طائرة مسيرة أميركية من طراز إم.كيو-4سي ترايتن
طائرة مسيرة أميركية من طراز إم.كيو-4سي ترايتن

عريب الرنتاوي/

السابعة صباحا، الخميس في العشرين من حزيران/يونيو 2019، كان يمكن لهذا "التوقيت"، أن يصبح "لحظة الصفر" في حرب خليجية رابعة... السفن الحربية الأميركية تتخذ هالة التأهب، والطائرات القاذفة والمقاتلة تُلقم صواريخها الموجّهة بدقة ضد أهداف لها في العمق الإيراني، قبل أن يصدر "الأمر الرئاسي الأخير" بوقف العملية أو تأجيلها.

أيا تكن تفاصيل ما جرى في ربع الساعة الأخير في أروقة البيت الأبيض، وبصرف النظر عن الدوافع والأسباب التي حدت بالرئيس الأميركي إلى إطفاء محركات طائراته الحربية وقاذفات الصواريخ الاستراتيجية... الأزمة تخطت "حافة الهاوية" وبدأت الانزلاق إلى قعرها، وكان يمكن لهذه المقالة أن تصبح "ليست ذات صلة"، فيما الحرب تشرع في أكل الأخضر واليابس في الإقليم برمته.

إيران اختارت طريق دفع الأزمة إلى حافة الانفجار

​​تفتح المواجهة الأخيرة بين طهران وواشنطن الباب رحبا للتفكير في خيارات و"تفضيلات" كلا من العدوين اللدودين... بات من الواضح تماما أن واشنطن لا تريد الحرب وتعمل على تفاديها، مثلما بات مؤكدا وبصورة أكثر دقة ووضوحا، أن "الستاتيكو" ليس خيارا لإيران، وأن طهران ماضية في "اختبار صبر الولايات المتحدة"، بعد أن نفذ "صبرها الاستراتيجي" أو يكاد ينفذ على ما يبدو، وكما ألمح لذلك، غير مسؤول إيراني في الأيام الفائتة.

خيارات طهران

بين الموت "خنقا" أو "جوعا"، جراء العقوبات الصارمة غير المسبوقة المفروضة عليها من واشنطن، يبدو أن إيران اختارت طريقا آخرا: دفع الأزمة إلى حافة الانفجار، وإبداء الاستعداد لدفع "الأثمان دفعة واحدة" بدل دفعها بـ"التقسيط"... إيران لا تريد الحرب الشاملة، وربما تراهن بقوة على أن واشنطن لا تريدها كذلك، بيد أنه بات واضحا أن إيران لم تسقط من حساباتها خيارا كهذا، طالما أن البدائل القليلة المتبقية لها هي المفاضلة ما بين "الموت جوعا" أو "الموت خنقا".

ثلاثة مسارات تعتمدها إيران في استراتيجيتها الجديدة في المرحلة الممتدة من انسحاب واشنطن الأحادي الجانب من الاتفاق النووي، وعجز الشركاء الدوليين عن توفير بدائل تعوض إيران عن العقوبات الأميركية، وارتفاع وتائر التهديدات العسكرية الأميركية وزيادة الحشود العسكرية على أطراف الخليج وبحر عمان على مقربة من العمق الإيراني:

الأول: تهديد حرية الملاحة البحرية، أو ما بات يُعرف باسم "حرب الناقلات" المحفوفة بالألغاز والالتباسات، بدأت الحكاية في ميناء الفجيرة الإماراتي، بعيدا عن المياه الإقليمية الإيرانية حين تعرضت أربع ناقلات لاعتداء بالألغام البحرية، تطورت العملية باستهداف ناقلتين أخريين، هذه المرة، ليس بعيدا عن المياه الإقليمية الإيرانية.

رسائل إيران واضحة: إن كان إغلاق مضيق هرمز هو الخيار الأخير، أو "خيار شمشون" الانتحاري لإيران، فإن عرقلة الملاحة جزئيا بدل تعطيلها كليا، يبدو خيارا ممكنا، وهو خيار جُرّب في حرب الخليج الأولى، وأفضى إلى ارتفاعات مجنونة في أسعار النفط وكلف نقله وتأمينه، وهو أمر يفيد إيران ويزعج ترامب وحملته الرئاسية.

الثاني: "حرب الأشباح"، توازيا مع "حرب الناقلات"، هنا يمكن العودة إلى ما شهده العراق على نحو خاص من عمليات تعرض لمصالح أميركية: صواريخ تسقط على مقربة من السفارة الأميركية في بغداد، وأخرى على مقربة من "إيكسون موبيل" في البصرة... وغير بعيد عن العراق، تتساقط صواريخ الحوثي على أهداف استراتيجية في العمق السعودي: منشآت أرامكو مطارات أبها وجيزان ونجران وغيرها، وتتصاعد وتيرة التهديدات الحوثية لتطال العمقين السعودي والإماراتي، فيما صواريخ حركة الجهاد الإسلامي تنطلق من غزة، لتطال تل أبيب و"ما بعد تل أبيب"، ويتظّهر دور هذه الحركة الأكثر قربا من إيران، وأحيانا على حساب الحركة الممسكة بالسلطة والأرض والقرار في القطاع: حركة حماس... ويعلن زعيم حزب الله، أن الحرب على إيران إن اندلعت فلن تبقى في حدودها، وستطاول الإقليم برمته، مرددا بذلك ما صدر عن طهران من تهديدات وتحذيرات ذهبت في الاتجاه ذاته... ودائما بالتوازي مع استهداف الناقلات وتصاعد حدة التوتر بين واشنطن وطهران...

إيران لم تعد تجد ما يبرر تمسكها بالاتفاق النووي

​​رسائل إيران في هذا المضمار، شديدة الوضوح: لن يتمتع الشرق الأوسط بالسلام والاستقرار إن لم تتمتع بهما إيران، والدول المشاطئة للخليج لن تتمكن من تصدير نفطها بحرية وسلاسة إن لم تتمكن إيران من تصدير نفطها.

الثالث: الانسحاب المتدرج من التزامات الاتفاق النووي، وفي هذا السياق قطعت طهران الشك باليقين، وأكدت أن انقضاء مهلة الستين يوما الممنوحة لأوروبا من دون تتخذ القارة العجوز ما يكفي الإجراءات لتفكيك أطواق العزلة عن إيران وتعويضها عن الكلف الباهظة للعقوبات الأميركية، فإنها ستسرع برامج التخصيب، وستزيد من مخزونها من اليورانيوم المخصب، وسترفع مستويات التخصيب وتزيد في أعداد أجهزة الطرد المركزي... إيران لم تعد تجد ما يبرر تمسكها بالاتفاق، إن أخفقت الدول الموقعة عليه في تمكينها من جني ثماره.

كل ذلك يشير إلى أمرين اثنين: إيران ما زالت تفضل عدم الانزلاق في أتون حرب شاملة مع الولايات المتحدة، بيد أنها تفضل (أكثر) الخروج من شرنقة "الستاتيكو"... لأنه في ظل هذا الحصار الخانق والعقوبات المدمرة، ليس خيارا لإيران... وبين هذين الحدين تتحرك السياسة والعسكرية الإيرانية، مباشرة ومن خلال الوكلاء والحلفاء... هي لعبة شديدة التعقيد ومحفوفة بشتى المخاطر، بيد أنها تبدو الخيار الأفضل، إن لم نقل الأوحد المتبقي لإيران في هذه المرحلة.

خيارات واشنطن

لم تترك إدارة ترامب مناسبة لتمر من دون التأكيد أنها لا تريد حربا مع إيران ولا تسعى في تغيير نظامها... لكن هذه التأكيدات جميعها لم تقنع الإيرانيين وكثير من الأطراف في المنطقة، بصدقية وجدية النوايا الأميركية، وثمة عدة أسباب لفشل واشنطن في إقناع العالم بما تقول، منها:

(1) التصريحات (التغريدات) المتضاربة عن الرئيس ترامب نفسه، وعن الرئيس ترامب نفسه من جهة وأركان إدارته من جهة ثانية والتي خلقت حالة من الارتباك في فهم النوايا والأهداف الأميركية...

(2) ثقل نظام العقوبات المفروض على طهران، والذي يشتد يوما بعد آخر، ومن دون إخفاء حقيقة أن هدف هذه العقوبات هو "خنق إيران" وجلبها إلى مائدة المفاوضات "جاثمة على ركبتيها"، فيما يشبه "إعلانا للحرب على إيران"...

(3) شروط مايك بومبيو الاثني عشرة التي طرحها لرفع العقوبات والدخول في حوار مع إيران، والتي إن عنت شيئا، فإنما تعني أنه يتعين على إيران رفع الراية البيضاء والاستسلام التام أمام الولايات المتحدة من دون حرب أو قتال، واستتباعا "سقوط النظام بدل إسقاطه"، وهي خلاصة لم تأخذ القيادة الإيرانية وقتا طويلا للوصول إليها.

واشنطن لا تريد حربا، وإدارتها على قناعة بأن خطواتها العقابية لإيران ستجبرها على الرضوخ والتفاوض من موقع ضعيف... إيران لم تترك وسيلة بدورها إلا واعتمدتها للتأكيد على رفضها لهذا الخيار... ومن الواضح تماما أنها قررت الدخول في لعبة "عض أصابع" و"اختبار نوايا" مهما كانت مكلفة.

واشنطن تراهن على "الوساطات" الدولية والإقليمية النشطة، لإقناع طهران بالجلوس إلى مائدة مفاوضات للوصول إلى اتفاق بشروط جديدة... طهران بدورها فتحت أبوابها أمام هؤلاء الوسطاء، بيد أنها تسعى في شراء الوقت، بانتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية على أمل أن تنتهي بخروج دونالد ترامب ومن تسميهم "معسكر الصقور" من البيت الأبيض.. فجوة الثقة العميقة بين الجانبين لا تجعل مهمة الوسطاء سهلة أبدا.

واشنطن لا تريد حربا، وإدارتها على قناعة بأن خطواتها العقابية لإيران ستجبرها على الرضوخ والتفاوض من موقع ضعيف

​​لن تخضع طهران لشروط واشنطن (الاثني عشر) المسبقة، ولن يقبل دونالد ترامب بالعودة إلى الاتفاق النووي المبرم قبل الدخول في مفاوضات كما تشترط طهران... لكن الدبلوماسية النشطة والذكية لن تعدم وسيلة في تدوير الزوايا الحادة في مواقف الأطراف، ما لم يسبق السيف العدل، ويسبق الخيار العسكري خيارات الدبلوماسية...

الأزمة الأخيرة التي بدأت بإسقاط "الدرون" الأميركية بصواريخ الحرس الثوري، ربما تزيد في حركة القطع الحربية وحشد القوات والأساطيل، وقد تكون بداية حرب جديدة، وربما تكون (وقد يكون هذا الاحتمال مرجحا) بوابة للبحث عن حلول سياسية وسببا لتنشيط حركة الوسطاء ووسيلة لإعطاء زخم جديد للدبلوماسية.

اقرأ للكاتب أيضا: عن الأزهر والنساء وحكاية 'فرشاة الأسنان'

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…

"في 20 مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل نايتس، حمدي مالك، وأيمن جواد التميمي، مؤلفي الدراسة الأخيرة "التكريم من دون الاحتواء: مستقبل "الحشد الشعبي" في العراق". ونايتس هو زميل أقدم في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. ومالك هو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقره في لندن حيث يعمل في "آي. آي. تي. في." (IITV). والتميمي هو محلل مستقل ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من "جامعة سوانزي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل نايتس

استمد عنوان التقرير "التكريم من دون الاحتواء" من محادثة مع مسؤول عراقي في بغداد، الذي قال بأنه يجب "تكريم واحتواء" "قوات الحشد الشعبي" في البلاد. وحتى الآن، لم يتم تحقيق سوى الجزء الأول من هذه الصيغة. وأفضل طريقة لتحقيق الجزء الثاني هي من خلال الإصلاح النشوئي لقطاع الأمن، مع الإقرار بأن احتواء "قوات الحشد الشعبي" يُشكل على المدى القريب هدفا أكثر عملية من تسريحه ونزع سلاحه وإعادة دمجه.

وأحد أكبر التحديات التي يطرحها "الحشد الشعبي" هي القيادة والتحكم. فقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ العمليات دون علم الحكومة. ففي أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون ووحدات رئيسية من "الحشد الشعبي" في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم بصورة غير قانونية. وشن بعض عناصر "الحشد" أيضا هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة (مثل السعودية) واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق، ولكنها نفت جميعها ضلوعها في أي من تلك العمليات. وأدّت هذه الهجمات في النهاية إلى شن الضربة الأميركية التي أودت بحياة قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير.

يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قامت الحكومة الجديدة التي شكّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باستعراض مبكر لعزمها من خلال مداهمة ميليشيا في البصرة كانت تستهدف المتظاهرين. وتعهّد الكاظمي أيضا بإيجاد السجون الخاصة التي اعتُقل فيها بعض المتظاهرين والتحقيق في مقتل البعض الآخر. ولكن يجدر بالمراقبين الخارجيين توقّع أن يكون مثل هذا التقدم تدريجيا، بما أنه لا يزال على الكاظمي مواجهة تجدد تنظيم "الدولة السلامية" ووباء "كوفيد 19" والتعامل مع انهيار اقتصادي ساحق.

وفي النهاية، سيكون تسريح "قوات الحشد الشعبي" صعبا جدا نظرا لوجودها العسكري والسياسي الكبير في العراق. ومع ذلك، هناك مجال للإصلاح، وسبق أن أظهر العراقيون إجماعا كبيرا حول العديد من القضايا ذات الصلة. أما خارطة الطريق للإصلاح فتتألف من ثلاث مراحل حاسمة. أولا، يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعها لقيادة وتحكم السلطات الوطنية. ثانيا، إن "الحشد الشعبي" بحاجة إلى أدوار ومهام محددة، وهذا أمر يمكن تحقيقه في إطار مراجعة للدفاع الوطني بالتعاون مع الجهات المانحة الأجنبية. والمرحلة الثالثة هي أبعد من ذلك: عملية إعادة انتشار تدريجية تعود فيها قوات الميليشيات من الميدان للخضوع لتدريب يحوّلها إلى قوة محترفة.

حمدي مالك

إن "ألوية العتبات" في العراق هي تنظيمات شبه عسكرية مرتبطة بالمقامات الشيعية، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع: "لواء أنصار المرجعية" و"لواء علي الأكبر" و"فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية". ولا علاقة لهذه الوحدات بـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بل هي تابعة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الذي تعتبره مصدر محاكاة لها.

وتضم وحدات "العتبات" بالإجمال نحو 18,000 جندي في الخدمة الفعلية وعشرات الآلاف في صفوف الاحتياط. وتُعتبر "فرقة العباس" الأكثر قدرة عسكريا بين التنظيمات الأربعة، وتتمتع بإمكانيات هجومية يعززها التدريب اللوجستي وتعاونها في مجال الدعم الناري مع وزارة الدفاع العراقية.

وهناك العديد من الخصائص التي تميّز "العتبات" عن الوحدات الموالية لإيران والخاضعة لهيمنة "الحرس الثوري" داخل "الحشد الشعبي". أولا، لا تعمل "العتبات" إلا مع المؤسسات الوطنية العراقية ويُحظر عليها الارتباط بقادة "الحرس الثوري" أو شخصيات عسكرية أجنبية أخرى. 

ثانيا، تبقى هذه الألوية خارج العملية السياسية، في حين ذهبت التنظيمات الموالية لإيران إلى حد تشكيل أحزاب سياسية خاصة بها. 

ثالثا، لا تَعتبِر وحدات "العتبات" بأن الولايات المتحدة عدوة لها. وعلى الرغم من أنها أدانت الإجراءات الأميركية من حين لآخر (على سبيل المثال، قصف موقع بناء في "مطار كربلاء الدولي" في مارس)، إلا أنها تتجنب بشكل عام التعبير عن مشاعر معادية للولايات المتحدة أو التصرف بناءً على تلك الآراء. 

أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى

رابعا، لم يتم اتهام "العتبات" بانتهاك حقوق الإنسان. وفي الواقع، إنها غير مهتمة بالتواجد داخل المناطق العربية السنية التي وقعت فيها العديد من هذه الانتهاكات، في حين أن المناطق الرئيسية التي تهتم بها هي المدن الشيعية المقدسة، كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار. ولم يتم اتهام العتبات بالابتزاز أيضا، بخلاف الكثير من جماعات "الحشد الشعبي" التي تستخدم مثل هذه التكتيكات للحفاظ على وجودها، وبالتالي تُفاقم المظالم بين السكان السنة.

والواقع أن هذه الاختلافات تضع "العتبات" والميليشيات الموالية لإيران على طرفَي نقيض. فحتى قبل مقتل المهندس في يناير، سعت "وحدات الأضرحة" ("ألوية العتبات") إلى إقالته من قيادة "الحشد الشعبي"، وأظهرت بعد وفاته معارضة شديدة لخلفه الذي طُرح اسمه من قبل ميليشيا "كتائب حزب الله" التي ينتمي إليها، والتي حاولت تعيين القيادي الموالي لإيران أبو فدك رئيسا جديدا للعمليات في "قوات الحشد الشعبي". 

وفي النهاية، انسحبت "العتبات" من "هيئة الحشد الشعبي" برمّتها وتعهدت بمساعدة الجماعات الأخرى على الانشقاق عنها.

وقد تسبّب انسحابها، من بين عواقب أخرى، بالمساس بالشرعية الدينية التي تتمتع بها التنظيمات الموالية لإيران. إذ تشكّل "العتبات" سابقة للمتطوعين شبه العسكريين الذين يعملون بموافقة آية الله السيستاني. وحين انشقّت عن "الحشد"، رأى كثيرون في ذلك أنها طريقة السيستاني للبدء بسحب تأييده لـ "قوات الحشد الشعبي". وردا على ذلك، التقى هادي العامري وأحمد الأسدي وشخصيات رفيعة أخرى من التنظيمات الموالية لإيران بممثلين عن السيستاني في كربلاء، في محاولة لإقناع "العتبات" بالعودة إلى جناحها.

وعلى النطاق الأوسع، تشكل "وحدات الأضرحة" نموذجا يمكن الاقتداء به لتحسين "الحشد الشعبي". وبصرف النظر عن معارضتها للهيمنة الإيرانية، أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى.

أيمن جواد التميمي

تملك العديد من فصائل "الحشد الشعبي" ـ ومنها التنظيمان الرئيسيان "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" ـ هوية مزدوجة كجماعات "مقاومة" معادية للولايات المتحدة وكألوية مسجلة في المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية. 

وفي دورها الأول، لم تتوانَ عن شجب الوجود الأميركي الذي تصفه بالاحتلال وتوجيه التهديدات. ومع ذلك، فإن دورها الثاني ككتائب رسمية تابعة لـ "الحشد الشعبي"، يجعل من الخطر عليها شن هجمات علنية ضد أهداف أميركية. ومن ناحية علاقتها بإيران، فقد تبّنت أهدافا معينة تتماشى مع مصالح طهران (على سبيل المثال، الحفاظ على وجود "قوات الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا)، ولكنها لا تخضع لإدارة دقيقة من قبل "الحرس الثوري".

لقد ظلَّ موقف فصائل "المقاومة" هذه دون تغيير إلى حد كبير منذ مقتل سليماني والمهندس. وخفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة. 

خفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة

ومع ذلك، لا تزال التنظيمات تحرّض ضد الوجود الأميركي وتصدر التهديدات، على الرغم من أن دورها الأخير في الهجمات الفعلية لا يزال غير مؤكد. ويبدو أن بعض ألوية "الحشد" تعتقد أنها لا تستطيع استهداف الوجود الأميركي بشكل مباشر لأنها جزء من مؤسسة حكومية عراقية. وتبنّت كيانات جديدة مختلفة الضربات التي وقعت هذا العام (على سبيل المثال، "عصبة الثائرين")، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه عناصر منشقة حقيقية أم مجرد فصائل مقاومة تابعة لـ "الحشد" وتعمل تحت اسم مختلف للتمكن من إنكار دورها بشكل معقول.

فضلا عن ذلك، عارضت بعض فصائل المقاومة بشدة تعيين الكاظمي واتهمته بالتواطؤ في مقتل سليماني والمهندس. وبعد أن أصبح الكاظمي رئيسا للوزراء، تحرّك ضد جماعة "ثأر الله" في البصرة بسبب ضلوعها في قتل المتظاهرين وإصابتهم. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحرك المنفرد على أنه خطوة أوسع ضد "الحشد الشعبي" أو فصائل "المقاومة". وأحد أسباب ذلك هو أن "ثأر الله" هي مجرد تنظيم صغير بالمقارنة مع "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". 

بالإضافة إلى ذلك، تفاخر "الحشد الشعبي" بزيارة الكاظمي الأخيرة إلى مقره، حتى أنه منحه بزّة نظامية خاصة بـ "الحشد" لارتدائها. ويبدو من غير المحتمل أن يتمكّن رئيس الوزراء من إعطاء الأمر بمداهمة فصائل "المقاومة" الأكبر حجما، أو اتخاذ إجراءات مماثلة ضدها، لأنه ملزم باحترام مؤسسة "الحشد الشعبي" بصفة عامة.

أعدت هذا الملخص حنا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".
المصدر: منتدى فكرة

The Future of Iraq's Popular Mobilization Forces

Posted by The Washington Institute for Near East Policy on Wednesday, May 20, 2020