لاعبة المنتخب الأميركي أليكس مورغن تحتفل بتسجيل فريقها للهدف الثاني
لاعبة المنتخب الأميركي أليكس مورغن تحتفل بتسجيل فريقها للهدف الثاني

ربما تكون الذاكرة قد خانتني، لكنني لا أذكر أنه صادف اجتماع كل هذا العدد من بطولات كرة القدم في العالم في وقت واحد! بطولة كأس أمم أفريقيا المقامة على أرض مصر، بطولة "كوبَّا أميركا" لدول أميركا الجنوبية المقامة على أرض البرازيل، بطولة كأس العالم للسيدات في كرة القدم المقامة على أرض فرنسا، بطولة "غولد كاب" (أو "الكأس الذهبي") لدول أميركا الشمالية والوسطى. أخيرا، بطولة أوروبا لسن تحت 21 سنة.

وهناك في المستقبل تصفيات كأس آسيا القادمة، التي تشارك فيها عدة منتخبات عربية، والتي قيل عنها على سبيل الدعابة: "لو أن الرئيس ترامب سحب بطاقات القرعة لتصفيات كأس آسيا، لما جاءت النتائج غير ذلك!" بالفعل، أوقعت المصادفة الفرق الأربعة التالية في مجموعة واحدة: السعودية وقطر وإيران وسوريا! صحيح أن البطاقات الصفراء، وربما الحمراء أحيانا، ستقي الملاعب من عنف غير رياضي الروح في تلك المنافسات، ناهيك عن التعليمات الحازمة من مدربي الفرق وإدارييها للالتزام بالروح الرياضية، لكن حماسة الجماهير لن تسلم من العصبية القومية وسط الخلافات السياسية المستعرة أو التحالفات المستترة بين هذه الدول الأربع، وإن كنا نستبعد أن تتسبب المشاعر المتأججة بحرب كالتي جرت ذات يوم بين السلفادور وهندوراس.

فريق الجزائر، بدا بصورة متكاملة ورائعة، وقدم أداء محترفا قويا

​​تقام بطولة السيدات كل أربعة أعوام، أما بعض البطولات الأخرى كل سنتين أو كل سنة. هذا هو السبب لتزامن كل هذه البطولات استثنائيا في فترة واحدة هذا العام. أغنى الزخم الإعلامي الشديد والمكثف، والنقل المباشر للمباريات، وتحليل وتعليق كبار المعلقين من الإعلاميين الرياضيين والحكام المتقاعدين، متابعة الملايين من المشاهدين لمختلف البطولات عبر أقنية تلفزيونية فضائية عديدة. يمكن أن تكتب ملاحم عن الأداء الكروي عند بعض الفرق، الرجالية والنسائية، وعلى بريق بعض نجوم الكرة.

لا شك أن المعلقين الرياضيين سيتحفظون على استخدام تعبير "أداء رجولي"، لأن أداء سيدات عديد من الفرق العالمية ـ بالرغم من ارتفاع نسبة الجمال بين اللاعبات ـ لا يقل قوة وسرعة ومهارة عن الرجال. فإذا أرادت المعلقات النساء المساواة، يفترض أن يستخدمن عند وصف مهارة أداء اللاعبين الذكور تعبير "أداء أنثوي".

بالفعل، يلفت النظر في بطولة العالم النسائية لكرة القدم نعومة تعامل اللاعبات مع صافرات الحكام النساء عند ارتكاب "فاول"، واعتذار اللاعبات بلباقة من زميلاتهن عن أية خشونة غير متعمدة، وربما مساعدتهن للنهوض من عثراتهن ومواساتهن عقب خسارة المباراة. كان الاستثناء الوحيد الصارخ هو سلوك فريق الكاميرون النسائي خلال مباراته العنيفة مع فريق إنكلترا، والتي حفلت بتصرفات بعيدة عن روح التنافس الرياضي ومختلفة عن السلوك الحضاري الراقي للاعبات في الفرق النسائية الأخرى من أوروبا وآسيا وأميركا وأستراليا وأفريقيا، وأخص بالإشادة الاسكندنافية من بينها.

كانت بعض نتائج المباريات صاعقة، كما عندما خسرت اسكتلندا مباراتها مع الأرجنتين بعد تقدمها بثلاثة أهداف، فذرفت لاعبات اسكتلندا الدموع غزيرة. كانت مفاجأة البطولة فوز إيطاليا في عدة مباريات، وخسارة أستراليا وألمانيا القويتين في بعضها الآخر.

أبلى فريق الولايات المتحدة النسائي بلاء حسنا، واستطاع إقصاء فرنسا على أرضها وبين جمهورها بنتيجة 2 ـ 1، ليغدو بين أقوى الفرق المرشحة لنيل البطولة. جدير بالذكر أن المنتخب الأميركي النسائي بدأ مشواره بالتغلب على منتخب تايلاند بنتيجة 13 ـ 0. إضافة للاعبته القديرة مورغان، استطاعت لويد وبريس التسجيل ببراعة، أما اللاعبة رابينو فخطفت الأنظار وسجلت هدفين في المرمى الفرنسي لتصبح إلى جانب مورغان من أهم المرشحات لنيل لقب هدافة البطولة. انتهت المنافسة بين المنتخبين الأميركي والإنكليزي بفوز الأول 2-1، وذلك بعد أن كادت هدافة الإنكليز إلين وايت أن تحقق التعادل بإحرازها هدفا ثم إلغاء هدف ثان لها بداعي التسلسل، وكسبت ضربة جزاء لصالح إنكلترا أهدرتها زميلة لها بفضل براعة حارسة المرمى الأميركية. (لا نعلم حتى انتهاء مباراة هولندا والسويد من سيواجه الفريق النسائي الأميركي في النهائي.

أحيط منتخب مصر في بطولة كاس أفريقيا بقدر هائل من الدعاية الإعلامية

​​تخوض الولايات المتحدة بفريق الرجال بطولة "غولد كاب"، وأحرز الفريق الأميركي نتائج طيبة جدا تبشر بأن تنافس رياضة كرة القدمSoccerجماهيريا رياضة كرة القدم الأميركية ورياضة البيسبول ورياضة كرة السلة الأميركية. هذا أمل قديم متجدد، يدعمه استقدام المنتخب الأميركي مدربين مشاهير مثل اللاعب الألماني السابق كلينزمان، ولاعبين من كبار نجوم العالم، من بيكهام إلى إبراهيموفيتش.

كانت إحدى أبرز المواجهات الكروية تلك المباراة التي جمعت الأرجنتين بالبرازيل على أرض الثانية، والغريب أن ساحر الكرة ليونيل ميسي، رغم أدائه المتميز في هذه المباراة بالذات، ورغم اقترابه من فرص التسجيل، لم يستطع إحراز أي هدف في البطولة كلها. كذلك، لم يستطع أغويرو التسجيل في هذه المباراة الحاسمة بين الجارين العملاقين في كرة القدم. فازت البرازيل 2 - 0 ووصلت إلى النهائي وستواجه بيرو التي نالت كأس هذه البطولة مرتين مثل تشيلي وباراغواي، وقد فازت الأورغواي بالكأس من قبل 15 مرة، والأرجنتين 14 مرة، والبرازيل 8 مرات، في حين أن كولومبيا وبوليفيا فازتا بالكأس مرة واحدة.

أحيط منتخب مصر في بطولة كاس أفريقيا بقدر هائل من الدعاية الإعلامية، سببها الأول إقامة البطولة على أرض مصر، وثاني أسبابها وجود اللاعب العالمي الموهوب محمد صلاح في عداد الفريق، وهو نجم ليفربول وهداف إنكلترا الحائز على عدة ألقاب إنكليزية وعالمية. استطاع محمد صلاح حتى لحظة كتابة هذا المقال تسجيل هدفين رائعين، حتى قيل إنه يجسد "روح الفريق المصري".

تألق حارس المرمى محمد الشناوي منقذا مرماه من عديد من الأهداف، خاصة في مباراة مصر مع فريق أوغندا القوي. كذلك، تألق كابتن الفريق المصري المحمدي، والمهاجم تريزيغيه، والمدافعين الحجازي ومحمود علاء. ينتظر فريق مصر عودة اللاعب عمر وردة بعد تسوية قضية التحرش الجنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي المثارة ضده والتي تسببت بعقوبة إقصائه عن المنتخب في الدور الأول. رغم انتصارات فريق مصر الثلاث في جميع مبارياته، ظل إجماع المعلقين الرياضيين على أن الفريق لم يلعب سوى بنصف مستواه المألوف، بحيث انتظرت الجماهير منه أداء أفضل يصحب النتائج الطيبة في الدور الثاني، لكنه خرج من البطولة على يد جنوب أفريقيا.

على نقيض فريق مصر، عاند الحظ منتخب تونس، رغم أنه يعتبر في عداد المنتخبات العربية القوية، فانتهى إلى التعادل في مبارياته الثلاث خلال الدور الأول، وكان الغريب أن يتعادل مع موريتانيا، في حين كان المتوقع أن يفوز لحداثة عهد موريتانيا بالمشاركة في هذه البطولة. المأمول أن ينقلب الحظ إلى الأفضل في دور الـ 16، وينتزع فريق تونس نتائج تليق بسمعته العريضة بين فرق أفريقيا.

أبلى فريق الولايات المتحدة النسائي بلاء حسنا، واستطاع إقصاء فرنسا على أرضها وبين جمهورها

​​أما فريق الجزائر، فبدا بصورة متكاملة ورائعة، وقدم أداء محترفا قويا. استطاع التغلب على السنغال في واحدة من أجمل المباريات، رغم كون السنغال أحد أقوى الفرق المشاركة في البطولة. لمع من الفريق الجزائري نجمه رياض محرز، إضافة إلى محمد يوسف بلايلي وآدم أوناس وإسلام سليماني وبغداد بونجاح، مذكرين بأمجاد نجم الجزائر الأسبق رباح مدجر. أثبت فريق الجزائر، بالفعل، أنه أحد المرشحين الكبار في المنافسة على كأس أفريقيا.

حالف النجاح فريق المغرب، الذي انتزع الإعجاب بأدائه القوي، وبأنه لعب لعبا جماعيا، لا فرديا. أعتقد أن الفريق ينقصه حسن التهديف، لكنه حاول أن يعوضه بالتفاهم والانسجام. فاز المغرب بجميع مبارياته، وتصدر فرق مجموعته، لكنه خرج في الدور الثاني.

مفاجآت مهرجان كرة القدم الكبرى هي الأداء المدهش لفرق تمثل دولا صغيرة المساحة وعدد السكان، دول مثل كورساو، مدغشقر وهايتي. بصعوبة بالغة، تمكن فريق المكسيك القوي من انتزاع هدف بضربة جزاء من منتخب هايتي، وكذلك فرق أخرى عريقة لدول كبرى مع منتخبي مدغشقر وكورساو. أخيرا وليس آخرا، رغم أن منتخبي قطر واليابان ليسا جغرافيا ضمن دول أميركا الجنوبية، فقد دعيا للمشاركة لتكملة عدد المجموعات المتنافسة، فأبليا بلاء حسنا وأثبتا مقدرة طيبة. هكذا، بغض النظر عن نتائج منتخب قطر، فإنه قدم أداء جيدا. وبالرغم من عدم تجاوزه الدور الأول، خرج الجمهور بانطباع جيد عن بطل آسيا، الذي سيخوض مباريات كأس العالم القادمة في العام 2022 على أرض قطر.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.