الناشطة التونسية أمينة السبوعي ونائب ئريس جمعية شمس أحمد بن عمر
الناشطة التونسية أمينة السبوعي ونائب ئريس جمعية شمس أحمد بن عمر

نضال منصور/

هل بدأ الشباب العربي يدير ظهره للدين؟ هذا هو العنوان الذي اختارته "بي بي سي" في عرضها لاستطلاع رأي مثير وهام أجرته شبكة البارومتر العربي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أكثر من قضية إشكالية فحصها وناقشها هذا الاستطلاع وحاول أن يستكشف الموقف العربي منها دون أن يسعى إلى قراءة الدلالات أو تقديم تفسير لها.

من المؤكد أن استطلاعات الرأي مفيدة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية، ويبقى من الضرورة أن تُقرأ في سياق حرية المجتمع في التعبير عن مواقفه دون خوف من ملاحقة السلطة، خاصة إن كانت الأسئلة ترتبط بقضايا إشكالية مثل تقييم السلطة الحاكمة، أو "التابوهات" المحرمة كالدين والجنس.

الإبحار في العقل العربي يبدو ممتعا لأن الرحلة لا تخلو من التقلبات، والمد والجزر، والمسير مع التيار أحيانا وعكسه أحيانا أخرى، وهي مهمة شاقة وعسيرة، لأن البوصلة في الغالب مضطربة تعكس حالة الرياح العاتية التي تعصف بهذا العالم وناسه.

استخدام الدين واستدعائه للتعبير عن الذات ومواجهة المتغيرات الاجتماعية وعند الشعور بأزمة الهوية أمر شائع

​​هذا الاستطلاع تحديدا محير والتسليم بكل نتائجه باعتبارها حقائق صعب، ولكنها دالة على تحولات مجتمعية تحت الرماد، وأول الأسئلة الشائكة تراجع ظاهرة "التدين" في العالم العربي.

الاستطلاع الأول الذي اعتمدت المقارنة معه كان في عام 2013، والاستطلاع الحالي أجري في نهاية العام الماضي 2018 وأول الأشهر من هذا العام، ويقر أن نسبة الذين يصنفون أنفسهم بأنهم غير متدينين ارتفعت من 8 بالمئة الى نحو 13 بالمئة، هذه المواقف كانت معلنة وواضحة في تونس، حيث اعتبر ثلث التونسيين أنفسهم غير متدينين، وربع الليبيين يُعرفون أنفسهم هكذا، وتضاعف الرقم في مصر، وتزايد أربع مرات في المغرب.

كيف نقرأ هذا المؤشر؟ وهل يخرج العالم العربي من عباءة التدين؟

في السياق السياسي يجب أن ندرك مفاعيل ما بعد الربيع العربي، وانهيار تجربة الإسلاميين في مصر والانقضاض عليها، وتداعيات كل هذا على المسرح السياسي العربي، وأبعد من ذلك تكشُّف واستظهار أن الدولة الدينية لا تقدم حلولا اقتصادية، وتعيد إنتاج ذات الأزمات مثلما حدث في تونس في سنوات حكم "حزب النهضة" بتحالفاته، لكن رغم ذلك أعتقد أن سياق المواقف والإجابات ملتبس، ولا يعبر عن سياق ما يحدث على أرض الواقع في بعض الدول العربية!

أتفهم أن تونس دولة يترسخ فيها اتجاهات مدنية فاعلة تريد فصل الدين عن الدولة، غير أنني لا أفهم كيف يتزايد من يرون أنفسهم غير متدينين في ليبيا، والبلد تنخره الصراعات الدينية والقبلية وتسيطر عليه ميليشيات كثير منها تحمل يافطات دينية، أما الحال في مصر، فالتفسير يُقرأ في سياق التماهي مع خط الدولة وصراعها العلني مع "الإخوان المسلمين" والتيارات الدينية.

الشباب العربي يقبل المرأة رئيسة للجمهورية ويرفض أن يكون لها القول الفصل في البيت

​​رغم هذه الإجابات المثيرة في الاستطلاع، فإن استخدام الدين في العالم العربي للتعبير عن الذات ما زال أمرا شائعا، واستدعاء الدين في مواجهة المتغيرات الاجتماعية يحضر بقوة، ويلجأ العديد من الشباب الذين لا تتسم ممارستهم لحياتهم اليومية بالتدين إلى التشبث بالهوية الدينية كلما شعروا بأزمة الهوية، وربما الإشارة إلى ما حدث في الأردن عند تسريب مقاطع من "مسلسل جن" والهجوم الكاسح عليه باعتباره خادش للحياء العام، ويمس القيم الدينية، والعادات والتقاليد يفسر ما أريد أن أقوله وأذهب إليه، والملاحظ فيما حدث أن كثيرا ممن استخدموا الدين لمعارضة المسلسل لا يُعرف عنهم التدين، واستخدموا في معرض إدانتهم لاستخدام الشتائم في المسلسل ألفاظا أكثر سوءا على صفحاتهم في "السوشيل ميديا".

الأكثر إثارة وتناقضا في استطلاع الرأي الموقف من المساواة بين الرجال والنساء في العالم العربي، فالاستطلاع يحتفي ويبشر بتزايد تقبّل العرب لتمكين المرأة وتوليها المواقع القيادية في المجتمع، بما في ذلك أن تصبح رئيسا للجمهورية أو الحكومة.

تنامى هذه "التيارات الحداثية" في العالم العربي أمر مفرح وعظيم، لكن الحقيقة الصادمة أن هذه الأغلبية التي تؤيد تمكين المرأة في السلطة لا تقبل أن يكون لها القول الفصل في المنزل، فالأغلبية العربية بما فيها النساء يعتقدون أن القول الفصل في القرارات الأسرية يجب أن تكون للرجل.

هذا هو الوجه الذي أعرفه وأتعايش معه في حياتي اليومية في العالم العربي، فقصة إعلان المواقف وتأييد المساواة في المجتمع "فرقعات" يستخدمونها ولا تصمد عند حدود منازلهم، فالاختبار ليس في إطلاق المواقف المجانية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، فيما واقع الحال، دفاع عن مصالح "ذكورية" في حكم البيت أولا بما فيها النساء، والاستمرار في الهيمنة وحكم المجتمع والسلطة طبعا.

السياق الذي أقرأ فيه استطلاع الرأي واحد، والأرقام البراقة لا تخدعني رغم أنها مبهرة، ولذلك فإن السؤال الكاشف عن حجم الأزمة والاضطراب المجتمعي العربي يظهر أكثر في الموقف من المثلية الجنسية، ومقارنته بالموافقة على قتل النساء "غسلا للعار".

والغريب والفج البائن مثلا أن 26 بالمئة من الجزائريين يتقبلون المثلية الجنسية، وعلى النقيض فإن 27 بالمئة يقبلون القتل غسلا للعار، وذات المواقف المستغربة في المغرب حيث يتقبل 21 بالمئة المثلية الجنسية، و25 بالمئة لا يعارضون القتل "غسلا للعار".

وحتى المجتمع اللبناني الذي يوصف بالانفتاح والتعددية فقط 6 بالمئة يتقبلون المثلية الجنسية و8 بالمئة يوافقون على القتل "غسلا للعار".

نسبة الذين يصنفون أنفسهم بأنهم غير متدينين ارتفعت

​​لا أستغرب أن نجد قلة قليلة فقط تتقبل فكرة المثلية الجنسية في المجتمعات العربية، فهذه المواقف متوقعة ونتاج رؤية دينية واجتماعية، أما ما يبعث على الجنون تعالي أصوات تبرر قتل النساء "غسلا للعار"، وهو امتداد لذات العقول التي تريد النساء "خادمات" في البيوت، و"سي السيد" حاكم مطلق لا يُشق له غبار.

هذا الشق من الاستطلاع يجب أن يُدرس اجتماعيا، ويُناقش على أوسع نطاق لنتعرف على مجتمع يعيش حالة "فصام" في التعامل مع تحديات وظواهر، و"استلاب" في العديد من تصرفاته، ومواقفه، وتوجهاته، وهذا قد يكون نتاج عقود متواصلة من قمع السلطة، ومنعه من العيش والتعبير بحرية.

الأسئلة ذات البعد السياسي من الاستطلاع لم تكن إجاباتها ونتائجها مفاجئة، فالزعيم التركي رجب طيب أردوغان هو "النجم" والأفضل عند العرب مقارنة مع الرئيس الأميركي ترامب، والرئيس الروسي بوتين، وليس غريبا أن يحصد 51 بالمئة من الأصوات، يليه بوتين وحاز على 28 بالمئة من الأصوات، وتذيل القائمة ترامب بـ 12 بالمائة، وليس غريبا أيضا أن يخسر أردوغان معركة التصويت في مصر التي تحاربه علنا ولا يحصد سوى 12 بالمئة من المصوتين المؤيدين له.

غريب ويبعث على الجنون أن يتقبلوا المثلية الجنسية وبذات الوقت يؤيدون قتل النساء "غسلا للعار"

​​حين تضيق الدول على شعوبها فإن التفكير بالهجرة يبدو سياقا متوقعا ومألوفا، وحين يضيق فضاء الحريات السياسية وتتقلص فرص العيش الكريم فإن النتيجة تكون أن واحدا من كل خمسة شاركوا بالاستطلاع يرغبون بالهجرة، حتى وصلت إلى 40 بالمئة في بلد مثل الأردن يعيش أزمات اقتصادية متلاحقة.

يرى الاستطلاع أن العالم العربي ينزلق نحو الديكتاتورية، وأنا أرى ذلك، والقضية ليست في سلطة مستبدة وحاكم ديكتاتوري، الكارثة أعمق وأخطر وتتلخص في مجتمع ذكوري سلطوي تلوث بعد عقود من السيطرة، والحكم الفردي المطلق، فأصبح للأسف في صورته العامة على شاكلة حكامه، عنيفا، قاطعا، أحاديا في آرائه، ولا يتمتع بالتسامح واحترام الاختلاف، ويطلق الرصاص الطائش والعشوائي بكل الاتجاهات، فيطلق الرصاص على نفسه وبين قدميه أولا، فيكون أول الضحايا وكل رفاقه معه.

البارومتر العربي في استطلاعه الذي شمل ما يزيد عن 25 ألف شخص من 10 دول عربية إضافة لأراضي السلطة الفلسطينية، ومنعت إجرائه بعض الدول الخليجية، واشترطت دول أخرى شطب بعض الأسئلة لتنفيذه، لا يدق ناقوس الخطر فقط، وإنما يثير الهلع من تحولات مجتمعية تخلق الاضطراب أكثر مما تصنع الاطمئنان.

اقرأ للكاتب أيضا: مسلسل 'جن': غضب الشارع و'خدش الحياء' ومدن الفضيلة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.