لاجئون سوريون يخلون مخيما غير رسمي في دير الأحمر بعد أيام على اندلاع عراك بين لاجئين وعناصر إطفاء وصلوا إلى الموقع لإخماد حريق
لاجئون سوريون يخلون مخيما غير رسمي في دير الأحمر بعد أيام على اندلاع عراك بين لاجئين وعناصر إطفاء وصلوا إلى الموقع لإخماد حريق

حازم الأمين/

سريعا ما بدأ زَرْعُ جبران باسيل يأتي أُكله. تحول خطاب الرثاثة الوطنية إلى خطة عمل لشبان وشابات، ولأحزاب ووزارات وبلديات. شبان يقتحمون متجرا يعمل فيه سوريون، ولافتات موقعة من وزارة العمل تدعو فيه أرباب العمل للاستعاضة عن العمالة السورية بـ"عمالة وطنية".

شعور السوريين بعدم الأمان يفضي إلى مفارقات مؤلمة، كأن يتقدم منك نادل في مقهى ويسألك بلهجة هي غير لهجته. إنه جبران باسيل، سيد الجمهورية وصهرها. الصهر الناجي من بين أصهار رؤساء دول مشرقنا.

تحولت مقولة "الاختلاف الجيني" إلى خطاب رسمي لبناني، وإلى ممارسة سياسية واجتماعية

​​لكن الأمر لم يقتصر على السوريين، ذاك أن عدم مقاومة الخطاب ولاحقا قبوله بصفته لغة الدولة والمجتمع والحزب، سيفضي إلى انتقاله من مستوى العلاقة باللاجئ إلى المستوى الوطني. سريعا ما ظهرت واقعة بلدية الحدث التي أعلن رئيسها، جهارا نهارا، أنه يمنع بيع وإيجار منازل أبناء بلدته إلى غير المسيحيين! القرار غير دستوري طبعا، إلا أن مجاهرة من هو في موقع رسمي به هو ذهاب بمقولة "الاختلاف الجيني" إلى مستواها الوطني. جبران باسيل أعطى صفارة الانطلاق لثقافة كراهية لن تقف عند حدود اللاجئ السوري.

والحال أن باسيل ـ وأقرانه "جينيا" ـ يريد حماية لبنان "ديموغرافيا" بخروق هائلة لحقوق الإنسان البديهية، ويريد حماية الوجود المسيحي بخرق للدستور اللبناني، وهو بهذين الخرقين يستفيد من الصمت المذهل الذي يمارسه رئيسه في الحكومة سعد الحريري، ومن التواطؤ الخبيث الذي يمارسه حزب الله. ومثلما نهشت "جينات التفوق" الحريري في موقعه في التوازن الرئاسي، بدأت هذه "الجينات" تقترب من الحزب، ذاك أن المستهدف في قرار بلدية الحدث هو جمهور الحزب الذي يخافه أصحاب الجينات الباسيلية على رغم التفاهم الكاذب الذي يربط الجماعتين.

غدا ستحمل اللافتات دعوات للتسلح، ذاك أن ما يجري قد يتطلب ذلك.

​​لقد تحولت مقولة "الاختلاف الجيني" إلى خطاب رسمي لبناني، وإلى ممارسة سياسية واجتماعية. "نعم نحن عنصريون في سبيل وطننا"، هذه مقولة رددها وزراء ونواب وقادة لبنانيون، وهذه قد تقود إلى مقولات من نوع "نعم نحن مجرمون في سبيل صربيا الكبرى". ألم يقلها يوما أحد مجرمي الحرب من الميليشيات الصربية، ممن كانوا يشاركون في عمليات إبادة البوشناق في ضواحي ساراييفو. من السهل على العنصري في سبيل وطنه أن يصبح مجرما في سبيل وطنه. ومن السهل على العنصري في سبيل وطنه أن يصبح عنصريا في سبيل طائفته. واقعة بلدة الحدث مؤشر واضح على هذا الاحتمال، وعلى تحوله واقعا مقبولا.

أما أنت أيها اللبناني العادي، أيها اللبناني غير المخصب جينيا، والذي نالك من بلدك فشله وفساده وارتهان طبقته السياسية، أيها اللبناني الذي شعرت بالعار عندما تقدم النادل السوري منك وغيّر لهجته، فعليك تباشر فعلا تصويبيا. كن عنصريا ولا تخجل. اللافتات التي كتبها وزراء وعُلقت في الشارع الذي تعبره يوميا مع ابنك تدعوك لذلك. كن عنصريا في سبيل وطنك، فأنت أصلا عنصري في سبيل طائفتك. النقلة ليست كبيرة. لكي تكون طبيعيا عليك المباشرة بهذا العمل التصويبي. ابدأ بذلك قبل أن تفقد صوابك. المشاهد من حولك ستتكثف. غدا ستحمل اللافتات دعوات للتسلح، ذاك أن ما يجري قد يتطلب ذلك.

أما نحن، اللبنانيون العاديون وغير المخصبين جينيا، فستضيق المساحة الضيقة أصلا علينا

​​لبنان سيشارك بمؤتمر أستانة الذي سيبحث أيضا بموضوع اللاجئين. سيمثلنا هناك جبران باسيل طالما أن سعد الحريري في واد آخر. سيحمل الوزير عينة مختبرية تثبت التباين الجيني، وسيأتي محملا بدعم من قوى عالمية. فلاديمير بوتين سيبتسم للوزير تلك الابتسامة المراوغة، وحسن روحاني سيعده بأن لا يتدفق الشيعة على بلدة الحدث، ورجب طيب أردوغان سينظر إلى وزير "الملة المارونية" نظرة سريعة ويمضي في طريقه للمفاوضة على مستقبل إدلب. وسيعود الوزير المخصب من المؤتمر حاملا دعم مجتمع دولي مواز، لمشاريعه في مواجهة اللاجئين. أما مشاريعه في مواجهة مواطنيه من أبناء الطائفة الحليفة، فهي مؤجلة طالما أن حزب الله مستعد لمُبادلة إذلالهم بنفوذه.

أما نحن، اللبنانيون العاديون وغير المخصبين جينيا، فستضيق المساحة الضيقة أصلا علينا. سيتضاعف شعورنا بالعار، وفي كل يوم سنواجه بمواقف تشعرنا بضرورة المغادرة. فباسيل هو الرئيس المقبل، على ما يقولون في لبنان، وطالما أنه ماضٍ في بيع لبنان في مقابل تأمين المنصب العتيد، فهو سيكون الرئيس، ونحن سنُحكم بخطاب عنوانه "عنصريون في سبيل وطننا".

الوقت تأخر ولن نجد من يأوينا، ولا سبيل أمامنا سوى أن نصرخ، حتى وإن لم يجد الصراخ.

اقرأ للكاتب أيضا: انحطاط

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.