تلامذة يمنيون خلال امتحانات نهاية المرحلة الثانوية في صنعاء
تلامذة يمنيون خلال امتحانات نهاية المرحلة الثانوية في صنعاء

كوليت بهنا/

تعيش بعض الأسر العربية والعالمية هذه الأيام واحدة من أجمل وأمتع مراحل التوتر وسهر الليالي، وهم يرافقون ويواكبون بناتهم وأبناءهم خلال رحلة التحدي لتقديم امتحانات الشهادات الدراسية العامة في مثل هذه الفترة من السنة، وهي شهادات تعتبر بحسب العديد من المناهج الدراسية العالمية مصيرية، تحدد مستقبل الأبناء ونوع التخصصات العليا التي سيختارونها، أو تفرض عليهم بحسب النتائج، وطبيعة الأعمال التي سيحتلونها لاحقا.

في الوقت ذاته، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام، كثافة في نشر صور تخرج البنات والأبناء من المدارس للصفوف الانتقالية أو الجامعات وحتى رياض الأطفال، تترافق بكثير من الفخر والتفاؤل والابتسامات التي ترتسم على شفاه الأهل والأبناء الناجحين معا، وترسم في الوقت ذاته ملامح سعيدة لذكريات أيامهم القادمة.

إن كنا سنتخيل اختفاء المدراس المرعب هذا، يعني أن ملايين المعلمين والمعلمات سيفقدون وظائفهم

​​في ظل هذا الفرح الغامر لعموم الأسر حول العالم، تقع بالمصادفة على خبر علمي يتحدث عن مستقبل تعليمي ومعرفي مختلف عبر زرع "رقاقة غوغل" أو "دماغ غوغل" التي تعمل بعض الشركات العالمية على تطوير فكرتها وتزرع حاليا في أدمغة المتطوعين لهذه التجربة، وتهدف إلى تطوير الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل هذه الرقاقة على "إرسال واستقبال المعلومات وتساعد الشخص على التعلم ومعرفة كل شيء وكأن محرك غوغل البحثي في رأسه". باختصار، يلمح الخبر بخبث أنه قد لا تكون هناك حاجة للمدارس والجامعات والكتب في المستقبل القريب، وإن كان الأمر يثير الرعب أم البهجة للبشرية؟

المخيلة، التي تعتبر أحد أجمل إبداعات الدماغ البشري وتجلياته، ستبتدئ برسم ملامح سيناريو هذا المستقبل الذي يمكن أن تقود إليه مثل هذه الرقاقة، وأولى معالمه أن كل ما تقدم أعلاه من توتر وقلق جميلين للأهالي وأبنائهم خلال مرحلة تقديم الامتحانات أو صور تخرجهم السعيدة ستختفي، لأنه ـ ربما ـ لن تعود هناك حاجة للمدارس ولا لاستيقاظ الأهالي وأبنائهم والوقوف معهم عند ساعات الصباح الباردة بانتظار باص المدرسة، وستختفي حقيبة المدرسة السحرية التي تنهض الأمهات لتحضيرها ووضع السندويتشات والبسكويت والعصير بداخلها، ولن يعود الأطفال من المدرسة وهم يشتكون لأهاليهم من صعوبة المنهاج، أو يحملون بعض الجراح الصغيرة إثر عراك مع تلميذ آخر تبقى كندب حميمة في ذاكرتهم حتى آخر العمر، وسيتخلص الآباء والأمهات من همّ حياتهم الأكبر الذي يسيطر عليهم حال إنجابهم لطفل، وهو تأمين مصاريف التعليم لفترة لا تقل عن عشرين عاما، وهو همّ يمنح مشاعرهم، رغم كل شقاء تحصيل المال، مشاعر الرضا برحلة الكفاح هذه، وبأنهم أدوا واجبهم بحب، ومنحوا أطفالهم حق التعلم، وتركوهم آمنين يخوضون حياتهم العملية اللاحقة.

إن كنا سنتخيل اختفاء المدراس المرعب هذا، يعني أن ملايين المعلمين والمعلمات سيفقدون وظائفهم ويصيرون عاطلين عن العمل، وسيفتقد الملايين من الطالبات والطلاب التأثير المحوري المزدوج لشخصية المعلم في حياتهم، وهو تأثير لا يمكن لأحد نكران دوره السلبي أو الايجابي في بلورة شخصية الطفل، يدفعه نحو الخيبة والفشل في بعض الأحيان، ونحو النجاح المطلق في كثير من الأحيان، المعلم الذي يصير جزءا رئيسا من ذاكرة الطفل كواحد من الملهمين.

بحسب هذه الرقاقة للذكاء الاصطناعي، ستختفي الكتب بدورها، وإن بدا الأمر يحمل بعض الإيجابية من ناحية حفظ البيئة على المدى الطويل، وهو توجه غير جديد نسبيا إذ حلت القراءة الإلكترونية بديلا عن الورقية، إلا أن فكرة اختفاء الكتب الورقية بشكل مطلق، المدرسية أو الأدبية أو المخطوطات أو غيرها، تعني أن تختفي المكتبات العظيمة، وأن لا تستمتع برؤية ركاب الطائرات والحافلات غارقون في قراءة كتبهم رفيقة الدروب الطويلة، وأن تقفل دور النشر أبوابها، وتختفي معارض الكتب عبر العالم، وأن تختفي البسطات التي تبيع الكتب المستعملة، وأن تختفي المكتبة من بين أثاث المنزل الأجمل، والتي تشكل فخرا لملايين الناس الذين يتبارون أمام أطفالهم وأصدقائهم في استعراض ما تحتويه من نفائس مما أنتجه العقل البشري.

أتذكر في السياق الألم الذي أصاب العديد من السوريين والعراقيين واللبنانيين إثر الحروب التي اجتاحت بلدانهم في السنوات الأخيرة، وهم يتحدثون عن دمار بيوتهم ولا يظهرون اكتراثا كبيرا لما سرق أو احترق من أثاث يمكن تعويضه، بل انحصرت حسرتهم العميقة ووجعهم على مكتبات بيوتهم فقط، وما تحتويه من كتب خُطّت عليها إهداءات من مؤلفيها، أو كتب وفروا ثمنها قرشا بعد قرش.

بحسب هذه الرقاقة للذكاء الاصطناعي، ستختفي الكتب بدورها

​​اختفاء الكتب ومتعة قراءتها، ووضع علامات وخطوط حمراء أو زرقاء على الهامش أو تحت بعض فقراتها، تعني أن العالم سيكون بلا روح، يشبه روبوت ممل يتغذى من رقاقة معدنية إلكترونية تعينه في المعرفة، لكنها لا تمنحه البهجة، وهو شعور سامي انتابني قبل فترة وجيزة وأنا أشتري من معرض أربيل الدولي للكتاب رواية تحمل عنوان "امتلاك سر البهجة" للروائية الأميركية أليس ووكر، حيث لم يكن العنوان أو اسم الكاتبة المبدعة المحرضان لشراء هذ الرواية فقط، بل متعة شراء وتلمس كتاب طازج بين يديك من حين إلى آخر، وسرقة ساعات من وقت النوم لقراءته، وما تمنحه هذه التفاصيل الصغيرة من مسرّة، لا يشعر بها إلا عشاق القراءة الورقية.

تجليات العلم الحديث ومخيلته وآفاقه جميلة في المطلق، بل ونبيلة في مقصدها، لكنها في بعض جوانبها تبدو مرعبة، إذ أن ما طرحته سابقا تحقق في كثير من جوانبه، وأن ما تطرحه اليوم قد يتحقق بدوره في الأيام المقبلة، وهنا يكمن رعبها الأكبر الذي لا نتمناه في زمننا، نحن المشاركون المحظوظون حتى اللحظة، بامتلاك أسرار بهجة معاناة الدراسة والقراءة والتعليم والتحصيل المعرفي التقليدي قبل أن نتحول إلى رقاقة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الموت ولا المذلة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟