إيرانيات بالزي التقليدي في أصفهان في بداية السبعينيات
إيرانيات بالزي التقليدي في أصفهان في بداية السبعينيات

عمران سلمان/

أشكر الزميل العزيز حسن منيمنة على مروره الكريم على مقالي السابق "الإسلام الصحراوي وترييف المدن العربية" وتعليقه "ولا الزمن الجميل كان الأصل الثابت"، الذي أرى أنه قد أثرى بالفعل بعض المسائل الواردة في المقال ونبهني إلى بعض التعميمات التي أحرص دائما على تلافيها، لكنها تتسرب رغما عني أحيانا.

"الزمن الجميل"

والواقع أني لم أزعم في السابق ولن أزعم في أي وقت قادم بأن ما أكتبه أو أقوله هو الصواب حصرا وما عداه باطل، فالهدف دائما هو تقديم آراء أو زوايا جديدة للموضوع بغرض توسيع دائرة النظر فحسب، أما الحقيقة فلا يمكن الإلمام بها أو حصرها في رأي أو مقال، فثمة دائما أبعاد أخرى لأي موضوع، وثمة مساحات تتعدد بتعدد آراء الناس وأفكارهم وأفهامهم.

وانطلاقا من هذا الفهم فإني كذلك لا أحبذ الرد أو التعليق على الانتقادات الموجهة إلى مقالاتي، وهي كثيرة، لأن في ذلك إغراء على التمسك بالرأي والتعصب له، وهو أمر أذكّر نفسي دائما بأن عليّ الابتعاد عنه، لكن هذا التعليق سيكون هو الاستثناء نزولا عند رغبة الزميل حسن منيمنة وهو كاتب أقدره كثيرا وأحرص على قراءة ما يكتب.

الحضارة بمعناها العام مرتبطة بالمدينة أو الحاضرة

​​استخدام عبارة "الزمن الجميل" في تعليق الزميل حسن، ربما تعطي الانطباع كما لو أني كنت أنشد في مقالي تذكير الناس بزمان معين والانحياز إليه. والواقع أني شخصيا اعتبر كل زمن هو جميل، بما في ذلك الزمن الحالي، رغم أن ذلك لا ينفي طبعا أن لدى كل منا زمنه الذي يعتبره الأفضل أو يحن إلى العودة إليه.

الهدف من المقال كان هو التنبيه إلى أن كثيرا من المسلمات أو التي نعتبرها كذلك، هي فحسب بسبب ذاكرتنا الانتقائية، وكان عليّ أن أورد أمثلة على ذلك من الفترة التي أستطيع الحديث عنها.

قضية الحجاب

الإشارة إلى الحجاب في مقالي، والحديث هنا كان يدور عن الحجاب بشكله الحالي أو السائد اليوم، وليس بالإطلاق طبعا، هو يعود إلى فترة السنوات الأولى للثورة الإيرانية. وهي فترة عاشها من هم في سني أو أكبر وأتصور أنهم يتذكرونها جيدا.

لا ينفي ذلك أنه كانت هناك عبر التاريخ الإسلامي أشكالا أخرى من الحجاب أو أغطية الرأس، والتي اعتقد أن العرف والتقليد كان لهما دور كبير فيها. لكن ذلك لا سبيل إلى التأكد منه بصورة قطعية بحكم الزمن، وإن كان يمكن استشفافه من خلال تعدد أنواع وأشكال الحجاب أو غطاء الرأس عموما من مجتمع إسلامي إلى آخر.

وأيضا كما أوضحت في المقال، أنني لا اتخذ موقفا من الحجاب هنا، بل احترم حرية ارتداءه من عدمها. ولكني كنت أشير إلى الاستخدام أو ربط السياسي بالديني في الشكل الحالي من الحجاب، وهو ربط للأسف قائم وموجود، من دون أن يطال ذلك بالطبع أي حكم إيجابي أو سلبي على المحجبات أو السافرات.

الجماعات المتشددة

فيما يتعلق بـ"الجماعات الإسلامية المتشددة"، والحديث هنا عنها تحديدا وليس كل التيار الإسلامي، فإن إشارتي إلى الإسلام "الصحراوي" وقد وضعتها عامدا بين مزدوجين، وربما كان علي أن أوضحها بصورة أكثر، لم يكن القصد منها إعطاء حكم قيمي أو أخلاقي على أهل الصحراء أو البادية، أو خلق مفاضلة بينها وبين الحواضر، ولكن هي إشارة إلى نمط من الإسلام أو التفسير الإسلامي، الذي تميز بالجدب والفقر في قراءته للواقع المعاش وسعيه لتأسيس آخر على مقاسه، عبر العنف والحروب وتصفية الآخر.

هذا التفسير برأيي كان على هامش الحضارة العربية الإسلامية في معظم الوقت، ويعود في صيغته الراهنة، كما هو معروف، إلى ابن تيمية وفتاواه خلال فترة الغزو المغولي.

كانت الموجات البشرية القادمة من الصحراء تهاجم مراكز الحضارة وتقضي عليها، ثم تستقر وتبني مراكز حضارة بدلا عنها، وهكذا

​​وللصديق، الكاتب البحريني المبدع، علي الديري كتاب قيّم في هذا المجال، صدر حديثا، أنصح بقراءته وهو "إله التوحش"، يوضح فيه بجلاء أن الوهابية، التي تبنت هذا التفسير فيما بعد، كانت فكرة طارئة على نجد، وقد وقف ضدها حتى أئمة المذهب الحنبلي أنفسهم، ولم يستتب لها الأمر إلا بالقضاء عليهم.

والمهم هنا هو أن هذا الاتجاه لم يكن ليصبح بهذه القوة والحضور الذين نراهما اليوم في العالم الإسلامي لولا تحالفه مع السلطة السياسية أولا، ثم وصوله إلى الأموال الطائلة التي وفرتها عوائد النفط، وهو أمر تناولته الكثير من الأبحاث والدراسات، بما يغنيني عن الإطناب.

وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن إشاعة هذا النمط من الإسلام لم يكن قرارا محليا فقط، بل كان كذلك وصفة دولية جرى تقديمها للمنطقة وتشجيع العمل بها لمواجهة المد الشيوعي السابق.

ترييف المدن العربية

أخيرا، بالنسبة للحديث عن ترييف المدن العربية، وربما لا يخفى على الزميل حسن، أن الحضارة بمعناها العام مرتبطة بالمدينة أو الحاضرة. فليست هناك إمكانية لبناء حضارة في البادية. وعبر التاريخ، كما هو معروف، كانت الموجات البشرية القادمة من الصحراء تهاجم مراكز الحضارة وتقضي عليها، ثم تستقر وتبني مراكز حضارة بدلا عنها، وهكذا.

وليس في هذا القول ما يشير إلى أن أهل البادية أو الريف هم أقل مكانة أو قدرا من أهل المدن أو الحضر، لأن أهل المدن كانوا يوما من الريف أو البادية، لكنه توصيف اجتماعي عام.

الوهابية، التي تبنت هذا التفسير فيما بعد، كانت فكرة طارئة على نجد

​​وضمن هذه المقاربة يمكن فهم ما حدث مع المدينة العربية في فترة الانقلابات العسكرية التي ذكرتها، حيث عانت من الترييف، وإن هؤلاء القادمين نقلوا معهم إليها أنماط حياتهم وثقافتهم وتدينهم. والمؤسف أن ذلك تم بصورة سريعة وعشوائية في كثير من الأحيان. كما جرى تحت غطاء القومية والتحرر الوطني وما شابه ذلك.

هذا التوصيف لا يتعارض مع ذلك ما ذكره الزميل حسن من أن النخب المدينية في بعض الأحيان، مارست أنواعا من الاستعلاء أو النظر بدونية إلى أهل الأرياف وأهملت تطوير مناطقهم، ما يجعلهم ينتقمون من المدينة.

أكتفى بهذا القدر، وأشكر حسن منيمنة على تعليقه البناء وملاحظاته الهامة، وهذه الفرصة للحديث وتبادل الرأي حول هذه القضايا التي لا أشك أن الكثيرين لديهم آراء وتفسيرات مختلفة عنها.

اقرأ للكاتب أيضا: عصابات الجنجويد تجتاح الخرطوم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A volunteer from Basij forces wearing a protective suit and face mask sprays disinfectant as he sanitizes a bus station, amid…
أحد عناصر "الباسيج" خلال عملية تعقيم للأماكن العامة قي طهران

بعد أشهر من إنكار إيران تفشي فيروس كورونا على أراضيها، كانت أول مبادرة رئيسية قامت بها لاحتواء الفيروس هي إنشاء "مقر وطني" لمكافحة هذا الوباء تحت توجيه الرئيس حسن روحاني، إلى جانب مجلس لدعم قرارات هذا الكيان الجديد. 

ومع ذلك، فإن عدم كفاءة الحكومة، والفجوة بين الرئيس ومنافسيه، والانتشار السريع لـ "كوفيد-19" في جميع أنحاء البلاد سرعان ما أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بإشراك القوات المسلحة في المبادرة.

وبدلا من وضع القوات تحت سيطرة روحاني، أمر خامنئي بإقامة "مقر الإمام الرضا الصحي والعلاجي" في 12 مارس برئاسة رئيس "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" اللواء محمد باقري. وقد طُلب من اللواء التعامل مع الوضع على أساس أنه مناورة دفاعية [ضد هجوم] بيولوجي، بما يتماشى مع ادعاء خامنئي الخيالي بأن الوباء جزء من حملة حرب بيولوجية أميركية ضد النظام.

ومن خلال وضع "مقر" العلاج الجديد تحت سلطة "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" ـ أعلى هيئة عسكرية في إيران ـ كلّف خامنئي بشكل أساسي جميع القوات المسلحة في البلاد بمكافحة الفيروس. 

كثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دمية يحرّكها "الحرس الثوري"

على سبيل المثال، أُمرت وزارة الدفاع و "إسناد القوات المسلحة"، التي تشرف على جميع قضايا التخطيط والتمويل المتعلقة بالجيش، بإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية، ومعدات وقائية، وإمدادات طبية أخرى. 

وقد طُلب من الجيش النظامي ("أرتش")، المسؤول عادة عن حماية السلامة الإقليمية للبلاد، تطهير الأماكن العامة وإقامة مستشفيات ميدانية مؤقتة وتحضير أسِرّة للشفاء. 

وبالمثل، استَخدمت "قوة إنفاذ القانون" ("ناجا") بعض معداتها المخصصة للسيطرة على الحشود لتطهير الشوارع ـ وإن كان ذلك أثناء عرض لافتات تشير إلى أنها أكثر تركيزا على الدعاية من الصحة العامة.

ومع ذلك، فقد حدثت أكثر الخطوات الجديرة بالملاحظة داخل "الحرس الثوري" الإيراني وفروع ميليشيا "الباسيج" التابعة له. فإلى جانب إرسال القوات لفحص المرضى، والسيطرة على حركة الأشخاص، وتطهير الأماكن العامة، وتصنيع معدات الحماية، قام "الحرس الثوري" بتفعيل مقرٍّ مركزي دائم للدفاع البيولوجي يسمى "الشفاء". 

وفي الواقع، إن هذا المقر ليس قيادة جديدة. فقد تأسس عام 2012 من قبل "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" التابعة لـ "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة"، والتي أُنشئت في البداية عام 2003 لتعزيز قدرة إيران على الصمود في المعارك من خلال تعزيز البنى التحتية. ويخضع كلٌّ من "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" ومقر "الشفاء" لسلطة "المقر المركزي لخاتم الأنبياء"، الذي هو رسميا على نفس مستوى "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" والمسؤول عن إدارة القوات المسلحة الإيرانية خلال زمن الحرب.

وحين وضع "الحرس الثوري" مقر "الشفاء" تحت قيادته، أنشأ مقرّات فردية للدفاع البيولوجي في جميع المحافظات الإيرانية. وقبل عقد من الزمن، أصبح "الحرس الثوري" لامركزيا بصورة تدريجية حيث تم تقسيمه إلى 32 وحدة حرس موزعة بين المحافظات ["وحدات حرس المحافظات"] (واحدة لكل محافظة باستثناء طهران، التي لديها وحدتان). 

وكان يُقصد من هذه الخطوة جزئيا، ضمان تنسيق أفضل بين قوات "الباسيج" و"الحرس الثوري" العاملة في كل محافظة، وإعداد "الحرس الثوري" بشكل أفضل ضد أي تهديدات للنظام.  

واليوم تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري، ومتجسدة في حكومات المحافظات (أوستنداري) التي تخضع لسلطة وزارة الداخلية، والرئيس الإيراني في النهاية. 

وتتولى كل قيادة لـ "وحدات حرس المحافظات" الإشراف على العديد من الهيئات المحلية: "ناحية لـ "الحرس الثوري" ـ "الباسيج"" في كل مقاطعة (فرمنداري)، ودائرة واحدة على الأقل لـ "الباسيج" في كل بلدة (بخش)، ووحدة إقليمية أصغر مكوّنة من عدد قليل من البلدات (شهر) أو مناطق ريفية (دهستان) وقاعدة لـ "الباسيج" في كل حي.

A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
فيروس العداء للولايات المتحدة!
حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت

ووفقا للنظام الداخلي لـ "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي"، يترأس المحافظ (أوستندار) جميع مقرات الدفاع السلبي في المحافظة، بما فيها مقر "الشفاء". ومع ذلك، فإن نقل "الشفاء" إلى سلطة "الحرس الثوري" قد وضع فعليا القادة المحليين لـ "وحدات حرس المحافظات" في موقع المسؤولية بدلا من الترتيب السابق.

ومع استدعاء "الحرس الثوري" لبعض قواته الخاصة ومختلف وحدات "الباسيج" ـ خاصة الطلاب وأعضاء النقابة والممارسين الطبيين ـ تمكّن من حشد نحو 600,000 عنصر للمساعدة في احتواء الفيروس في كافة أنحاء البلاد. كما شكّل ثماني لجان في كلٍّ مقر من مقرات المحافظات، وأُنيطَت بها المهام التالية:

  • لجان الأمن والمخابرات: تفتيش المستودعات بحثا عن لوازم طبية مكدّسة، واعتقال الأشخاص الذين ينتقدون رد النظام على تفشي المرض، وما شابه ذلك من مهمات.
  • لجان التطهير: تطهير الأماكن العامة.
  • لجان التعليم: إنتاج مواد تربوية حول الوباء وطرق احتوائه.
  • لجان الفحص: إجراء فحوصات الفيروسات في جميع المنازل.
  • اللجان اللوجيستية: تصنيع المعدات الأساسية مثل الأقنعة والمعقّمات اليدوية.
  • اللجان التنفيذية: مساعدة النظام على ضبط حركة المدنيين وفرض الحجر الصحي.
  • اللجان الثقافية: تأدية مهام مختلفة كتوزيع نسخ من "الصحيفة السجادية" التي تتكوّن من مجموعة أدعية أوصى خامنئي الناس بتلاوتها خلال الأزمة.
  • لجان إدارة الرأي العام: إنتاج المحتوى (على سبيل المثال، المجلات ومقاطع الفيديو القصيرة) الذي يروّج لجهود "الحرس الثوري" ـ "الباسيج" لمكافحة الفيروس.

تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال، ما زال الكثير من الإيرانيين ينتقدون النظام، بما في ذلك "الحرس الثوري". وتشير تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، والمقابلات التي أجريت مع كاتب هذا المقال، إلى جانب أمور أخرى تمت ملاحظتها، إلى أن الحملات المذكورة أعلاه تُعتبر على نطاق واسع مجرد أدوات دعائية لا تؤتِ إلا بنتائج قليلة على أرض الواقع.

وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء مقرات الدفاع البيولوجي والانتشار الواسع لـ "وحدات حرس المحافظات" التابعة لـ "الحرس الثوري" يُعدان إشارتان مقلقتان أخريان إلى عدم أهمية حكومة روحاني وازدياد وتيرة تسييس القضايا الأمنية في الجمهورية الإسلامية [وتبرير اللجوء إلى تدابير استثنائية لمعالجتها]. 

إنّ النفوذ والتغلغل الاجتماعي اللذين يستطيع "الحرس الثوري" تحقيقهما من خلال هذه القيادات المحلية في المحافظات سيعززان ثقله في الصراع النهائي لتحديد خلَف خامنئي. 

وأكثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دميةً يحرّكها "الحرس الثوري". وفي الواقع، قد تستغني القيادة العسكرية حتى عن المنصب بالكامل. 

لذلك، يجب على صناع القرار السياسي مراقبة عن كثب المزيد من التوسع بين "وحدات الحرس الموزعة بين المحافظات"، مع التركيز على الدور البارز الذي قد يؤديه "الحرس الثوري" في إيران بعد رحيل خامنئي.