منصة إنتاج غاز إسرائيلية في البحر المتوسط-أرشيف
منصة إنتاج غاز إسرائيلية في البحر المتوسط (أرشيف)

سايمون هندرسون/

في الأسبوع الماضي، بعد عام من المفاوضات، أعلنت حكومة قبرص واتحاد تقوده شركة "نوبل أنرجي" ومقرها في تكساس عن اتفاق بشأن عقد منقّح لاستغلال حقل "أفروديت" للغاز الطبيعي الذي يقع على بُعد 100 ميل جنوب الجزيرة.

وسيكلّف تطوير الحقل، الذي يمتد جزء منه في المنطقة الاقتصادية الخالصة لإسرائيل، عدة مليارات من الدولارات، وستتدفق كميات الغاز الأولى في عام 2024 كحد أدنى، وربما باتجاه مصر ليتم تصديرها إلى باقي أنحاء العالَم.

ويُقدَّر إجمالي الإيرادات على مدى الأعوام العشرين التي يُتوقَّع أن يدوم فيها الحقل بأكثر من 9 مليارات دولار. وتبدو الخطوة التالية في الصفقة ـ أي الإقرار الرسمي من الحكومة القبرصية ـ بمثابة نتيجة حتمية، لكن كما هو الحال غالبا، تتم مقاربة أي تطورات متعلقة بالطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط من زوايا جيوسياسية أوسع نطاقا.

يمكن تسوية المطالبة الإسرائيلية بحقل "أفروديت" عبر التحكيم، لكن برزت ملامح مسألة أخرى أكثر صعوبة بكثير في 7 حزيران/يونيو، عندما أعلنت تركيا أن القبارصة الذين يعيشون في المنطقة الشمالية التي يحتلّها الأتراك من الجزيرة يتمتعون بحقوق نيل حصة من الحقل.

من المحتمل أن يكون التعاون في مجال الغاز مدرجا على جدول الأعمال في ورشة العمل الاقتصادية التي تستضيفها البحرين

​​وسبق أن أقرت مبدئيا الحكومة المعترَف بها دوليا في نيقوسيا ـ التي تؤكّد سيادتها على كامل الجزيرة وتمنح جوازات سفر إلى القبارصة الأتراك ـ أن الإيرادات الأخيرة لحقل "أفروديت" ستكون لكافة القبارصة.

ومع ذلك، فإن ما يعقّد هذا المبدأ هو العدد الكبير من المستوطنين الأتراك على الجزيرة، الذين يفتقر كثيرون منهم إلى الإرث القبرصي المثبَت والمطلوب للحصول على جوازات السفر وبعض الحقوق الأخرى. لذلك يتسبب التصريح الأخير لأنقرة بتفاقم المخاوف من قيام القوات البحرية التركية بمضايقة عمليات التنقيب والتطوير الدولية في المياه المتنازَع عليها.

وفي غضون ذلك، تم إيقاف إمدادات الغاز التي تولّد ثلثي الكهرباء في إسرائيل لوقت قصير في الشهر الماضي بسبب القلق من أن إطلاق قذائف "حماس" من غزّة قد يهدد المنصة البحرية العاملة للخطر. فمثل هذه الأحداث هي جزءٌ من سبب وقوع منصة إسرائيل الثانية ـ التي يتم بناؤها حاليّا لخدمة حقل "ليفياثان" الذي يوشك على البدء بالإنتاج ـ في مكان أبعد شمالا وأقرب إلى الشاطئ، حيث يمكن حمايتها بشكل أفضل.

ومن الناحية الإيجابية، كانت إسرائيل تستخدم كميات قليلة من الغاز لاختبار خط أنابيب غير مستخدَم في قاع البحر بين عسقلان ومدينة العريش في سيناء. وكان الخط يُستخدَم سابقا لضخ الغاز المصري إلى إسرائيل، لكنّ الوضع انعكس الآن إذ سيتم نقل الغاز قريبا من الحقول البحرية الإسرائيلية إلى مصر ـ سواء للاستخدام المحلي أو للتصدير ما إن يتم تحويله إلى غاز طبيعي مُسال في المحطات الحالية للغاز الطبيعي المسال بالقرب من بور سعيد والإسكندرية.

لكن كان من الصعب التوصل إلى اتفاق قانوني نهائي حول هذه الاقتراحات، وحتى حين تبدأ كميات الغاز بالتدفق في وقت متأخر من هذا العام، ستضطر إلى استخدام طريق برّي معرَّض للهجوم الإرهابي من عناصر تنظيميْ "القاعدة" و"الدولة الإسلامية" خلال جزء من رحلتها، على الأقل إلى أن يتم الاتفاق على خط بحري آخر باهظ الثمن يمتد إلى أقصى الغرب من العريش وبناؤه.

وتبحث إسرائيل أيضا عن شركات يمكن أن تنقّب في مياهها عن المزيد من الغاز. وعلى الرغم من إرجاء الموعد النهائي للمناقصات على تسعة عشر كتل بحرية إلى منتصف آب/أغسطس، الأمر الذي ربما يعكس قلة اهتمام المستثمرين، إلا أنه وفقا لبعض التقارير ما زال المسؤولين الإسرائيليين يأملون في أن تقتنع شركة "إكسون موبيل" بالصفقة. فحتى الآن، أبدت الشركة الأميركية اهتماما أكبر بالكتل القبرصية، كما فعلت بعض الشركات الأوروبية مثل "توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية.

وتهتم الشركتان الأخيرتان أيضا بالتنقيب في مياه لبنان، رغم الاختلال الوظيفي للحكومة، والعَطل في شبكة إمدادات الكهرباء، وتطفّل النفوذ الإيراني في البلاد. فهما تأملان البدء بالتنقيب شمال غرب بيروت قبل نهاية هذا العام.

والأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن اتحادهما، الذي يشمل شركة روسية، يريد التنقيب في كتلة أخرى تضم قطعة من البحر متنازَع عليها مع إسرائيل. وتحت تغطية "الأمم المتحدة"، كان الدبلوماسيون الأميركيون يشجّعون كلا البلدين على التوصل إلى اتفاق على الأقل حول بعض عناصر خلافاتهما المتعلقة بالحدود البرية والبحرية التي استمرت لعقود، وربما يشير ذلك إلى اهتمام الشركات الأميركية بالتنقيب في مياه لبنان.

ولكن عندما يتعلق الأمر بصفقات الطاقة، فحتى معاهدة السلام لا تضع حدا للحساسيات العامة إزاء التقارب مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، تعززت الروابط الأمنية والاستخباراتية بين الأردن والقدس بشكل كبير منذ أن وقّعت الحكومتان معاهدتهما في عام 1994، وزوّد الغاز الإسرائيلي المعامل الصناعية الأردنية بالطاقة في البحر الميّت على مدار العاميْن الماضييْن. لكن نظرا إلى استمرار ضعف العلاقات بين شعبيْ البلدين، فإن العديد من الأردنيين يعارضون احتمال استخدام غاز حقل "ليفياثان" لتوليد الكهرباء على نطاق واسع بدءا من أوائل العام القادم. وبدّدت عمان هذا الغضب جزئيا حين وصفت هذه الإمدادات "غازا شماليّا" أو "غازا أميركيا"، مؤكدة على دور شركة "نوبل" في إنتاجه.

خريطة رُفِعت عنها السرية من قبل "مكتب موارد الطاقة" التابع لوزارة الخارجية الأميركية تظهر تعقيدات التطورات المتعلقة بالطاقة في شرق البحر المتوسط

تُظهر الخريطة أعلاه بوضوح، والتي رُفِعت عنها السرية من قبل "مكتب موارد الطاقة" التابع لوزارة الخارجية الأميركية وتم الحصول عليها من "ماكلاتشي"، تعقيدات التطورات المتعلقة بالطاقة في شرق البحر المتوسط. فيعتبر بعض المسؤولين أن الخصائص الجيولوجية لهذه المنطقة يمكن أن تساعد أوروبا على تعديل اعتمادها على الغاز الروسي أو حتى استبداله، لكن يبدو أن هذا الأمر مستبعَد في إطار المستوى الحالي للاكتشافات.

وسيتعيّن التنقيب عن العديد من الحقول الأضخم مثل حقل "ليفياثان" أو حقل "ظهر" المصري قبل أن يتغيّر هذا الواقع. كما أن البناء المقترَح لخط أنابيب في قاع البحر لنقل الغاز إلى اليونان وإيطاليا يشكّل كذلك أمرا غير واقعي في الوقت الحالي. ووفقا لآخر "استعراض إحصائي للطاقة العالمية" أجرته شركة "بي بي"، لا تبلغ اكتشافات إسرائيل الحاليّة سوى 0.2 في المئة من احتياطات الغاز العالميّة المؤكدة من الغاز. وتفوقها الاحتياطات المصرية بخمسة أضعاف، على الرغم من أنها تبقى ضئيلة نسبة إلى احتياطات أكبر ثلاثة بلدان منتجة في العالم هي: روسيا (19.8 في المئة) وإيران (16.2 في المئة) وقطر (12.5 في المئة).

ومع ذلك، ينمو دور الغاز في الاقتصاد العالمي: فقد ارتفع كل من الاستهلاك والإنتاج بنسبة 5 في المئة في عام 2018، والذي وصفته شركة "بي بي" بأنه أحد أقوى معدلات النمو لكل من الطلب والإنتاج منذ أكثر من ثلاثين عاما". وبينما لا يزال النقل عبر خطوط الأنابيب مهيمنا، تستحوذ ناقلات الغاز الطبيعي المُسال على حصة متزايدة من عمليات التصدير.

وستصبح الولايات المتحدة على الأرجح ثالث مصدّر للغاز الطبيعي المُسال هذا العام، بعد أستراليا وقطر ـ ما يذكّر مجددا أن الاتجاهات يمكن أن تتغيّر بسرعة، لأن أميركا كانت مستوردا كبيرا للغاز الطبيعي المُسال إلى قبل عشر سنوات.

وتُشجّع واشنطن أيضا "منتدى غاز شرق المتوسّط" الجديد القائم في القاهرة من أجل التعاون في مشاريع الطاقة، على الرغم من أن لبنان وتركيا لم ينضما بعد إلى المنظمة. وفي غضون ذلك، يقود "مكتب موارد الطاقة " ركيزة الطاقة في "التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط" ("ميسا")، وهو المشروع الذي يسير بخطى بطيئة بقيادة أميركية لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

البناء المقترَح لخط أنابيب في قاع البحر لنقل الغاز إلى اليونان وإيطاليا يشكّل كذلك أمرا غير واقعي في الوقت الحالي

​​أخيرا، من المحتمل أن يكون التعاون في مجال الغاز مدرجا على جدول الأعمال في ورشة العمل الاقتصادية التي تستضيفها البحرين في وقت لاحق من هذا الشهر بهدف تطوير جهود السلام بين إسرائيل وفلسطين التي تبذلها إدارة ترامب. ورغم تصريح "السلطة الفلسطينية" بعدم حضورها، يبدو أن التكامل المتزايد في مجال الطاقة، الذي يعود بالفائدة على الضفة الغربية وغزة، يشكّل عنصرا واضحا للنقاش، ويشمل التنقيب والإنتاج المشترك للكهرباء. وبشكل أكثر تحديدا، يجب أن يتضمن جدول أعمال البحرين ما يلي:

  • الاستناد إلى البنية التحتية الحالية للغاز التي تربط إسرائيل ومصر والأردن.
  • تطوير مشاريع طاقة مشتركة تعتمد على الغاز.
  • التعاون في مشاريع الطاقة الأخرى (مثل الطاقة الشمسية).
  • دمج الأصول الفلسطينية في مشاريع مشتركة (على سبيل المثال، استغلال حقل الغاز البحري قبالة سواحل غزة؛ والاستفادة بشكل أفضل من محطة الطاقة الموجودة في غزة، المصممة أصلا لاستخدام الغاز).

وستكرر هذه الجهود الدرس التاريخي المتعلق بتطوير الغاز في شرق البحر المتوسط، وهو: أن التقدم بطيء لكنّ الإنجازات كبيرة، ويمكن تخطي العقبات التي تبدو أنه لا يمكن التغلب عليها عبر بذل جهد دبلوماسي في غاية الدقة مع التحلي بالصبر.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟