مشهد من مسلسل "جن" (من حساب نتفليكس على موقع تويتر)
مشهد من مسلسل "جن" (من حساب نتفليكس على موقع تويتر) | Source: Courtesy Image

مالك العثامنة/

عام 1988، كتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي كتابه "آيات شيطانية"، فأصدر آية الله الخميني من مقره في طهران فتوى بهدر دم رشدي.

قرأت الكتاب قبل سنوات طويلة، ولا أتذكر منه سطرا واحدا فقد كان بالغ الرداءة من ناحية فنية وأدبية، لكن فتوى الخميني حولت الكتاب إلى أيقونة لا يستحقها، ومنحت سلمان رشدي شهرة عالمية، والمفارقة أن رشدي كتب بعد ذلك كتبا لاحقة، لم يسمع أحد عنها، فالرجل متوسط الموهبة.

ولأنها القضية الأكثر وضوحا في التاريخ ـ بالنسبة لي على الأقل ـ فقد أطلقت عليها تسمية متلازمة "آيات شيطانية"، ولا أدعي سبقا علميا هنا، بل ملاحظة شخصية كمراقب لحالة أراها تتكرر كثيرا في كل المجتمعات والأزمنة.

العمل محاولة للإبداع وفشلت بسبب معطيات فنية كثيرة

​​الأمثلة التي سبقت "آيات شيطانية" والأمثلة التي تلت تلك الحادثة الشهيرة كثيرة، ومتنوعة ومتفاوتة في نجاحاتها لتحقيق الشهرة منها ما بقي في أرضه ومنها ما حقق لأصحابه ما يريدون قصدا أو بغير قصد.

من ذلك مثلا ما سمعته عن صحفي عربي مهاجر إلى الولايات المتحدة، وقد سكن في حي عربي أغلب سكانه فلسطينيون، فكتب مقالا افتتاحيا في مطبوعة كان ينشرها تحت عنوان "طز في الثورة الفلسطينية"، فنال من الشتائم والمسبات الكثير، لكنه أثار الضجة التي يريدها لبيع مطبوعته الدورية، التي لم تستمر طويلا لرداءة المحتوى وضعف الجودة المهنية.

أردنيا.. وفي عام 2003، نشرت كاتبة أميركية من أصول أردنية اسمها نورما خوري، كتابا على صيغة رواية وباللغة الإنكليزية، وكان عنوانه "عشق محرم- Forbidden Love"، تتحدث فيه عن تفاصيل جرائم الشرف في الأردن (وهي جرائم موجودة فعليا) لكن الكاتبة قدمت القصة على أنها واقعية تتعلق بصديقة مقربة لها. الكتاب نشرته راندوم هاوس الشهيرة وهي منصة نشر عالمية شهيرة، مما أعطى للكتاب قيمة مضافة بأضعاف قيمته الحقيقية، ليتبين بعد تحقيق صحفي أن الكاتبة لم تعش في الأردن وقد هاجرت منذ طفولتها، وأن القصة الواقعية كما زعمت لم تكن إلا خيالا محض، وهو ما وضع منصة نشر مثل راندوم هاوس في موقف حرج، ولم يسمع أحد بعد ذلك أي إنتاج للكاتبة خوري.

من سوء حظ الكاتبة أن كل ما حدث معها ومع كتابها وكل تلك الضجة كانت في تلك الفترة التي كان الأردنيون فيها خارج مدارات وسائل التواصل الاجتماعي، وإلا لحصلت على دعاية مجانية واسعة وضخمة لا تحلم أكبر شركات الترويج الدعائي بتحقيقها.

لكن الأمر يتكرر في مسلسل رديء المحتوى والسيناريو "المترجم من الإنكليزية بعباطة"، والفكرة ذات الحبكة الباهتة الفانتازية الركيكة، وهو مسلسل "جن" الذي أنتجته وقدمته منصة عالمية مثل نتفليكس على أنه مسلسل أردني عربي.

كل تلك الضجة المثارة حاليا في الأردن، دفعتني لأتابع حلقات المسلسل على شبكة نتفليكس، وكانت ساعات المتابعة "التي تخللها كثير من القطع بسبب الضجر"، من أثقل الساعات على قلب متفرج نهم مثلي.

♦♦♦

ما قدمته تلك السلسلة لم يكن أكثر من فانتازيا متخيلة ورديئة الصنع، تشبه إعادة ممسوخة لفيلم هالوين أو الجمعة 13 في بعض المشاهد، مع محاولة بائسة ويائسة لخلق حالة محلية "أردنية" لم تنجح لأسباب عدة أولها اللهجات الهجينة التي شوهها حوار مكتوب نقلا مترجما عن الإنكليزية ـ الأميركية.

لكن تلك الفئة من المجتمع موجودة في الأردن، وهي فئة صغيرة لكن مؤثرة لأنها تمثل الجيل الثالث من مخرجات نخبة الحكم المتوارث وأصحاب رأس المال المتمكن في الدولة.

الألفاظ النابية فقدت حدتها أمام ألفاظ أكثر حدة وجهها غالبية الجمهور الأردني.

لكن العمل الدرامي الحقيقي فعلا، والذي تم إنتاجه بعفوية وسرعة، كان في ردة الفعل التي تجاوزت كل الحدود حول العمل البائس، ليصل إلى ردود فعل رسمية وشبه رسمية من الحكومة والبرلمان وفقاعات موقع فيسبوك الصحفية وانتهت بتغريدة الأمير علي "أحد إخوة الملك" الذي بدوره تلقى ردودا غاضبة على تعليقه الداعم للمسلسل.

الردود الجماهيرية العارمة والغاضبة مارست كل أنواع التنمر القاسي ضد كل من حاول تقييم العمل بموضوعية بعيدا عن موجة التطهر الأخلاقي التي عنونت هجوم الجماهير الغاضبة، بل إن بعض التعليقات الطريفة حملت دلالاتها الذاتية بالتعصب الأعمى مثل أحد التعليقات الذي هاجم صاحبه العمل ولم يبق في جعبته شتيمة ولا مسبة إلا ووجهها لكل المشاركين لينهي تعليقه بتساؤل عن نتفليكس وعلى أي تردد أو موجة أثيرية يمكن له التقاطها!

القصة كلها أن العمل محاولة للإبداع وفشلت بسبب معطيات فنية كثيرة، ويمكن لهواة الفانتازيا متابعته كمضيعة للوقت في عطلة نهاية أسبوع مضجرة حين لا يكون لديك شيء لتفعله بالمطلق.

الردود الجماهيرية الغاضبة مارست كل أنواع التنمر القاسي ضد كل من حاول تقييم العمل بموضوعية

​​لكن رد الفعل على هذا العمل "الذي حاول أن يختصر المجتمع الأردني برؤية نخبوية ضيقة" كانت الإنتاج الأضخم فعلا.

وهو ما يذكرني بمثل شعبي أتصرف بتحويره منعا للإساءة حيث قيل قديما: الجنازة حامية والميت أرنب.

مما يولد تساؤلا إضافيا حول بقية الأرانب "الحية والميتة" في قبعة الساحر الخفي وجراب الحاوي الشبح.

اقرأ للكاتب أيضا: الدولة الأردنية: من جوف الآلة.. وعنها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟