المخلوق الذي أعاده العالم فرانكنشتاين من عالم الموت (تصوير ليز لورين)
المخلوق الذي أعاده العالم فرانكنشتاين من عالم الموت (تصوير ليز لورين) | Source: Courtesy Image

اشتهر اسم فرانكنشتاين عالميا، وليس في العالم العربي فحسب، على أنه اسم المخلوق الذي تدب فيه الحياة بعد الموت ويرتكب بقوته الخارقة جرائم مريعة يروح ضحيتها أبرياء من البشر. لكن الحقيقة أن هذا الاسم (الذي اصطلح أن يكتب ويلفظ بالعربية "فرانكشتاين"،) يعود للعالم الشاب الذي حاول أن يلعب دور بروميثيوس، والذي بلغ طموحه محاولة إحياء الأموات عبر طقوس تراوحت بين السحر والعلم، فدفع ثمن هوسه غاليا بمصرع زوجته الحبيبة في ليلة الزفاف.

الأمر المدهش وغير المفهوم هو كيف استطاعت صبية إنكليزية تدعى ماري شيلي لم يكن عمرها يتجاوز 18 عاما تأليف أحداث هذه الرواية المرعبة، التي أصبحت إحدى أيقونات الأدب الغرائبي في العالم كله منذ قرابة مائتي سنة. يعزا السبب إلى كون ماري شيلي (1797 ـ 1851) فقدت أمها بعد أيام من ولادتها لها، وعانت وهي طفلة من ظلم زوجة الأب، الذي أدى إلى نشوب خلاف مستعر مع والدها نفسه بعد أن رزق من زوجته الجديدة بأخوة لها. هاجرت ماري شيلي وهي في ريعان الشباب إلى إسكتلندا، ثم عادت في زيارة لبيت أبيها ذات مرة، فوقع صديق والدها المتزوج في هواها، وأدى هروبها معه إلى انتحار زوجته نتيجة الصدمة.

أبدع الممثلون الخمسة في أداء هذا العرض بالغ الصعوبة والممتد 170 دقيقة، تقمصوا خلالها شخصيات متباينة

​​آمنت ماري شيلي بالحب الحر خارج إطار الزواج، فدفعت ثمن ذلك علاقة حب حرام نشأت بين شقيقتها من أبيها وعشيقها الشاعر بيرسي شيلي. كذلك، فجعت بوفاة ابنتها وهي طفلة، ثم تلاها وفاة ابنها الصغير.

عاشت ماري شيلي، إذن، حياة حفلت بمختلف المآسي النفسية والجسدية. لكن الأكثر غرابة، أن خيالها ـ قبل أن تستفحل المآسي وتتراكم ـ ابتدع حكاية "فرانكنشتاين" كأنها نبوءة الرعب الذي أحاط بحياتها فيما بعد، وذلك خلال رحلة قامت بها إلى جنيف في سويسرا عام 1816 بصحبة شريك حياتها بيرسي وصديقيه الشاعر لورد بايرون والعالم الدكتور جون بولدوري وشقيقتها من أبيها كليركليرمونت.

في ليلة عاصفة وشديدة البرودة، تبارى هؤلاء فيمن يستطيع منهم رواية قصة أكثر إثارة للرعب، فاستطاعت ماري شيلي التي لم يتجاوز عمرها آنذاك 18 عاما أن تروي لهم أحداث قصة "فرانكنشتاين"، وتتغلب عليهم جميعا بخيالها الخصب.

في العام 1818، بعد عامين على تلك الإجازة السويسرية، نُشرت رواية "فرانكنشتاين"، واكتسبت شهرة هائلة عبر السنين، وتم إنتاجها عديدا من المرات سينمائيا وتلفزيونيا وأدبيا، بحيث أن الروائي العراقي أحمد سعداوي استلهم منها أحداث روايته "فرانكنشتاين في بغداد". ربما لا يضارع رواية "فرانكنشتاين" المرعبة في شهرتها الخالدة سوى "دراكولا: مصاص الدماء"، "دكتور جيكل ومستر هايد"، ورواية "سقوط منزل عائلة آشر".

ما الجديد عن "فرانكنشتاين"؟ الجديد واللافت للنظر أن تنتج هذه الرواية الصعبة والمعقدة مسرحيا، وهي التي استعصت على بعض مخرجي السينما والتلفزيون أحيانا. اشتهرت فرقة "البلورة السحرية" Lookingglass في وسط شيكاغو بإنتاج الأعمال الأدبية الشهيرة بشكل عروض مسرحية، إذ تضمنت بعض إنتاجاتها السابقة "موبي ديك" عن هرمن ملفيل، "الأوقات الصعبة" عن تشارلز ديكنز، "عشرون ألف فرسخ تحت البحر" عن جول فيرن و"الجندي التنكي الصامد" عن هانز كريستيان أندرسن.

اقتبس مسرحية "فرانكنشتاين" وأخرجها ديفيد كاتلين، أحد أعضاء فرقة "البلورة السحرية" النشطين في مجال التمثيل والإخراج، والفنان الذي أبدع عرض "موبي ديك" الرائع. أحيانا، تبدو مهمة مقاربة أعمال أدبية شهيرة في أذهان القراء مهمة شبه مستحيلة، لكن موهبة بعض مخرجي هذه الفرقة البارزة، مثل ديفيد كاتلين وماري زيمرمان، تتغلب على أصعب التحديات، وتلد عروضا في غاية الحداثة والتجريب، مكسبة الأدب لغة مسرحية بديلة عمادها التشكيل والحركة والديكور والإضاءة والأزياء والتأثيرات الصوتية والموسيقية.

الجميل في هذا الإعداد المسرحي هو ذلك المزج الرائع بين الشخصيات المجتمعة في سويسرا ذات ليلة باردة، حيث تروي الشابة اليافعة ماري شيلي لصحبها أحداث تلك الرواية المرعبة، وبين تجسيدهم للشخصيات المختلفة في الحكاية المروية عبر أسلوب تجريبي استخدم المخرج فيه جميع أرجاء صالة المسرح، بما في ذلك الأدراج الموزعة حول المنصة من الجهات الأربع، إضافة إلى الأروقة والمستويات العالية المحيطة بالمتفرجين، مضاعفا تأثير المفاجأة والرهبة.

ممثلة دور الروائية ماري شيلي وهي تواجه الميت الذي أعيد إلى الحياة (تصوير ليز لورين)

​​الحق يقال، أبدع الممثلون الخمسة في أداء هذا العرض بالغ الصعوبة والممتد 170 دقيقة، تقمصوا خلالها شخصيات متباينة. عزف أحدهم، غنى الآخر، وقام معظمهم بحركات بهلوانية صعبة. جدير بالتنويه، إن عرض "فرانكنشتاين" لم يكن ليحقق نجاحه الباهر لولا التصور الفني الذي أسهم فيه بقسط وافر التصميم المبدع للديكور والإضاءة والأزياء والصوت.

رغم إبهار التجريب المسرحي في استخدام جميع أرجاء المسرح، الحركات البهلوانية البارعة، الستائر الشفافة التي تتجلى بعض المشاهد وراءها، الأقنعة العجيبة والمكياج المقزز، وأخيرا وليس آخرا الأداء التمثيلي المتألق، إلا أن بعض هنات شابت العرض.

أولها، أن المخرج ديفيد كاتلين لم يوفق غاية التوفيق كمؤلف بشكل يوازي إبداعه كمخرج، وفاته في صياغة النص المسرحي تضمين مقولة ذات إسقاط واضح على العصر الراهن. بالتالي، فإن أصداء قصة فرانكنشتاين بقيت فلسفية محضة، وبعيدة نسبيا عن وجدان المتفرج المعاصر في زمن يهيمن عليه رعب الحرب ومآسٍ مخيفة كالكوابيس في مختلف أرجاء العالم.

ثاني الهنات أن المسرح عموما تعبير بقصد التأثير، لكن الاهتمام بالشكل في هذا العرض زاد عن الحد ليبلغ حد الإسراف في الشكلانية، وليفتقد الجمهور في مواقف عدة التأثر العاطفي الناجم عن توحده مع شخصية محورية، أو ردة الفعل إزاء مشهد خنق المخلوق لطفل بريء أو لعروس في ليلة زفافها. توارى ذلك التأثير العاطفي المنشود في الظل بسبب الإغراق في النزعة الشكلانية المبهرة للبصر. يحتاج عرض "فرانكنشتاين" أن ينمو أكثر مع الزمن، أن يختصر ويكثف، وأن يحذف منه بعض التكرار ليبقى جوهره اللامع وضاء كأسطح ماسة ثمينة تنعكس عليها الأضواء لتبهر من كل جانب. 

آمنت شيلي بالحب الحر خارج إطار الزواج، فدفعت ثمن ذلك علاقة حب حرام

​​يبدو أن ديفيد كاتلين حاول أكثر من مرة أن يقارب فكرة المأساة الناجمة عن محاولة الإنسان تجاوز حدود قدرته البشرية وسعيه لمضارعة القدرة الإلهية وتحدي القدر. يصدق هذا على الكابتن إيهاب المهووس باقتناص الحوت الأبيض العملاق الذي قضم ساقه في "موبي ديك"، كما يصدق على هوس العالم فرانكنشتاين بإحياء جثث أموات دفنوا تحت التراب.

ترى، هل يمكن أن تكون محاولة إحياء نظام سياسي ميت، وبعثه من تحت الثرى بمعجزة سحرية، موضوعا رمزيا منبثقا عن حبكة "فرانكنشتاين"؟ هل يمكن أن توحي رواية الرعب الشهيرة باختطاف ثورة والقيام بتشويهها وحرفها عن غاياتها النبيلة فإذا بها تلحق الأذى بهدف التغيير وحلم الإصلاح؟ أفكار عديدة يمكن أن تنبثق عن مقاربة عصرية لرواية الرعب الخالدة "فرانكنشتاين"، لكنها جميعا تحتاج إلى إيحاء فني أكبر يعزز تأثيرها في الوجدان المعاصر، ويكتسب مشروعية في كل مكان وزمان من عالمنا الراهن.

Medical staff prepare a nucleic acid kit for a journalist before the closing session of the Chinese People's Political…

حينما نتأمل في الأحداث الدائرة في العالم حول مرض كورونا، يذهب البعض لاعتبار أن هناك صراعا واضحا يلوح في الأفق أو مؤامرة كما يصفونها.

ويرى بعضهم أن محاور هذا الصراع علمية، فيما يراها آخرون سياسية أو اقتصادية.

فمنذ بداية هذا المرض وانتشاره بدأ صراع علمي محموم بين فريقين:

الفريق الأول يرى أنه لا بد من حبس الناس كلها سواء المريضة أو السليمة في بيوتهم، وفرض حظرا عليهم حتى لا ينشروا الفيروس في المجتمع.

فيما رأى آخرون، مثل مسؤولي الصحة في السويد وروسيا البيضاء أن هذا الرأي خاطئ لأنه سيمنع انتشار المناعة الطبيعية ضد الفيروس، وبالتالي قد يزيد من معدلات الوفاة به، وهذا ما رأيناه بالفعل في عدد من الدول والولايات الأميركية التي طبقت حظرا شديدا على المجتمع. ومن أمثلة هذه الدول إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بلغت معدلات الوفيات كنتيجة للإصابة بالفيروس في هذه المجتمعات أرقاما عالية.

كذلك، فإن جلوس الأصحاء، وليس فقط المرضى أو حاملي الفيروس في المنازل قد يعرض الأصحاء لتركيز أكثر من الفيروس وبالتالي ارتفاع معدلات الإصابة بالمرض.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا

أما الصراع الآخر فكان صراعا سياسيا بعدما دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نتائج فريق البحث الفرنسي الذي اكتشف كفاءة عقار الكلوروكين في علاج المرض، فانقسمت الصحافة إلى قسمين؛ أحدهم يحاول المستحيل لينفي أهمية عقار الكلوروكين بصورة قد يكون مبالغ فيها أو غير علمية كما يراها البعض، وقسم آخر يدافع عن الدواء أي عقار الهدروكسي كلوركين.

ووصل الصراع إلى درجة أن حاكم إحدى الولايات الأميركية منع استخدام العقار في ولايته لأن شخصا غير طبيعي تناول "مادة منظفة" يوجد فيها مادة كيميائية تحمل إسما مشابها لهذا العقار، وهذا مثل أن يمنع أحد استخدام البنزين للسيارات لأن شخصا ما تناوله بهدف الانتحار!

وصل الصراع إلى درجة تتجاوز كل حدود العقل والمنطق. وقد يتم فهم هذا الصراع إذا استمعنا لـ "بيل ماهر" وهو أحد أشهر مقدمي البرامج في التلفزيون في العالم الغربي المعروف بعدائه الشديد للرئيس الأميركي، وهو يدعو علانية وبلا أي خجل إلى محاولة إحداث كساد عالمي لكي يتم التخلص من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقليل احتمالات فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020.

قد يكون من العسير تصور درجة هذا الشر ولكن للأسف الشديد فإن هذا قد حدث بالحرف الواحد ومسجل بالصوت والصورة.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا. وباختصار شديد لو اختفى الفيروس أو ضعف من تلقاء نفسه كما يتوقع بعض العلماء المرموقين مثل د. ديدييه راؤول وغيره، فإن كل أبحاث التطعيم قد تذهب أدراج الرياح وتذهب معها مئات المليارات من الأرباح المتوقعة إذا تم استخدام اللقاح لتطعيم معظم سكان الأرض كما دعا بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت.

التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية

ولا تقل الكارثة بالنسبة إلى بعض الشركات إن نجح عقار هيدروكسي كلوروكين في منع انتشار المرض؛ فنجاح هذا العقار سواء في علاج المرض أو منعه يعني للبعض أن عقارا ثمنه أقل من دولار واحد وتستطيع أي دولة أن تنتجه دون الحصول على موافقات من الشركة الأولى المنتجة له نظرا لمرور عقود عديدة على اكتشافه، يعني وبكل بساطة انهيار حلم تحقيق المليارات من الأرباح من وراء بيع عقارات أو أمصال لهذا المرض.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية، وهو الأمر الذي قد يتم استغلاله من قبل بعض الدول مثل الصين للسيطرة على اقتصاد العالم.

ومن الجدير بالذكر ما قاله البروفيسور ديدييه راؤول في كتابه الأخير وتأكيده على ضرورة الفصل بين النشاط العلمي والمصالح الاقتصادية والسياسية من جهة، وأهمية التحقق من المعلومات العلمية، وعدم تركها للتلاعبات الصحفية الباحثة عن الفرقعة الإعلامية، من جهة ثانية.

الأمر فعلا معقد ويحتمل الكثير من الاحتمالات التي قد تحتاج إلى بعض الوقت للتيقن منها.

وللحديث بقية!