مسؤولون عراقيون يتفحصون الأضرار التي طالت منشأة في منطقة البرجسية الغنية بحقول النفط
مسؤولون عراقيون يتفحصون الأضرار التي طالت منشأة في منطقة البرجسية الغنية بحقول النفط

جويس كرم/

خمس اعتداءات على مطارات، وقواعد تدريبية للقوات الأميركية، ومقرات لشركات النفط العالمية في العراق في الأيام الستة الأخيرة كلها تحمل بصمات الحرس الثوري الإيراني وميليشياته وتفضح هشاشة الصورة العراقية في دائرة المواجهة بين واشنطن وطهران.

بين ضرب قاعدة البلد يوم الجمعة الفائت وبعدها التاجي الاثنين ثم مجمع القصور في الموصل أمس ومقر شركة إكسون في البصرة اليوم، هناك خيط مشترك لهذه الاعتداءات يوصل إلى إيران، وضمن معادلة إيذاء أميركا في العراق من دون الدخول في مواجهة مباشرة معها. لماذا إيران؟ لأن صواريخ الكاتيوشا ونوع الاعتداءات، والمعلومات الاستخبارية التي دلّت إلى الأهداف كلها تقود إلى ميليشيات تمولها وتديرها طهران في الداخل العراقي، ولبعضها علاقة وثيقة بالأمن العراقي يتيح لها ضرب هذه القواعد والمطارات والمنشآت النفطية بدقة وكفاءة لوجستية عالية.

ما يجري في العراق هو أكثر عشوائية وأقرب للأميركيين من دون أن يحمل بصمات وصور وفيديوهات الحرس الثوري

​​تكشف الاعتداءات أيضا هشاشة الحكومة المركزية في بغداد، وفشلها مرة بعد الأخرى، رغم الالتزامات الشفوية والكلام الإعلامي، من تقويض سلطة الميليشيات وحماية الشركات والقوات الموجودة، بطلب مباشر من الحكومة، على أرضها. من جهة، فإن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي ورئيس البلاد برهم صالح هما من خيرة الساسة العراقيين وأكثرهم حنكة وديبلوماسية، إنما من جهة أخرى فإن سلطتهم وقدرتهم على ضبط الوضع تبقى أسيرة 15 عاما من البنية الميليشياوية التي تأصلت في العراق، بدعم دول خارجية بينها إيران، وفشل أمني ومؤسساتي في التعامل معها في مرحلة ما بعد ديكتاتورية صدام حسين.

سياسيا، يدرك الحرس الثوري أن الساحة العراقية هي الأسهل لحشر الأميركيين نظرا للمد الميليشياوي، والوجود القتالي الأميركي الأكبر في المنطقة، وضيق خيارات الرد بالنسبة لقوات واشنطن. على عكس اعتداءات السفن في مياه الخليج التي كانت مدروسة ولا تستهدف الأميركيين أو إغراق السفن، فإن ما يجري في العراق هو أكثر عشوائية وأقرب للأميركيين من دون أن يحمل بصمات وصور وفيديوهات الحرس الثوري. العراق هو منطقة النفوذ الأكبر لإيران خارج حدودها، ونقطة الانتشار الأوسع للأميركيين في الشرق الأوسط.

هدف كاتيوشا الميليشيات العراقية على قواعد ونقاط أميركية هو فرض انسحاب أميركا من العراق. الجيش الأميركي يدرك ذلك، واللاعب الروسي جاهز لاستبدال الدور العسكري الأميركي في العراق في حال انسحب دونالد ترامب. إلا أن الصورة أميركيا لا توحي بأي تنازلات أو انسحاب قريب لأكثر من خمسة آلاف جندي لواشنطن في العراق.

قرار ترامب بإرسال ألف جندي إضافي إلى المنطقة وتشديد العقوبات النفطية على إيران هو الرد الأميركي على كاتيوشا العراق وألغام السفن. واشنطن غير مستعجلة ولا تريد إشعال مواجهة عسكرية مع إيران تفيد الحرس الثوري الايراني إلا في حال ضرب قواتها مباشرة. والإدارة الأميركية ترى اليوم أن انفلات الحرس الثوري بين هرمز والبصرة يؤكد نجاح استراتيجية العقوبات ضد طهران.

هدف كاتيوشا الميليشيات العراقية على قواعد ونقاط أميركية هو فرض انسحاب أميركا من العراق

​​رغم ذلك، فإن العراق هو الخاصرة الرخوة لواشنطن بسبب عدم وجود خيارات كافية للجيش الأميركي للرد. فرغم اتصالات مايك بومبيو ببغداد، وزيارته الشهر الفائت، ورغم إرسال تحذيرات أميركية لإيران عبر الوسيط العراقي، لم تتوقف الاعتداءات. دخول أميركا في مواجهة مباشرة مع إيران في العراق سيعني خسارتها، نظرا لامتلاك طهران أوراق نفوذ أكبر على الأرض. أما تجاهلها فيحرج واشنطن إقليميا، وخصوصا في حال استمرت الاعتداءات.

مع ذلك، وفي المدى المنظور، تحمل أميركا العصا الأكبر في وجه تهور إيران في العراق وخارجه، مع ازدياد عزلة طهران الدولية، واقتراب الأوروبيين من معسكر واشنطن وتحذيرهم من انهيار الاتفاق النووي. طبعا، إيران لديها الكاتيوشا والألغام والميليشيات وأوراق الرهائن، إنما هذه لم تعد كافية لتعويم الاقتصاد الايراني أو قلب معادلة النفوذ البحري وخلق أزمة نفطية في مضيق هرمز.

اقرأ للكاتب أيضا: خيارات السعودية في الرد على 'صاروخ أبها'

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.