الحريري وباسيل
الحريري وباسيل

لقمان سليم/

وذَكِّر: «التَّسوية الرئاسية»، في العاميَّة اللبنانيَّة، هي الكناية التي تصالح اللبنانيون عليها للدلالة على التفاهم الإقليمي/الدولي الذي أنهى ما بدأ في أيار/مايو 2014 من شغور رئاسي تلا انقضاء ولاية الجنرال ميشال سليمان في رئاسة الجمهورية، والذي بوَّأ مرشح حزب الله، الجنرال ميشال عون، في تشرين الأول/أكتوبر 2016 هذا المنصب، والذي ضمن لسعد رفيق الحريري أن يُسمى، للمرة الثانية، رئيسا للحكومة اللبنانية.

بالطبع، لم يكن التوصل إلى هذا التفاهم بالأمر اليسير... وأقل دليل على ذلك ما تَقضى من وقت بين ابتداء الشغور الرئاسي وبين انتهائه. بالطبع، أيضا، لم يمر هذا الوقت على لبنان وعلى جيرانه، ولا سيما على سوريا من هؤلاء الجيران، مرور الكرام، بل العكس هو الصحيح: إنما دام الشغور الرئاسي في لبنان ما احتاجت إليه موازين القوى الإقليمية والداخلية من وقت لترجح لمصلحة المحور الذي يرفع حزب إيران في لبنان، ("حزب الله")، لواءَه، وليسلَّم خُصوم هذا المحور بأنه لا جدوى بعد من منازعة هذا المحور على الرئاسة اللبنانية، وليسلِّموا بأن صفقة يترأس سعد الحريري بموجبها رئاسة الحكومة أدنى ما يكون إلى الارتضاء من الغنيمة بالإياب...

لم تنتظر التَّسوية الرئاسية طويلا لتثبت عرجها، وليحاول أحد الشركاء المركزيين فيها التملص منها

​​بصرف النظر عما تهاداه اللبنانيون في أعقاب الجلسة المسخرية التي انتَخَب خلالها مجلس النواب ميشال عون رئيسا للجمهورية ـ ما تهادوه من مجاملات ومداهنات مُفادها أن انتهاء الشغور الرئاسي بانتخاب عون خارقة لبنانية جَرَت على أياد لبنانية، وأن "الرئيس ميشال عون" مفخرة من مفاخر الصناعة اللبنانية، وبصرف النظر عن السرعة التي كُلِّفَ بها سعد رفيق الحريري تأليف حكومة جديدة، والسرعة القياسيَّة التي ألَّف خلالها هذه الحكومة، (40 يوما).

لم تنتظر هذه التَّسوية الرئاسية طويلا لتثبت عرجها، وليحاول أحد الشركاء المركزيين فيها التملص منها. فمطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بعيد أيام من الذكرى السنوية الأولى على انتخاب عون رئيسا للجمهورية بموجب التسوية تلك، من ضيق ذرع بإفراط سعد الحريري في تقديم آيات الطاعة لإيران ولحزبها اللبناني، استدعت المملكة العربية السعودية سعد الحريري، واسْتَقالَتْهُ تلفزيونيا، بالقوة القاهرة، من منصبه.

تسرعت المملكة في ما أقدمت عليه بأن لم تقدر شعار "الحفاظ على استقرار لبنان" الذي تتخذه الديبلوماسيات الغربية، ولا سيما الأوروبيَّة منها، إماما لسياساتها حَق قَدْرِه، وما هي إلا أيام قليلة حتى أفلحت المساعي الحميدة في الإفراج عن الحريري، وفي إعادته إلى لبنان. وإذ اكتفى المستمسكون باستقرار لبنان أن تنفسوا، عند هذه النهاية السعيدة، الصعداء، لا غرو أن ذهب شركاء الحريري اللبنانيون في التَّسوية إلى أبعد من ذلك.

ففشل المملكة في التَّحَكم باستقالة الحريري حَكَمَ على محلها من الإعراب اللبناني، بما فيه التسوية الرئاسية، أن يتقلص إلى أبعد الحدود ـ علاوة على ما أساءه هذا الفشل إلى صورتها، وهذا ما لم يتأخر أولئك الشركاء في الاستثمار فيه. أما سعد الحريري المُسْتقال في الرياض ترميما لمكانة الرئاسة التي يشغلها، فعاد إلى بيروت كسيرا مهيض الجناح، وفوق هذا وذاك عاد عييًّا لا يملك ما يخاطب به أحدا من اللبنانيين، وفي الطليعة من هؤلاء أبناء طائفته السنية.

ولعل عِيَّ الحريري هذا، أي إفلاسه، وإفلاس تياره، على مستوى الخطاب السياسي، مضافا بالطبع إلى نكباته المالية، هو مفتاح الهزيمة النكراء التي مني بها بمناسبة انتخابات 2018 النيابية ـ علما أن هذه الهزيمة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي خسرها تياره وإنما تُقاس أوَّلا، وقبل أي شيء آخر، بارتضائه خوض الانتخابات بموجب قانون يعرف سلفا، كما سائر اللبنانيين، أنه يحكم عليه بالخسارة.

عَمَلا بالتسوية، عُهِدَ إلى سعد الحريري في أعقاب هذه الانتخابات، أن يؤلف حكومة جديدة. وما هي أن باشر مساعي التأليف هذه حتى تَبَدّى مجددا أن التسوية تلك أدنى إلى قسمة ضيزى لا تعدل بين من يُقْسَمُ عليهم السَّلَب اللبناني، ولا ترى إليهم أندادا متكافئين، وحتى تَبَدّى أن الحكاية لما تزل في أوائِلها، وأن ترئيس ميشال عون فاتحة تنازلات لا مسك ختام التنازلات. وعليه، فلقد اقتضى سعد الحريري أشهرا مديدة، وجرعات متلاحقة من الدعم الدولي الصريح، ليتمكن من تأليف حكومة... قل: من تأليف حكومة بشروط حزب الله، أي حكومة يتولى رئاستها ولا رأيَ حاكما له على سياساتها وقراراتها...

و"من يهن، كما يقول الشاعر، يسهل الهوان عليه"، وهذا ما كان من أمر سعد الحريري الذي وجد نفسه، بعد محنة الاستقالة وبعد الانتخابات النيابية، صفر اليدين إلا مما يسعه أن يقدمه بعد، بوصفه "ابن الشهيد"، من تنازلات عنوانها التخاذل المنهجي عن مواجهة حزب إيران بذريعة الحفاظ على الاستقرار، وهذا ما مضى فيه لقاء "جوائز" تُعينُه، في ما يُقال، على ترميم أرصدته المستنزفة غافلا، أو متغافلا، عن اثنين مَعا: الأول أن الهوانَ الإرادي يُشَهّي بإيقاع المزيد من الهوانِ على الراضي به، والثاني أنَّ دَمَ رفيق الحريري الذي فَقَدَ، لما سالَهُ وتَخَثَّرَه، المرة تلو الأخرى، خلال السنوات الماضية، الكثيرَ الكثيرَ من قيمته الشرائية باتَ أضعف حُجِّيَّة، لا سيما بين أهل السنة، من أن يشفع لسعد الحريري استسهالَه تقديم التنازلات وإيثارَه مصالحه الشخصية على مسؤولياته المفترضة عامة ووطنية.

استسنحَ "العهد" ممثلا بجبران باسيل، الجامِعِ مجد مصاهرة الرئيس عون إلى حقيبة الخارجية إلى رئاسة "التيار الوطني الحر" بما يجعل منه في واقع الحال رئيس جمهورية الظل في دولة "التسوية"، ــ استسنح تلك الغفلة، وراح لا يدع مناسبة تمرُّ ولا ينتهزها ليترجم "استعادة حقوق المسيحيين" ــ الشعار البراق الذي رفعه ذات يوم صاحب العهد والذي مقوله استعادة الموارنة لأنفسهم ما تنازلوا عنه في اتفاق الطائف من صلاحيات لمصلحة السنة ــ إلى أعمال وممارسات بلغت أعلى درجات الصراحة والوضوح خلال انكباب الحكومة، لأسابيع خلت، على وضع مشروع قانون موازنة 2019 حيث أصر باسيل على إظهار نفسه بمظهر المتحكم بـ"الزمن الحكومي" وبأنه، ومن ورائه وزراؤه، صاحب الكلمة الفصل في تقرير استيفاء الموازنة حقها من النقاش أو عدم استيفائه، موحيا بذلك أن دفة الحكم ليست بيد من يفترض به أن يكون رئيسا على السلطة التنفيذية.

والحقيقة أن سلوك باسيل هذا لم يخرج عن منطق استدلالي سديد يبني على مقدمة هي، نظريا، في صلب "التسوية الرئاسية"، وأثبتتها، عمليا، تطبيقات هذه التسوية: بما أن سعد الحريري لا يُمانع في تقديم أي تنازل، لأي طرف كان لقاء البقاء في السلطة، بما في ذلك التنازل لقتلة والده، ففيمَ تراه يتأنف عن التنازل لـ"العهد القوي"؟

ولكن، وإذ انتزع باسيل، رئيس جمهورية الظل، ما أمكنه من تنازلات من رئيس الحكومة، لم يُقَدِّر، على ما يبدو، حق قدره ما يعتمل بين اللبنانيين السنة من امتعاض كان البعض من وجوههم، وليس الأقل منهم، قد سارعوا إلى التعبير عنه يوم أن سلم الحريري سعد بـ"التسوية الرئاسية" وذلك بالمخالفة الصريحة على انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية.

من آنذاك لم ين هذا الامتعاض يتضخم، ولم ين يتلمس سبل التعبير عن نفسه، (انتخابات أيار/مايو 2018 العامة، انتخابات طرابلس الفرعية...)، إلى أن كان ما كان مؤخرا من تضافر جملة ظروف إقليمية ومحلية استجاب سعد الحريري لوطأتها عليه بأن اعتكف في مسقط رأسه، الرياض، لبعض الوقت، ثم بأن عاد إلى بيروت من اعتكافه ذاك الذي وصفه أحدهم بـ"نصف استقالة" محاولا الاستدراك على ما استجلبه على نفسه، وعلى من يفترض بهم أنهم رعاته الإقليميون، بجملة من المواقف البلاغية التي لا بد للواحد/الواحدة من كثير سذاجة، أو حسن نية، ليشتري جدها وليطمئن إلى صدق صاحبها في التمسك بها والعض عليها بالنواجذ ــ أللهم أن تكون أسنان حليبه قد تَبَدَّلَت نَواجِذ.

لقد يدهش، بل ينبغي أن يدهش، أن هذا المشهد اللبناني المتمحور على "التسويَة الرئاسية" يخلو، في كل ما يصدر عنه من جلبة وصخب، من أي حضور علني لحزب إيران في لبنان، ومن أي غمز صريح أو مستتر في قناة هذا الحزب، وكأنه، رغم مكانته المُسْتَفيضة في كل مرافق الحياة اللبنانية، ورغم استيلائه المسلم بها من خصومه قبل الأصدقاء على أخطر ما قد يتهدد لبنان واللبنانيين، أي على قرار الحرب، ــ وكأنه، حزب الله، غير معني، من قريب أو بعيد، لا بـ"التسوية الرئاسية" ولا بما يختلف عليها من منازعات بين أطرافها (بلغت خلال الأسابيع الماضية حدودا لفظية غير مسبوقة).

تسرعت السعودية في ما أقدمت عليه بأن لم تقدر شعار 'الحفاظ على استقرار لبنان' الذي تتخذه الديبلوماسيات الغربية

​​لا شك بأن السجال الماروني/السُني على "الحقوق" و"الصلاحيات" يُغْني التحليل التاريخي ذا الصلة بالظروف والملابسات التي وضع اتفاق الطائف في ظلها، ولا شك بأنه يصلح مادة بحثية لطلاب العلوم السياسية في علم "تقاسم السلطة في مجتمع متعدد"، ولطلاب الفقه الدستوري في مبحث "تقنين التعاقدات الاجتماعية التالية على النزاعات الأهليَّة"، وهكذا، بَيْدَ أنه لا شك أيضا أن هذا السِّجال الماروني/السُّني، أقله في صيغته التي يمثل عليها اليوم، ومهما علت ضوضاؤه، ليس بـ"التناقض المركزي" الحاكم على مآلات الأمور في لبنان. فمطالبة "العونية السياسية" باسترداد حقوق مزعومة سليبة وتمسك "الحريرية السياسية"، بصرف النظر عن هوادة سعد الحريري، بصلاحياتها المكتسبة هما، تماما، قواعد لعبة التسوية ــ التسوية واللعبة المُذَيَّلَتَين بتوقيع حزب إيران في لبنان باعتبار أنه من صاغ بنود التسوية، وأنه من قَعَّدَ قواعد اللعبة ومن يُحَكِّمُ مبارياتها.

تختلف الملابسات التي عاد تحتها عون إلى بعبدا، مقر الرئاسة اللبنانية الأولى، والتي عاد تحتها الحريري إلى السراي، مقر الرئاسة اللبنانية الثالثة، ولقد يبدو أن أحدهم اعتلى السدة هابطا إليها من عل، والآخر صعد إليها لاهثا، والحال أن الأمر لا يخلو من صحة، ولكنها صحة لا يطعن فيها أن عون القوي والحريري الضعيف هما، اليوم، شريكان في لعبة لا يملك أي منهما أن يخرج منها أو أن يعدل من قواعدها، وبهذا المعنى فهما متساويان في المرتبة وإن تخالفا في القوة الذاتية، وبهذا المعنى، أيضا، لا شطط في القول إن حزب الله، بإلزامه حليفه "التاريخي"، عون، أن يُلاعب خَصْمَهَ "التاريخي"، الحريري، والعكس، يُعَيِّنُ القَدْر المباح من «السياسة» للبنانيين، ويُرسي لـ"السياسة" في لبنان تعريفا عسكريا مُفاده أنها فن مشاغلة الحلفاء بالخصوم...

اقرأ للكاتب أيضا: من 'حزب الله' إلى رستم غزالة وجبران باسيل: هدايا مُفخَّخة إلى 'أصدقاء' حتى إشعار آخر...

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟