدادات في البلدين لتلك المواجهة.

أدوات طهران الخارجية، ليست "مقدسة" إيرانيا

​​وللتحديد أكثر فإن المواجهة لا تتعلق منهجيا بقضايا إيرانية داخلية، وبالتأكيد لا تشكل قضية البرنامج النووي الإيراني إلا إطارا غامضا وعاما يكاد يختفي من الصورة الفعلية، إلا عندما يتم استحضاره في المؤتمرات الصحافية، وأن الأساس في كل ما يحدث يتعلق بدور إيران في المنطقة عبر أذرعها المعروفة، وتهديد ذلك الدور المتمدد بشكل متسارع، بعد غياب الوزن العراقي من الشرق الأوسط بعد 2003، لأمن دول المنطقة التي تحوز أهمية اقتصادية وسياسية كبرى للولايات المتحدة والعالم.

وإيران لا تخفي نيتها التحول إلى، ما يطلق عليه مسؤولون فيها، "دولة عظمى" في العالم بالمعنى التقليدي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، وبما يشمل كل منطلقات القوة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وما يستدعي من امتداد في محيط مضطرب وغير متماسك اجتماعيا وفكريا وسياسيا باستثمار أدوات "الثورة" في نسختها الإيرانية، ولكن هذا الهدف ليس وجوديا بالنسبة لإيران الدولة كما بالنسبة لإيران الثورة.

والمشكلة التي تواجه إيران، كما يبدو، أنها مطالبة بقطع أذرعها الخارجية التي شيدتها خلال نحو ثلاثة عقود واستنزفت منها أموالا وجهودا وإمكانات هائلة، من دون مقابل، فيما ترى الجبهة الأخرى أن لا خسارة في عودة إيران إلى داخل حدودها في الأقل ضمن نطاق المنهجية التي اعتمدها الرئيس الأسبق محمد خاتمي خلال التسعينيات من القرن الماضي، بدلا من وصول المواجهة سواء بالعقوبات أو بالحرب إلى داخل أراضيها.

في هذه النقطة تدرك طهران أن أمامها فرصا محدودة لكسب النزال غير المتوازن، ولو جزئيا، وأن الزمن ربما محدود أيضا ولا يتجاوز الانتخابات الأميركية 2020، وأن التخلي عن مصدر قوتها الأساسي الذي تمثله الأذرع العسكرية الخطيرة التي تهدد بقلب التوازنات في المنطقة بأسرها هو نوع من الخرف السياسي.

تدرك طهران أن إدارة ترامب ليست مستعدة للحرب قبيل الانتخابات الرئاسية، إلا إذا حدث تهديد حاسم وجسيم للأمن والسلم العالميين، كما تعرف أيضا أن قيادة اللعبة في حال نجاح ترامب في ولاية ثانية، قد تكون أكثر تعقيدا منها اليوم، ولكنها غير مستعدة في المقابل للاستسلام لعقوبات اقتصادية مدمرة قد تقود إلى انهيار داخلي أسرع مما هو متوقع.

المواجهة مطلوبة إيرانيا، على ألا تصل إلى مرحلة تهديد خطير يدفع واشنطن إلى قرار الحرب الشاملة، وإنما يجب على المواجهة أن تكون محدودة بما يكفي لتقويض فرص ترامب في ولاية ثانية من جهة وبما يدفع الجميع إلى التفكير بأثمان في مقابل ما يطلبون من إيران فعله.

كما أن المواجهة مطلوبة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب شريطة أن تكون التهديدات جادة لدرجة تحقيق شبه إجماع أميركي داخلي على غرار تجربتي أفغانستان والعراق، ويشكل في محصلته رافعة للانتخابات المقبلة، وبما يؤمن وضعا جيوسياسيا جديدا لواشنطن في الخليج.

بالطبع هناك أدوار لقوى أخرى؛ الصين تدفع بمزيد من الاستثمارات في إيران لإعادة صوغ التوازنات الاقتصادية التي هددتها واشنطن، وروسيا تنتظر بشكل معلن ثمنا تدفعه إيران للتدخل على غرار تدخلها السوري.

المواجهة مطلوبة إيرانيا، على ألا تصل إلى مرحلة تهديد خطير يدفع واشنطن إلى قرار الحرب الشاملة

​​هي لعبة في منتهى الخطورة، فلا إيران بإمكانها ضبط حدة رسائلها أو رسائل أذرعها العسكرية في المنطقة وردود فعل العالم عليها، ولا واشنطن بإمكانها امتلاك خيار الحرب أو ضبطه على إيقاع انتخابات داخلية، ولا الدول المتداخلة في هذه المعمعة بإمكانها حماية نفسها ووجودها وسط هذا التدافع.

لكن ما يجب إدراكه فعلا، أن أدوات طهران الخارجية، ليست "مقدسة" إيرانيا، وأن حصول استدارة كاملة في منهج إيران السياسي ليس أمرا مستحيلا، إذا كان ثمة أثمان أكثر أهمية ستدفع، وأن الضجيج في المنطقة يمكن أن يهدأ لصالح توافق سياسي عام، وأن الدول يمكن أن تتفق، ويمكن أن تتفاهم حول حدودها والحدود المحرمة عليها، وأن الأدوات التي ترى نفسها اليوم خارج معادلة الخسارة، قد تكون في نهاية المطاف مجرد ثمن في هذه اللعبة، ولكن ليس قبل أن تخسر شعوب المنطقة المزيد من إمكاناتها وأمنها وفرصها التي تهدر.

اقرأ للكاتب أيضا: أن تكون صديقا لإيران!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مودة الأدهم
مودة الأدهم إحدى فتيات التيك توك اللواتي جرى اعتقالهن في مصر (المصدر: حساب مودة في انستغرام) | Source: Instagram

كثيرا ما تتدخل المنظمات الدولية للدفاع عن الناشطين والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الاضطهاد في بعض دول العالم، ولكن من النادر سماع اعتراض من هذه المنظمات على ما تتعرض له المرأة في الشرق من ظلم في النواحي الاجتماعية، خصوصا إذا كانت الاتهامات الموجّهة لها ذات طبيعة أخلاقية استخدمت فيها عبارات من نوع القيام بأفعال "مخلّة بالآداب العامة" أو تسيء "لقيم المجتمع"، وتأكّد ذلك مؤخرا في غياب أي رد فعل على اعتقال عدة فتيات في مصر لنشرهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة راقصة أو ساخرة.

فقد تم توجيه اتهامات عديدة لهؤلاء الفتيات تستند على مواد مأخوذة من قوانين مختلفة، أولها القانون 180 لتنظيم الإعلام لعام 2018 والذي ينص "يجب على المواقع عدم نشر أخبار كاذبة أو الدعوة إلى مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز بين المواطنين والعنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبّا أو قذفا لهم، أو امتهان الأديان السماوية أو العقائد الدينية أو يخالف النظام العام والآداب العامة"، وأوضحت المادة 29 من هذا القانون بأنه لا يجوز توقيع عقوبة سالبة للحرية في تلك القضايا بل تقتصر العقوبة على حجب الموقع، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وبما أن هذه المادة لا يترتب عليها سجن الفتيات فقد تم استخدام المادة 25 من قانون تقنية المعلومات 175 لعام 2018 والتي تنص "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة 50 حتى 100 ألف جنيه أو بأحد هاتين العقوبتين من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص دون موافقته أو منح بيانات شخصية إلى موقع إلكتروني لترويج سلع دون موافقته، أو نشر أخبارا أو صورا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه"، والمقصود في هذه المادة من يقوم باختراق حسابات الآخرين أو سرقة معلوماتهم وخصوصياتهم ونشرها بطريقة تسيء لهم.

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات

ولأن هذه المادة أيضا لا تنطبق على الفتيات الموقوفات فقد تم استخدام عبارات في إتهامهن مثل "التحريض على الفسق والفجور" حتى يصبح بالإمكان شملهن بقانون مكافحة الدعارة لعام 1960 والمقصود به كل من يدعو أو يدفع نحو ممارسة الدعارة، رغم أنه لا يوجد في ممارسات هؤلاء الفتيات شيء من هذا القبيل، كما تم استخدام المادة 178 من قانون العقوبات لعام 1952 التي تتناول استعمال صور مخلة بالآداب العامة.

ما يمكن استنتاجه، أن النيابة العامة المصرية كانت تبحث عن أي نص قانوني تستطيع فيه سجن هؤلاء الفتيات لأنه لا عقوبة إلا بنص، حتى أنها لجأت لاستعمال عبارات بعيدة تماما عن القضية مثل "الإتجار بالبشر"، في مبالغة لفظية تستهدف تبرير الإجراءات المشددة التي اتخذت بحقهن، في إشارة إلى دعوة فتيات للتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين رغم تأكيد المتّهمة المسجّل بصوتها على ضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية.

هذه الطبيعة الكيدية في توجيه الاتهامات لضمان إدخال فتيات في مقتبل العمر إلى السجن لأطول فترة ممكنة، تتناقض مع القضاء في العالم المتحضّر الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولا يمكن تجاوز معرفة هؤلاء القضاة ما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الفتيات، في مجتمعات تعتبر الرجال إذا تعرضوا للسجن أو التوقيف لأي سبب "أصحاب سوابق"، مما يشكل وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فكيف لفتيات صغيرات في بيئات مغلقة يلعب مفهوم السمعة فيها دورا كبيرا.

ورغم أن القضاة يعرفون وضع السجون في مصر وما تتعرض له السجينات هناك، والذي وصفته سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور": "أوضاع النساء في السجون المصرية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم فهن يتعرضن للإهمال الطبي والقتل البطيء المتعمد". 

وذكر تقرير أعدته الكاتبة إيمان عوف اعتمادا على شهادات حيّة: "عند التحويل للسجن يبدأ التفتيش الذاتي في المدخل، حيث تقف السجينات عاريات تماما ويطلب منهن الجلوس والوقوف بوضعية القرفصاء ثم تتحسّس السجانات أجسادهن، الأثداء والمهبل والشرج ويحدث ذلك في كثير من الأحيان أمام حراس السجن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك وأحيانا تستعين السجانة بالحراس لنزع ملابس السجينة التي ترفض نزع ملابسها".

وقالت المحامية ماهينور المصري "مهما كان ما يحدث مع المعتقلات السياسيات مرعبا فإنه لا يمثّل شيئا بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية، حيث يتعرضن لتفتيش مهبلي مهين وفحص كشف عذرية"، هذه هي السجون التي أرسل إليها القضاء المصري طالبة جامعية في التاسعة عشرة من عمرها، رغم أنه لا يوجد ما يمنع قانونيا من محاكمتها طليقة كما يحصل في أغلب دول العالم التي تعتبر نفسها مسؤولة وحريصة على مصلحة أبنائها وبناتها وليست جهة تريد الانتقام منهم بعقلية محاكم تفتيش العصور الوسطى.

ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة في الانتقام أن عشرات الشباب والفتيات والسيدات قاموا وقمن بتسجيل ونشر مئات المقاطع على هذه المواقع، لكن اللاتي تمّت إحالتهن للقضاء هن فقط الفتيات الأصغر عمرا أو من لديهن معالم أنوثة واضحة، وكأن المعالم الأنثوية التي خلقها الله ليتناسب جسد المرأة مع الحمل والإنجاب والإرضاع هي تهمة تخدش حياء المجتمع المصري وتشكّل تهديدا لأخلاقه.

ومع أنه في الكثير من هذه المقاطع لم يكن هدف الفتاة أن تبدو جميلة بل أن تقدم شيئا طريفا أو ساخرا حتى لو كان ذلك على حساب شكلها، لأن غايتها جذب أكبر عدد من المشاهدات وزيادة أعداد المتابعين مما قد بعود عليها بمردود مالي، والذي اعتبرته النيابة مؤشرا على وجود أمر غير أخلاقي، رغم أن هناك شبابا ينشرون مقاطع على نفس المواقع ويحققون عائدات مالية دون أن يتم اتهامهم بشيء.

المجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات، من رئيس جامعة القاهرة الذي قال بأن الجامعة ستتخذ أقصى عقوبة بحق واحدة منهن بلهجة لا تتماشى مع مسؤول تربوي يعتبر طلابه مثل أبنائه، إلى السلطة القضائية التي يسيطر عليها رجال تدل تصرفاتهم على أن هدفهم الانتقام من المرأة وليس تحقيق العدالة، وسلطة تشريعية ترى أن وظيفتها هي المزاودة الخطابية في القضايا التي تعرض عليها، خصوصا عند لعب دور حماية الفضيلة، وإعلام يعيش أسوأ أيامه ويبحث عن عناوين مشوّقة تجذب المشاهدين حتى لو كان ذلك على حساب الإساءة لسمعة النساء، وسلطة تنفيذية تماشي المزاج الشعبي لأنه ليس لديها الشجاعة الكافية لمواجهة حالة الهيستيريا والهوس بالمرأة التي تعيشها مصر حاليا.

ويكرر جميع هؤلاء لتبرير سلوكهم المتحامل على المتّهمات عبارة: "خصوصية المجتمع المصري"، في اعتراف ضمني بأن هؤلاء الفتيات ما كانوا ليسجنوا من أجل هذه التسجيلات لو كانوا في بلد آخر، لأن هذه الخصوصية تبيح سجن النساء وإهانتهن لأتفه الأسباب، كما تبيح التحرّش بهن في الشوارع ثم وضع اللوم عليهن، كما تسمح بالاعتداء جنسيا على الفتيات اليتيمات والفقيرات ثم تحميلهن مسؤولية هذا الاعتداء.

وكان آخر الأمثلة على خصوصية المجتمع المصري أن يترافق اعتقال الفتيات مع إطلاق سراح من قتل بدم بارد الفنانة سوزان تميم بعفو رئاسي، بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراح من كلّفه بهذه الجريمة وأعطاه أموالا لتنفيذها بعفو مماثل، فالمجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل.