مشهد من مسلسل "جن" (من حساب نتفليكس على موقع تويتر)
مشهد من مسلسل "جن" (من حساب نتفليكس على موقع تويتر) | Source: Courtesy Image

نضال منصور/

شيء لا يُصدق ما حدث في الأردن في الأسبوع الماضي بعد تسريب مقاطع من مسلسل "جن" الذي تعرضه منصة "نتفليكس". انشغل المجتمع الأردني في غالبه في "عاصفة" من النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي اتسم أكثرها بالانتقادات السلبية التي ذهبت حد الشتائم للمسلسل، وللممثلين، ولكل من حاول أن يُبدي وجهة نظر مختلفة.

قيل إن سبعة ملايين مشاهدة حظي بها المسلسل أو مقاطع منه، وكُتب أن ثلاثة ملايين "بوست" أو تعليق نُشر على "السوشيل ميديا" عن المسلسل، وهي أرقام لم أستطع التحقق منها، ولكنها تعكس حالة هيجان مجتمعي لم أشهدها من قبل على فيلم، أو مسلسل، أو رواية، أو عمل مسرحي. وللعلم، فإن شبكة "نتفليكس"، لمن لا يعرف، مخصصة للمشتركين الذين يدفعون مالا نظير مشاهدتهم باقاتها من الأفلام والمسلسلات، بمعنى أنها ليست قناة مفتوحة وعامة يمكن للراغب مشاهدتها دون مقابل.

لا نملك حق الوصاية على ذوق الناس وحقهم في مشاهدة ما يجدونه متوافقا مع قيمهم

​​بعيدا عن التحقيق أو التدقيق فيما إذا كان كل من أدلى برأيه في المسلسل قد شاهده، فإن ما يستحق أن يُطرح ويناقَش بهدوء وروية دون تشنج أو اتهامات مسبقة... السؤال الأساسي ما هي "الجريمة النكراء" التي ارتكبها هذا المسلسل فيما طرحه حتى ينال كل هذا الهجوم غير المسبوق؟ لماذا تحرك المدعي العام الأردني فورا ليطالب بوقف بثه ويعلن مباشرة التحقيق؟ لماذا تنصلت الجهات الرسمية من المسلسل وبدأت بتقاذف الاتهامات؟ لماذا تحركت اللجان البرلمانية بشكل عاجل لتطالب بجلسات استماع مع الحكومة لمعرفة ماذا جرى؟ ولماذا لاذ غالبية المثقفين والنقاد عن المشهد ولم يعلنوا موقفهم بالاستناد إلى معايير مهنية وفنية باستثناءات قليلة ومحدودة؟!

نقطة البدء أنني لست ناقدا فنيا، ولست معنيا بالدفاع عن المسلسل أو مهاجمته، وما أؤمن به وأدافع عنه أنني مع حرية التعبير، وحرية الإنتاج الفني والثقافي والإبداعي، ولا أملك حق الوصاية على ذوق الناس وحقهم في مشاهدة ما يجدونه مناسبا ومتوافقا مع قيمهم ومفاهيمهم، وأعارض الرقابة السابقة واللاحقة، فهذا ينتهك حقوق الناس الشخصية.

قرأت وجهة نظر بعض النقاد ممن أحترم رأيهم، وهم في الغالب يتجهون للاتفاق على أن مسلسل "جن" ضعيف على مستوى النص والسيناريو، ويحفل بالشتائم غير المبررة والمُقحمة وخارج السياق، وفيه لقطات يعتبر كثير من الأردنيين أنها "تخدش الحياء العام"، وبعضهم يراها أفعالا فاضحة، ويرون أن النص كُتب باللغة الإنكليزية وتُرجم للعربية، وهو لا يشبه بيئة الناس، ولا يتفق مع عاداتهم وتقاليدهم، وأكثر من ذلك يرونه مسلسلا موجها لجمهور غير عربي، وفيه من المُتخيل أكثر من الواقع، وهو منسوخ ومكرر عن مسلسلات أميركية تخاطب المراهقين.

سأسلّم بهذا التقييم السلبي باستثناء الإشادة بجمالية واحتراف التصوير، فهل يستدعي مسلسل لا يُفترض أن يشاهده ـ وفق إحصائية المشتركين في منصة "نتفليكس" ـ سوى الآلاف هذه الغضبة الشعبية، ما هي المخاوف التي استدعت كل هذا التحشيد والاستنفار وكيل هذا "السُباب" للمسلسل وللممثلين وخاصة النساء منهم، والإدانة لعائلاتهم؟

يقولون إن المسلسل يقدم صورة غير واقعية عن حياة الشباب والشابات في الأردن، والألفاظ التي استُخدمت في المسلسل غير مألوفة ولا تُتداول في حياتنا، والإيحاءات والممارسات الجنسية لا تحدث وليست مقبولة في مجتمعاتنا خاصة حين تصبح علنية ويُجاهَر بها؛ لنقل كل هذا صحيح ولا يقربه الشك، فهل مسلسل قدمته منصة أجنبية لا تهتم بمعاييرنا سينمّط هويتنا والموقف منا، ويعطي صورة سيئة عن المجتمع الأردني، وتصبح وصمة عار؟ هل هذا المسلسل سيجعل من الأردنيين مدانين أخلاقيا، وهل يتطلب الأمر تدخل "دائرة الإفتاء" لإدانته ورفضه؟

هل سينمّط مسلسل "جن" هويتنا ويُغير من نظرة العالم لنا؟

​​هل ستتغير قيمنا الأصلية وعاداتنا المحافظة وتصبح في مهب الريح بعد هذا المسلسل، وهل ستتغير نظرة العالم لنا، وهل سيُغير في أنماط سلوكنا، ويفرض طباعا جديدة على الشباب ستكون لها تداعيات مجتمعية خطيرة؟

لنبسّط الأمر، ونسأل بشكل مباشر هل الأردنيون متفقون على رؤية واحدة لمفهوم الأخلاق، هل يملكون منظومة موحدة وشاملة للعادات والتقاليد لا يشذّ عنها أحد، ولا يخرج عنها أحد، وهل نملك "مسطرة" تحدد مسارا لا يشوبه الالتباس لمعيار الأخلاق والذوق وكافة تفاصيل الحياة، أم أنها قضايا مُختَلف عليها ونسبية؟

حق مشروع أن ينتقدوا مسلسلا أو عملا فنيا أو أدبيا، وحقهم أن يحتكموا للقانون إن وجدوا فيه إساءة، غير أن ما جرى كان في غالبه هجوما وتجريحا وإدانة مسبقة لأن المسلسل برأيهم يسيء للأخلاق ولصورة الأردنيين؛ والأكثر أيلاما في المشهد أن بعضا ممن اعترضوا على الشتائم الواردة في سيناريو المسلسل استخدموا عبارات وألفاظا مُعيبة وجارحة بحق الممثلين، وكل من حاول أن يُبدي رأيا مخالفا، فكيف تستقيم هذه المعادلة في "مجتمعات الفضيلة"؟!

في العمق تواجهني أسئلة من نوع مختلف على غرار ما هو دور الفن، ما هو دور الأدب، ما هو دور الإعلام، هل الفن والأدب والإعلام دورهم ومهمتهم بث القيم النبيلة فقط، ومحظور عليهم كشف المستور، وبعض الظواهر حتى لو كانت محدودة في المجتمعات؟

ولنتخيل أن فيلما قرر الكاتب والمخرج والمنتج أن يقتحموا "التابوهات" ويتحدثوا عن "زنا المحارم"، أو المخدرات واستخدام "الجوكر"، أو الدعارة، وكلها موجودة في مجتمعنا، هل سنتصدى لهم وننبذهم باعتبارهم "يشوهون" صورتنا، وأن الأجدى لهم تقديم فيلما عن محاسن وإيجابيات مجتمعنا فقط؟

كُتب على "السوشيل ميديا" بعد الحملة على مسلسل "جن" واتهامه بخدش الحياء العام، لماذا لا يُخدش حياء المجتمع وينتفض حين يرى عجوزا يجمع الطعام من حاويات القمامة، لماذا لا يغضب الناس بهذه الطريقة حين تُنتهك حقوق الإنسان، أو حين يرمون القمامة من سياراتهم، أو حين يلوثون الحدائق والمتنزهات وهي أفعال مخالفة للقانون؟

الشيطنة والتخوين والتنمر عبر الفضاء الإلكتروني أصبحت أفعالا ملاحظة، ولكن أكثر ما يقلقني أن مثل هذا الهجوم الكاسح يُعطي الضوء الأخضر والشرعية للسلطة للعودة للرقابة المسبقة بتفويض شعبي.

من سيجرؤ بعد ذلك أن يعارض الرقابة على المسلسلات والأفلام والروايات، وطلب الاطلاع على النصوص والسيناريو قبل التصوير أو الطباعة، ومن يعترض ربما يأتيه الجواب أنه إجراء احترازي لمنع الإسفاف أو الإساءة لمجتمعنا وقيمنا وحتى دولتنا.

يشاهد العالم العربي ومنه الأردن كل يوم آلاف الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية "الخادشة" للحياء العام، وتعودت آذانهم على شتائم لم تُغير بهم شيئا، وفتحت ثورة الاتصال الحرية في الولوج إلى المواقع "الإباحية" وتداولها، وإحصائيات "غوغل" للمستخدمين تفضح وتُسقط "ورقة التوت".

كما هي العادة فإن هناك من ذهب لاعتبار مسلسل "جن" غزوا ثقافيا يستهدف ثقافتنا وقيمنا، وهؤلاء غاب عنهم تعطش ومتابعة قطاع واسع في مجتمعنا للمسلسلات والأفلام الأميركية، والمكسيكية، والتركية دونما محاكمة للأفكار والمفاهيم التي تروجها، ربما يُغض النظر عن كل ما يُعرض ما لم يُقل بلغتنا ولهجتنا.

الهجوم على مسلسل "جن" يُعطي الضوء الأخضر والشرعية للسلطة للعودة للرقابة المسبقة بتفويض شعبي

​​راجت رواية أخرى عند بعض السياسيين والنُخب أن تسريب مقاطع عن المسلسل وإثارة حملة عليه مبرمجة ومفتعلة لإلهاء الناس عن القضايا الأساسية التي تشغلهم مثل الوضع الاقتصادي و"صفقة القرن" و"مؤتمر البحرين"، وأنصار "نظرية المؤامرة" يعيدون إنتاج نفس الخطاب، ويعتبرون أن انشغالات الناس مُخطط لها وتسير وفق سيناريو، والشارع يُستَخدم في هذه المعارك "الدونكيشوتية".

الشيء المؤكد بعد هذه الحملة على مسلسل "جن" أن كل الجهود التي بُذلت لترويج الأردن كملاذ لصناعة السينما والمسلسلات، ولتقديمه على أنه يملك أماكن خلابة مدهشة مثل وادي رم والبتراء للتصوير ستواجه تحديا غير مسبوق، فالسلطات الرسمية مضطربة، والهيئة الملكية الأردنية للأفلام تواجه سيل من الاتهامات، ولا يُعرف الى أين ستقودنا هذه الحادثة، بعد مطالبات شعبية بضرورة مراقبة ما يُصوَّر، والاطلاع على السيناريو والنصوص قبل إعطاء الموافقات.

في الحملة على مسلسل "جن" زوايا مرعبة لم نقرأها ولم ندقق بها، أكثرها حضورا أن ثقافة الاختلاف تتراجع ولا تُحترم، والترهيب والانفلات والتعدي على الحريات التي يصونها القانون في "دولة فيسبوك" مثلا ينتشر مثل النار في الهشيم لكل من يحاول أن يقول رأيا مخالفا للسائد، والأكثر مدعاة للقلق "محاكم التفتيش" على الأخلاق التي توزع "صكوك الغفران".

اقرأ للكاتب أيضا: 20 عاما والملك والأردن في عين العاصفة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.