سودانيون يتظاهرون تأييدا لتطبيق حكم الشريعة
سودانيون يتظاهرون تأييدا لتطبيق حكم الشريعة

بابكر فيصل/

تنافح جميع تيارات الإسلام السياسي عن ضرورة تطبيق نظام العقوبات الإسلامي الذي يتضمن ما يعرف بالحدود الشرعية، باعتباره نظاما إلهيا لا يمكن استبداله بالنظم الوضعية للعقوبات، بل إن تلك التيارات تكاد تختصر دعوتها لتطبيق الشريعة الإسلامية فقط في تضمين تلك للحدود داخل القوانين الجنائية.

في 27 تموز/يونيو 2016 وجهت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني مجموعة من الأسئلة حول "الإسلام السياسي" لنائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر الدكتور إبراهيم منير، كان من بينها السؤال التالي: هل تؤيد أم ترفض استخدام العقوبات الجسدية في منظومة العدالة الجنائية مثل الجلد، الضرب أو البتر؟

دعوة تيارات الإسلام السياسي لتطبيق الحدود لا تخرج عن إطار محاولات توظيف الشعارات الدينية لخدمة الأغراض السياسية

​​أجاب الدكتور إبراهيم قائلا: "أنا كمسلم ملتزم بما قرره الإسلام من عقوبات على الجرائم المختلفة وضرورة تطبيقها في المجتمع المسلم والتي ضمنها عقوبة القتل في جرائم إزهاق الأرواح أو غير ذلك من الجرائم وفقا لما يقرره الدين، والنظم القانونية المعمول بها".

في تجربة حكم الإخوان المسلمين للسودان التي استمرت منذ حزيران/يونيو 1989 وحتى سقوط نظامهم في نيسان/أبريل الماضي، تم إدراج الحدود في القانون الجنائي منذ عام 1991، وقد شملت العقوبات المنصوص عليها في القانون الجلد والرجم والبتر والقتل عن جرائم شرب الخمر والزنا والسرقة والحرابة والردة، وعند بدء العمل بذلك القانون قال قادة الجماعة إن الخطوة تمثل عودة الإسلام الصحيح الذي ظل مغيبا طيلة عهود الحكم الوطني الذي أعقب خروج المستعمر البريطاني في 1956.

من جهة أخرى، توجد العديد من الجماعات الفكرية والسياسية والحقوقية داخل العالمين العربي والإسلامي ترفض تطبيق العقوبات الحدية باعتبار أنها لا تتماشى مع روح العصر، وأن تطبيقها في الماضي كان يناسب أعراف المجتمعات القديمة، وأنه ليس كل أمر يلزم المسلمين في أي وقت وفي أي ظرف خاصة بالنسبة للمعاملات، كما أن تطبيق الشرع بالنسبة لهم يتمثل أولا في تطبيق العدالة بين الناس.

وأيضا توجد اتجاهات فكرية تسعى لعصرنة الإسلام، وتدعو لتجميد تطبيق الحدود في الوقت الحالي، ومن أبرز ممثلي تلك الاتجاهات المفكر السويسري الجنسية المصري الأصل، طارق رمضان، حفيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الذي أصدر بيانا في عام 2005 يدعو إلى تعليق فوري للحدود، بدعوى أن ظروف تطبيق الحدود ليست موجودة في كل العالم الإسلامي.

إذن، نحن هنا بإزاء ثلاثة مواقف مختلفة تجاه قضية تطبيق الحدود الشرعية، أولها يدعو لتطبيقها فورا باعتبارها أمرا من السماء وهو ما تدعوا له جماعات الإسلام السياسي، وثانيها يعارض التطبيق باعتبار أن الحدود لا تتناسب مع التقدم الحضاري الذي أصابته البشرية، أما الثالث فهو موقف وسطي يدعو لتجميد تطبيقها حتى استيفاء الشروط التي تسمح بإنزالها لأرض الواقع.

يسعى كاتب هذه السطور للنظر في التناقض الذي أظهرته التجربة العملية في موقف جماعات الإسلام السياسي تجاه تطبيق الحدود، إذ اتضح أن اندفاعهم نحو التطبيق الفوري ليس أمرا حقيقيا نابعا من إيمانهم بضرورة تطبيقها في جميع الأحوال، بل هو مجرد سعي لدغدغة عواطف الجماهير المسلمة.

يتكشف هذا الأمر خصوصا عند النظر في تجربة حكم الإخوان المسلمين للسودان، حيث ظلوا يحكمون البلاد لنحو ثلاثين عاما بقانون جنائي يتضمن الحدود الشرعية، ومع ذلك لم يجرؤوا على تطبيق العقوبات التي تشتمل على البتر والرجم والقتل في جرائم الزنا والسرقة والردة، واكتفوا طيلة فترة حكمهم بتطبيق عقوبة الجلد على شاربي الخمر.

بالطبع لا نستطيع تفسير امتناعهم عن تطبيق تلك العقوبات بعدم وقوع جرائم تستوجب تطبيقها طوال ثلاثة عقود من الزمان، كذلك لا يمكننا الاستناد على الزعم بأن أحوال البلد لم تكن مهيأة لتطبيق تلك العقوبات، وبالتالي يكون المبرر الوحيد المقبول هو استبشاعهم لتطبيق تلك العقوبات وما يمكن أن تجره عليهم من مشاكل خصوصا مع المجتمع الدولي.

من المؤكد أن القائمين على أمر تلك القوانين كانوا يدركون أن تطبيق عقوبة الجلد وحدها سيجد استنكارا داخليا إضافة لردود الفعل التي قد تقوم بها بعض الدول وجماعات حقوق الإنسان، ولكن بالطبع ستكون ردة فعل تلك الجهات على عقوبات الرجم والبتر والقتل أكبر بكثير من الجلد، لذا آثروا التوقف عن تطبيقها واكتفوا بوضعها في القانون شكليا.

إذا اتفقنا أن دافع الامتناع عن تطبيق تلك العقوبات هو استبشاعها والخوف من ردة الفعل على تطبيقها، فإن ذلك ينسف الادعاء الأساسي الذي تنبني عليه دعوة جماعات الإسلام السياسي لتطبيق الحدود الشرعية، وهو قدسية تلك العقوبات باعتبارها أوامر إلهية واجبة التنفيذ ولا يمكن تعطيلها لأية سبب، وبهذا تتحول الحدود لمجرد قضية سياسية (دنيوية) قابلة للأخذ والرد شأنها شأن القوانين الأخرى.

توجد العديد من الجماعات الفكرية والسياسية والحقوقية داخل العالمين العربي والإسلامي ترفض تطبيق العقوبات الحدية

​​من ناحية أخرى، قد يقول قائل إن عدم تطبيق الحدود الشرعية لسنوات طويلة لا يبرر الدعوة لرفضها أو تجميدها، ومن ذلك ما صرح به القاضي وعضو مجلس الشورى السعودي عيسى الغيث في استطلاع لـ "بي بي سي" حيث قال: "الأحكام المتعلقة بالحدود قليلة وإن السعودية لم تطبق منذ عشرات السنين حد الرجم لصعوبة توفر شروط توقيعه كما جاءت في الشريعة الإسلامية".

هنا يطرأ سؤال في غاية الأهمية حول جدوى العمل بنظام للعقوبات لا يتم تطبيقه لعشرات السنين؟ فالمعلوم أن القوانين ونظم العقوبات توضع لتُطبَّق وليس العكس، فإذا كانت غير قابلة للتطبيق لعشرات السنين لأية سبب من الأسباب فذلك يعتبر دليل قصور فيها وليس مؤشرا لجدواها وضرورتها.

بعيدا عن الآراء التي تنادي بإعادة النظر في تطبيق العقوبات الجسدية باعتبار أنها لا تتماشى مع روح العصر، أو تلك التي تطالب بتجميدها بدعوى أن الظروف غير مواتية لتطبيقها في الوقت الراهن، يبدو جليا أن دعوة تيارات الإسلام السياسي لتطبيق الحدود لا تخرج عن إطار المحاولات الدؤوبة لتلك التيارات توظيف الشعارات الدينية لخدمة الأغراض السياسية، وهو الأمر الذي أثبتته بجلاء تجربة حكم الإخوان المسلمين في السودان.

اقرأ للكاتب أيضا: حقيقة الحزب المدني ذي المرجعية الدينية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…

"في 20 مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل نايتس، حمدي مالك، وأيمن جواد التميمي، مؤلفي الدراسة الأخيرة "التكريم من دون الاحتواء: مستقبل "الحشد الشعبي" في العراق". ونايتس هو زميل أقدم في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. ومالك هو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقره في لندن حيث يعمل في "آي. آي. تي. في." (IITV). والتميمي هو محلل مستقل ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من "جامعة سوانزي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل نايتس

استمد عنوان التقرير "التكريم من دون الاحتواء" من محادثة مع مسؤول عراقي في بغداد، الذي قال بأنه يجب "تكريم واحتواء" "قوات الحشد الشعبي" في البلاد. وحتى الآن، لم يتم تحقيق سوى الجزء الأول من هذه الصيغة. وأفضل طريقة لتحقيق الجزء الثاني هي من خلال الإصلاح النشوئي لقطاع الأمن، مع الإقرار بأن احتواء "قوات الحشد الشعبي" يُشكل على المدى القريب هدفا أكثر عملية من تسريحه ونزع سلاحه وإعادة دمجه.

وأحد أكبر التحديات التي يطرحها "الحشد الشعبي" هي القيادة والتحكم. فقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ العمليات دون علم الحكومة. ففي أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون ووحدات رئيسية من "الحشد الشعبي" في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم بصورة غير قانونية. وشن بعض عناصر "الحشد" أيضا هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة (مثل السعودية) واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق، ولكنها نفت جميعها ضلوعها في أي من تلك العمليات. وأدّت هذه الهجمات في النهاية إلى شن الضربة الأميركية التي أودت بحياة قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير.

يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قامت الحكومة الجديدة التي شكّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باستعراض مبكر لعزمها من خلال مداهمة ميليشيا في البصرة كانت تستهدف المتظاهرين. وتعهّد الكاظمي أيضا بإيجاد السجون الخاصة التي اعتُقل فيها بعض المتظاهرين والتحقيق في مقتل البعض الآخر. ولكن يجدر بالمراقبين الخارجيين توقّع أن يكون مثل هذا التقدم تدريجيا، بما أنه لا يزال على الكاظمي مواجهة تجدد تنظيم "الدولة السلامية" ووباء "كوفيد 19" والتعامل مع انهيار اقتصادي ساحق.

وفي النهاية، سيكون تسريح "قوات الحشد الشعبي" صعبا جدا نظرا لوجودها العسكري والسياسي الكبير في العراق. ومع ذلك، هناك مجال للإصلاح، وسبق أن أظهر العراقيون إجماعا كبيرا حول العديد من القضايا ذات الصلة. أما خارطة الطريق للإصلاح فتتألف من ثلاث مراحل حاسمة. أولا، يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعها لقيادة وتحكم السلطات الوطنية. ثانيا، إن "الحشد الشعبي" بحاجة إلى أدوار ومهام محددة، وهذا أمر يمكن تحقيقه في إطار مراجعة للدفاع الوطني بالتعاون مع الجهات المانحة الأجنبية. والمرحلة الثالثة هي أبعد من ذلك: عملية إعادة انتشار تدريجية تعود فيها قوات الميليشيات من الميدان للخضوع لتدريب يحوّلها إلى قوة محترفة.

حمدي مالك

إن "ألوية العتبات" في العراق هي تنظيمات شبه عسكرية مرتبطة بالمقامات الشيعية، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع: "لواء أنصار المرجعية" و"لواء علي الأكبر" و"فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية". ولا علاقة لهذه الوحدات بـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بل هي تابعة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الذي تعتبره مصدر محاكاة لها.

وتضم وحدات "العتبات" بالإجمال نحو 18,000 جندي في الخدمة الفعلية وعشرات الآلاف في صفوف الاحتياط. وتُعتبر "فرقة العباس" الأكثر قدرة عسكريا بين التنظيمات الأربعة، وتتمتع بإمكانيات هجومية يعززها التدريب اللوجستي وتعاونها في مجال الدعم الناري مع وزارة الدفاع العراقية.

وهناك العديد من الخصائص التي تميّز "العتبات" عن الوحدات الموالية لإيران والخاضعة لهيمنة "الحرس الثوري" داخل "الحشد الشعبي". أولا، لا تعمل "العتبات" إلا مع المؤسسات الوطنية العراقية ويُحظر عليها الارتباط بقادة "الحرس الثوري" أو شخصيات عسكرية أجنبية أخرى. 

ثانيا، تبقى هذه الألوية خارج العملية السياسية، في حين ذهبت التنظيمات الموالية لإيران إلى حد تشكيل أحزاب سياسية خاصة بها. 

ثالثا، لا تَعتبِر وحدات "العتبات" بأن الولايات المتحدة عدوة لها. وعلى الرغم من أنها أدانت الإجراءات الأميركية من حين لآخر (على سبيل المثال، قصف موقع بناء في "مطار كربلاء الدولي" في مارس)، إلا أنها تتجنب بشكل عام التعبير عن مشاعر معادية للولايات المتحدة أو التصرف بناءً على تلك الآراء. 

أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى

رابعا، لم يتم اتهام "العتبات" بانتهاك حقوق الإنسان. وفي الواقع، إنها غير مهتمة بالتواجد داخل المناطق العربية السنية التي وقعت فيها العديد من هذه الانتهاكات، في حين أن المناطق الرئيسية التي تهتم بها هي المدن الشيعية المقدسة، كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار. ولم يتم اتهام العتبات بالابتزاز أيضا، بخلاف الكثير من جماعات "الحشد الشعبي" التي تستخدم مثل هذه التكتيكات للحفاظ على وجودها، وبالتالي تُفاقم المظالم بين السكان السنة.

والواقع أن هذه الاختلافات تضع "العتبات" والميليشيات الموالية لإيران على طرفَي نقيض. فحتى قبل مقتل المهندس في يناير، سعت "وحدات الأضرحة" ("ألوية العتبات") إلى إقالته من قيادة "الحشد الشعبي"، وأظهرت بعد وفاته معارضة شديدة لخلفه الذي طُرح اسمه من قبل ميليشيا "كتائب حزب الله" التي ينتمي إليها، والتي حاولت تعيين القيادي الموالي لإيران أبو فدك رئيسا جديدا للعمليات في "قوات الحشد الشعبي". 

وفي النهاية، انسحبت "العتبات" من "هيئة الحشد الشعبي" برمّتها وتعهدت بمساعدة الجماعات الأخرى على الانشقاق عنها.

وقد تسبّب انسحابها، من بين عواقب أخرى، بالمساس بالشرعية الدينية التي تتمتع بها التنظيمات الموالية لإيران. إذ تشكّل "العتبات" سابقة للمتطوعين شبه العسكريين الذين يعملون بموافقة آية الله السيستاني. وحين انشقّت عن "الحشد"، رأى كثيرون في ذلك أنها طريقة السيستاني للبدء بسحب تأييده لـ "قوات الحشد الشعبي". وردا على ذلك، التقى هادي العامري وأحمد الأسدي وشخصيات رفيعة أخرى من التنظيمات الموالية لإيران بممثلين عن السيستاني في كربلاء، في محاولة لإقناع "العتبات" بالعودة إلى جناحها.

وعلى النطاق الأوسع، تشكل "وحدات الأضرحة" نموذجا يمكن الاقتداء به لتحسين "الحشد الشعبي". وبصرف النظر عن معارضتها للهيمنة الإيرانية، أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى.

أيمن جواد التميمي

تملك العديد من فصائل "الحشد الشعبي" ـ ومنها التنظيمان الرئيسيان "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" ـ هوية مزدوجة كجماعات "مقاومة" معادية للولايات المتحدة وكألوية مسجلة في المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية. 

وفي دورها الأول، لم تتوانَ عن شجب الوجود الأميركي الذي تصفه بالاحتلال وتوجيه التهديدات. ومع ذلك، فإن دورها الثاني ككتائب رسمية تابعة لـ "الحشد الشعبي"، يجعل من الخطر عليها شن هجمات علنية ضد أهداف أميركية. ومن ناحية علاقتها بإيران، فقد تبّنت أهدافا معينة تتماشى مع مصالح طهران (على سبيل المثال، الحفاظ على وجود "قوات الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا)، ولكنها لا تخضع لإدارة دقيقة من قبل "الحرس الثوري".

لقد ظلَّ موقف فصائل "المقاومة" هذه دون تغيير إلى حد كبير منذ مقتل سليماني والمهندس. وخفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة. 

خفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة

ومع ذلك، لا تزال التنظيمات تحرّض ضد الوجود الأميركي وتصدر التهديدات، على الرغم من أن دورها الأخير في الهجمات الفعلية لا يزال غير مؤكد. ويبدو أن بعض ألوية "الحشد" تعتقد أنها لا تستطيع استهداف الوجود الأميركي بشكل مباشر لأنها جزء من مؤسسة حكومية عراقية. وتبنّت كيانات جديدة مختلفة الضربات التي وقعت هذا العام (على سبيل المثال، "عصبة الثائرين")، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه عناصر منشقة حقيقية أم مجرد فصائل مقاومة تابعة لـ "الحشد" وتعمل تحت اسم مختلف للتمكن من إنكار دورها بشكل معقول.

فضلا عن ذلك، عارضت بعض فصائل المقاومة بشدة تعيين الكاظمي واتهمته بالتواطؤ في مقتل سليماني والمهندس. وبعد أن أصبح الكاظمي رئيسا للوزراء، تحرّك ضد جماعة "ثأر الله" في البصرة بسبب ضلوعها في قتل المتظاهرين وإصابتهم. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحرك المنفرد على أنه خطوة أوسع ضد "الحشد الشعبي" أو فصائل "المقاومة". وأحد أسباب ذلك هو أن "ثأر الله" هي مجرد تنظيم صغير بالمقارنة مع "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". 

بالإضافة إلى ذلك، تفاخر "الحشد الشعبي" بزيارة الكاظمي الأخيرة إلى مقره، حتى أنه منحه بزّة نظامية خاصة بـ "الحشد" لارتدائها. ويبدو من غير المحتمل أن يتمكّن رئيس الوزراء من إعطاء الأمر بمداهمة فصائل "المقاومة" الأكبر حجما، أو اتخاذ إجراءات مماثلة ضدها، لأنه ملزم باحترام مؤسسة "الحشد الشعبي" بصفة عامة.

أعدت هذا الملخص حنا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".
المصدر: منتدى فكرة

The Future of Iraq's Popular Mobilization Forces

Posted by The Washington Institute for Near East Policy on Wednesday, May 20, 2020