مشهد من مسلسل "تشيىنوبيل" (HBO)
مشهد من مسلسل "تشيىنوبيل" (HBO) | Source: Courtesy Image

لم يكن "ك" يدرك أن فرحته بالمنحة الدراسية لدراسة السينما في الاتحاد السوفييتي ستنتهي بمأساة. ليس ثمة علاقة بين "ك" السوري وبطل فرانز كافكا، وإن اشتركا في مصير عبثي متشابه. كان "ك" السوري طالبا في دورة مسرحية أقمتها لفرقة ناشئة، وكانت هواياته تتراوح بين الموسيقى والتصوير ورياضة الكاراتيه، وشخصيته سمتها الاتزان والرزانة.

جاءني "ك" مودعا في أوائل ثمانينيات القرن العشرين سائلا إياي النصيحة عما يجدر أن يتخصص به. نصحته يومها أن يتجنب الإخراج، لأن عددا من المخرجين السينمائيين عاد لينتظر فرصته سنوات عديدة، وكثيرا ما صنع واحدهم فيلما كبيضة الديك. قلت له إن الأجدى أن يتجه للتصوير السينمائي، لأنه اختصاص سيجعله لا يهدأ عن العمل في فيلم بعد آخر.

سافر الشاب بعدها، واستطعت تتبع أخباره عن طريق أصدقاء مشتركين، فعلمت أنه نجح في دراسة التصوير السينمائي في مدينة "مينسك"، وأنه يقطن في دار الطلبة بجامعتها.

مسلسل مؤلم وجارح، مقنع ومثير، مسلسل يعري نموذج نظام شمولي

​​بتاريخ 26 نيسان/أبريل 1986 راعني سماع نبأ انفجار مفاعل تشيرنوبيل رقم 4 في بريبايات المتاخمة لمدينة مينسك. سارعت للاطمئنان على "ك" وزوجته، فجاءني الجواب في البداية أنهما بخير، لكن ما أن انقضى زمن حتى صدمني خبر مفجع. ذات ليلة، خلال سهرة في دار الطلبة، اتجه "ك" إلى نافذة في الطابق العاشر وألقى بنفسه منها ليسقط ميتا في الحال.

دفعني فضولي لأن أحاول جاهدا الاستفسار عن سبب انتحار شاب هادئ، متزن، واعٍ وصل للمرحلة النهائية من دراسته، ولا تتسم شخصيته بأنها عصابية أو مأزومة. لم أجد إجابة منطقية عن سؤالي. كان هناك سبب غامض دفع "ك" إلى الانتحار فجأة وهو في أوج مسيرة بناء مستقبله. يومئذ، همست لي صديقة تكبرني عمرا كانت تعرف "ك" أكثر مني قائلة: "أعتقد أنه أحد ضحايا تشيرنوبيل".

من المحتمل أن يكون استنتاج تلك الصديقة شطحة من شطحات الخيال لعدم وجود دليل ثابت، لكنني عقب مشاهدتي حلقات المسلسل التلفزيوني "تشيرنوبيل" (2019) من إنتاج HBO، والذي نال تقييما عاليا جدا بلغ 9.6، أعترف أن تلك الحادثة عادت تلح على ذاكرتي بقوة. 

مسلسل مؤلم وجارح، مقنع ومثير، مسلسل يعري نموذج نظام شمولي ينكر أخطاءه كافة، يعزوها لخطأ بشري وليس لعطل تقن، لأنه يزعم الكمال في كل شيء، ولا يسمح لأي فرد أن ينطق بالتشكيك وإلا فإنه سيلقى في زنزانة لا ترى الشمس.

ذكرتني أحداث المسلسل بكتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة" الذي حلل فيه المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم سلوك "الفهلوة" الناجم عن الرغبة في إرضاء المسؤول الأعلى عبر الادعاء الكاذب بأن الأوضاع المتردية ممتازة، وأنه لا يوجد أي خلل أو إهمال.

كما ذكرني موضوعه وأجواؤه أيضا برواية جورج أورويل "1984"، عن النظام الشمولي الذي يقمع حرية التعبير لدى المواطنين، ويجعلهم أرقاما خاضعة للمراقبة والتنصت والاستجواب تعيش وسط فقر مدقع دون أن يجرؤ أحد على الإفصاح عن احتجاجه خشية تعرضه لعقاب استبدادي دون رحمة.

يحيون ذكرى ضحايا انفجاى تشيرنوبيل

​​الأمر المفزع الذي عكسه المسلسل ليس ما انتهت إليه تاريخيا كارثة تشيرنوبيل على أرض الواقع، حيث تفاوت تقدير عدد الضحايا بين 4000 و200.000 نسمة، في حين هاجر 300.000 مواطن من أراضيهم. الأرهب من ذلك بمئات الأضعاف هو ما كان يمكن أن يحدث، ألا وهو مصرع 60 مليون نسمة من سكان بيلاروسيا وأوكرانيا، فضلا عن سكان أجزاء من بولندا وألمانيا الديمقراطية وسواها، وتحول دول بحالها إلى أرض غير قابلة للحياة، وتزايد السرطانات لعدة أجيال قادمة، وفناء كثير من الأطفال أو ولادتهم مشوهين.

ليس هذا كل شيء وحسب، بل إن نحو عشرين مفاعلا روسيا كانت عرضة لكارثة مشابهة بسبب حالة الإنكار لوجود عطل تقني، والدعاية الإعلامية التي سعت جاهدة لأن تنزه نظاما يهيمن عليه حزب واحد من أي خلل أو تقصير. نقل على لسان الرئيس غورباتشوف ما مفاده: ربما كانت حادثة تشيرنوبيل السبب وراء انهيار الاتحاد السوفييتي.

كان يمكن لنتائج كارثة تشيرنوبيل أن تتضاعف مرات عديدة لولا تدارك الأمر بما يشبه المعجزة من خلال المواقف الأخلاقية لقلة من العلماء والضباط، وبفضل تضحية مئات من رجال الإطفاء وعمال المناجم والطيارين الشجعان الذين خاطروا بحياتهم من أجل إنقاذ أرواح الملايين.

حرص مسلسل "تشيرنوبيل" على تأكيد مقولة بالغة الأهمية، وهي ضرورة قول الحقيقة. ابتدع المسلسل لهذا الغرض الشخصية الوحيدة غير الموجودة تاريخيا، وهي شخصية لودميلا كوميوك، التي مثلت جميع العلماء الذين أسهموا في درء خطر الكارثة وتكرار وقوعها. جعل السيناريو البارع تلك المرأة الاستثنائية تحرض العالم ليغاسوف على المجاهرة بالحقيقة، لأن تشخيص الداء هو الطريقة الوحيدة لإيجاد الدواء.

سبق أن أنتج عن كارثة تشيرنوبيل عدة أفلام، أغلبها تسجيلي مقنع للعقل، وقليلها درامي مخيب للأمل، لكن مسلسل "تشيرنوبيل" (2019) حظي بضجة سياسية غير مسبوقة، فضلا عن تفوقه الفني.

يفتتح مسلسل "تشيرنوبيل" بالعالم ليغاسوف وهو يحاول إخفاء مجموعة أشرطة كاسيت سجل عليها شهادته حول حقيقة ما جرى في تشيرنوبيل بعيدا عن أعين عناصر KGB التي ترصد حركاته وسكناته. ونظرا لكونه موقنا بأن لا نجاة له من عذابات مرض السرطان الذي ينهش جسده، يشنق ليغاسوف نفسه. لا يلبث المسلسل أن ينتقل بنا عبر مراحل موثقة باليوم والساعة والدقيقة لرواية تفاصيل تشيرنوبيل، وكيف كاد سوء معالجة الكارثة أن يؤدي إلى أفظع ما عرفته البشرية على الإطلاق.

منع مسلسل "تشيرنوبيل" من العرض في روسيا الاتحادية

​​رغم أن غالبية ممثلي مسلسل "تشيرنوبيل" بريطانيون يتحدثون الإنكليزية، فإن خلفيات المشاهد من أصوات مسجلة وشعارات جاءت باللغة الروسية سعيا لتحقيق إقناع أكبر بمصداقية الأجواء، كما أضفت التأثيرات الصوتية والموسيقية تأثيرا غير عادي أوحى بأصوات مفاعل نووي ينذر بالانفجار. تصدر طاقم ممثلي المسلسل كل من الممثل الشهير ستيلان سكارسغارد، جاريد هاريس، إيميلي واتسون وجيسي باكلي.

جدير بالذكر، تضمن المسلسل توازنا دراميا ذكيا. هناك ضابط مغرور وعنيد، وهناك ضابط يتفتح وعيه وضميره. هناك عالم باع روحه للشيطان واحترف الكذب الدعائي، وهناك عالم آخر نذر نفسه لقول الحقيقة مهما كانت جارحة. هناك ممرضة لا تسمح لصبية حامل برؤية زوجها المصاب بالإشعاع إلا برشوة، وهناك ممرضة ترفض تقاضي أي أجر لقاء خدمتها الإنسانية. هناك مسؤول من ينفذ أوامر الحزب الحاكم بشكل أعمى، وهناك مسؤول يناقش تلك الأوامر من أجل التوصل إلى قرار حكيم. أضفى هذا التنوع في رسم الشخصيات ثراء دراميا، خاصة خلال مشاهد عمال المناجم البطولية حين يخلعون ثيابهم بالكامل من الحر وهم يحفرون نفقا لدرء تفاقم الكارثة، ومشاهد المرأة الحامل المصممة على توديع زوجها الملوث بالإشعاع وهو في ساعاته الأخيرة حتى ولو تسبب ذلك بوفاتها مع جنينها، ومشاهد قتل جميع الحيوانات الأليفة من كلاب وقطط وأبقار في مساحات ريفية شاسعة وإجبار السكان على الهجرة.

ترى، هل يمثل السيناريو الذي صاغه الكاتب الأميركي كريغ مازين الحقيقة الموضوعية؟ وهل يطابق الإخراج الذي قدمه المخرج السويدي جوهان رينك الواقع الفعلي؟ لم يسع المسلسل لإدانة غورباتشوف، صاحب نظرية البيريسترويكا (إعادة الهيكلة) والغلاسنوست (الانفتاح والشفافية)، بل حاول إنصافه.

عشرون مفاعلا روسيا كانت عرضة لكارثة مشابهة بسبب حالة الإنكار لوجود عطل تقني

​​رغم ذلك، منع مسلسل "تشيرنوبيل" من العرض في روسيا الاتحادية، وتعرض لهجمة إعلامية شرسة زعمت أنه "مسيس" ودحضت وجهة نظره في عرض الأحداث. هكذا، بالرغم من الاعتراف الروسي بحجم الكارثة آنذاك، وبالرغم من إصلاح العطل التقني في باقي المفاعلات، بلغت ردة الفعل العنيفة ضد مسلسل "تشيرنوبيل" اليوم إلى حد إعلان الروس أنهم بصدد إنتاج سينمائي لما أسموه "نسخة وطنية" عن حادثة تشيرنوبيل انطلاقا من تبنيهم "نظرية المؤامرة"، متهمين المخابرات المركزية الأميركية بالضلوع بزرع قنبلة أدت إلى كارثة تشيرنوبيل!

لا أملك برهانا على أن "ك"، الذي ذهب ليدرس السينما في مينسك، انتحر ليتخلص من عذابات حياة ميؤوس منها بسبب تعرضه للإشعاع النووي. لكن من يشاهد الحلقات الخمس لمسلسل "تشيرنوبيل" سيؤمن أن معاناة مئات الشخصيات فيه تبرر احتمال إقدامهم على إنهاء حياتهم للتخلص من الآثار الفظيعة الناجمة عن تلك الكارثة.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.