جندي عراقي يحرس مدخل حقل الزبير النفطي بعد استهداف صاروخ كاتيوشا لمقر شركة نفط في منطقة البرجسية
جندي عراقي يحرس مدخل حقل الزبير النفطي بعد استهداف صاروخ كاتيوشا لمقر شركة نفط في منطقة البرجسية

مايكل نايتس/

في 19 حزيران/يونيو، أطلقت ميليشيا مجهولة الهوية صاروخا نحو قلب قطاع النفط العراقي في محافظة البصرة، حيث سقطت الذخيرة على بُعد مئة ياردة (300 قدم) فقط من منشآت الإقامة التي يستخدمها مهندسون أميركيون ودوليون يعملون في أكبر حقول النفط في البلاد.

وكان هذا الهجوم الصاروخي الثامن على المنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة في العراق هذا العام، وجاء مباشرة بعد الضربات على منشآت تدريب التحالف في التاجي والموصل في 17 ـ 18 حزيران/يونيو.

خلال 24 ساعة من تصريح عبد المهدي، سقطت صواريخ جديدة في الموصل والبصرة

​​ورغم عدم مقتل أي من الرعايا الأجانب في الضربات التي وقعت هذا الأسبوع، إلا أن عراقييْن أصيبا بجروح، وأثّرت هذه الحوادث على الوجود الدبلوماسي المحلي لواشنطن. فلم تُبق السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية الأميركية في أربيل سوى نصف طاقمهما بعد أن تم سحب جميع الموظفين غير الأساسيين في أوائل أيار/مايو بسبب مخاوف أمنية. وسابقا، في أيلول/سبتمبر الماضي، كان قد تم إغلاق القنصلية الأميركية في البصرة بعد أن ضُربت بصواريخ.

وهذه الضربات في الموصل والبصرة مقلقة بشكل خاص لأنها تأتي في أعقاب إنذار شديد اللهجة وجّهه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ومفاده أن على الميليشيات العراقية أن تكفّ عن تنفيذ العمليات العسكرية المستقلة، ليس فقط في داخل البلاد بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وبعد يوم من الضربة في 17 حزيران/يونيو على منشأة التاجي ـ التي تعرضت لهجوم أيضا في 1 أيار/مايو ـ أصدر رئيس الوزراء مجموعة قيود محددة بشكل غير عادي على القوات المسلحة غير الحكومية في العراق، جاء فيها:

  1. تُمنع أية قوة أجنبية بالعمل أو الحركة على الأرض العراقية بدون إذن واتفاق وسيطرة من الحكومة العراقية.
  2.  تُمنع أية دولة من الإقليم أو خارجه من التواجد على الأرض العراقية وممارسة نشاطاتها ضد أي طرف آخر سواء أكان دولة مجاورة أخرى أو أي تواجد أجنبي داخل العراق أو خارجه بدون اتفاق مع الحكومة العراقية.
  3. يُمنع عمل أية قوة مسلحة عراقية أو غير عراقية خارج إطار القوات المسلحة العراقية أو خارج إمرة وإشراف القائد العام للقوات المسلحة.
  4. تُمنع أية قوة مسلحة تعمل في إطار القوات المسلحة العراقية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة من أن تكون لها حركة أو عمليات أو مخازن أو صناعات خارج معرفة وإدارة وسيطرة القوات المسلحة العراقية وتحت إشراف القائد العام.

وخلال أربعٍ وعشرين ساعة من الإدلاء بهذا التصريح، سقطت صواريخ جديدة في الموصل والبصرة.

الميليشيات رفضت الامتثال لتعليمات عبد المهدي أو حتى الاعتراف بسلطته

​​وتتزامن الهجمات أيضا مع الجهود الأميركية لإسداء المشورة إلى "قيادة عمليات نينوى"، التي تتفاوض حول إخراج الميليشيات غير المحلية من الموصل وسهل نينوى. وسبق أن أمر عبد المهدي بإخراجها في آب/أغسطس الماضي ومجددا قبل شهر، لكنّ الميليشيات رفضت الامتثال لتعليماته أو حتى الاعتراف بسلطته.

وفي غضون ذلك، من المتوقع أن توقّع شركة "إكسون موبيل" والصين اتفاقا ضخما من شأنه أن يولّد مبلغا يُقدَّر بـ 50 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي وخبرة في مجال إدارة المشاريع لتلبية حاجة ماسّة في البصرة وباقي قطاع النفط العراقي.

وقد أصابت صلية واحدة على الأقل من بين صليات الصواريخ الأخيرة موقعا قريبا من منشآت شركة "إكسون"؛ وإذا قررت الشركة استدعاء موظفين من البصرة، فسيكون ذلك الانسحاب الوقائي الثاني لها منذ تصاعُد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أيار/مايو. وبالفعل، تدخّلت طهران مع وكلائها بشكل خفي لعرقلة مبادرات الطاقة الأميركية المحلية خلال العام الماضي، وقد يشكّل الهجوم الأخير في البصرة مثالا صارخا على هذا الاتجاه. وقد يهدف قادة إيران في النهاية إلى تعطيل بدء اتفاق "إكسون"، الذي قد يُعلَن عنه رسميا في وقت لاحق من هذا العام عندما يقوم رئيس الوزراء عبد المهدي بزيارته المتوقعة إلى البيت الأبيض.

وعلى الرغم من هذه الاستفزازات، لا بد من قياس رد واشنطن وفقا للهشاشة السياسية لعبد المهدي. يتعيّن على قادة الولايات المتحدة أن يرحّبوا على انفراد ـ وليس علنا ـ بتصريحه الصارم في 18 حزيران/يونيو. وفي الوقت نفسه، يجب أن يدركوا أن الضربات الصاروخية المعزولة لا تتطلب سوى عدد قليل من المقاتلين (أقل من عشرين) لتنفيذها. إذا من الواقعي أن يستمر العراق في السعي بجهد إلى منع ضربات من هذا النوع، كما قد يفعل أي مجتمع في مرحلة ما بعد الصراع، والذي تملؤه الجماعات المسلحة وعشرات آلاف الذخائر التي تعود إلى زمن الحرب.

يهدف قادة إيران في النهاية إلى تعطيل بدء اتفاق "إكسون"

​​يجب على الولايات المتحدة ألا تدع مثل هذه الحوادث أن تقوّض العلاقة الثنائية أو تؤدي إلى مزيد من التخفيضات الدبلوماسية ـ طالما بإمكان الحكومة العراقية أن تثبت أنها تتخذ خطوات ملموسة لتأكيد سيادتها وتعزيز سيطرتها على الميليشيات.

إن القضية الأقرب التي يمكن تتبعها هي جهود التطهير التي يبذلها عبد المهدي في الموصل وسهل نينوى، حيث ترفض الميليشيات الأصغر حجما (وكثير منها مدعومة من إيران) بشكل فاضح اتباع أوامره القانونية. فلتفعيل عملية الإخراج وضبط قادة الميليشيات غير الممتثلين في هذه المناطق، سيحتاج رئيس الوزراء إلى تحريك القطاع الأمني للدولة وكسب التأييد من الجهات الفاعلة السياسية الرئيسية مثل آية الله العظمى السيد علي السيستاني أو قائد "منظمة بدر" هادي العامري. وإذا تمكّن من القيام بذلك قبل زيارته إلى واشنطن، يجب على القادة الأميركيين أن يعاملوا جهوده على أنها مؤشر واضح على حسن النية والنوايا المستقبلية ـ وهي بالتأكيد خطوة صغيرة، بل خطوة صعبة يجب الإشادة بها وتعزيزها بهدوء.

مايكل نايتس وهو زميل أقدم في معهد واشنطن، وقد قضى فترات طويلة عمل خلالها في العراق منذ عام 2003، شملت وقتا طويلا مع قوات الأمن في البلاد.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العولمة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": سيقضي فيروس كورونا على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي لفيروس كورونا بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟