أقارب الشرطي الذي قتل في الهجوم الإرهابي في يونيو 2019 في العاصمة التونسية
أقارب الشرطي الذي قتل في الهجوم الإرهابي في يونيو 2019 في العاصمة التونسية

هارون ي. زيلين/

في 27 حزيران/يونيو، أي بعد مرور أربع سنوات ويوم واحد على هجوم سوسة، شهدت تونس هجومين انتحاريين مزدوجين استهدفا الأجهزة الأمنية في موقعين مختلفين من وسط العاصمة. ولكن ما هي إلا ساعات حتى عادت الحياة إلى مجاريها في المدينة. وسرعان ما سلطت الحكومة الضوء على أن السياحة لم تتأثر ـ وهذه نتيجة مختلفة تماما عمّا حدث بعد هجوم سوسة عام 2015، حيث ألغت أعداد كبيرة من السياح زياراتها إلى البلاد وصرّح الرئيس الباجي قائد السبسي أن "الدولة ستنهار إذا ما وقع هجوم مماثل آخر".

وفي الواقع، ازدادت هذه الجمهورية الواقعة في شمال أفريقيا نُضجا في التعامل مع التهديدات الأمنية المرتبطة بالجهاد، فالمسؤولون ما عادوا يرددون الهواجس الوجودية، سواء أكان ذلك مبررا أم هادفا لإشاعة الخوف. ومقارنة بعام 2015، أصبح كلٌّ من الدولة والشعب أكثر استعدادا للتعامل مع تبعات الهجمات الأخيرة. ولكن تضاؤل نسبة الشفافية فيما يتعلق باعتقالات الإرهابيين والروابط الظاهرة بالتعبات الجهادية السابقة يجب أن تثير القلق بشأن انتقال تونس على نطاق أوسع من الميول الاستبدادية إلى الديمقراطية وسيادة القانون.

روابط إلى شبكات الماضي

في صباح السابع والعشرين من حزيران/يونيو، قام انتحاري بتفجير نفسه بالقرب من مخفر للشرطة في وسط العاصمة تونس، متسببا بقتل شرطي وجرح آخر وإصابة ثلاثة مدنيين. ومرتكب الجريمة، الذي لم يُكشف اسمه، هو من مواليد عام 1988، وينحدر أصلا من باب الجديد في العاصمة وكان يعمل سابقا في الصناعات اليدوية في حي المدينة. وبعد الهجوم، تم اعتقال أحد المتواطئين كما داهمت وحدات الأمن منزل مرتكب الجريمة حيث عثرت على مواد تستخدم في صنع المتفجرات.

لن يتوقف الجهاديون عن محاولة إضعاف الدولة

​​وبعد مرور عشر دقائق على الانفجار الأول، دوّى انفجار آخر بالقرب من الباب الخلفي لإدارة الشرطة العدلية بمنطقة القرجاني وأسفر عن إصابة أربعة من عناصرها. وحاول المهاجم، الذي وصل على دراجة هوائية، اقتحام مقر وحدة مكافحة الإرهاب في اللحظة التي فُتح فيها الباب وخرجت آلية شرطة، مما دفعه إلى التفجير. وبينما ألمح مصدر أمني إلى أن الفاعل تلقى مساعدة للوصول إلى المكان، أفاد الناطق باسم الوحدة سفيان السليطي لـ "وكالة فرانس برس" عن اكتشاف هوية المهاجم، إلا أن هذه المعلومات لم يتم الكشف عنها علنا.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، تبنّى تنظيم "الدولة الإسلامية" المسؤولية عن التفجيرين، وترسخت مصداقية هذا الأمر حين أشار السليطي في اليوم التالي إلى ثبوت الرابط بين الهجومين. وفي غضون ذلك، أوقفت القوات الأمنية 25 شخصا لاشتباهها بانتمائهم إلى تنظيم إرهابي أو التهليل للعمليات الإرهابية أو التورط في أعمال محظورة.

وفي إطار التحقيقات الجارية، داهمت الشرطة جامع الغفران في حي الانطلاقة وصادرت كمية كبيرة من المتفجرات. كما لاحقت العقل المدبر للهجومين وأردته قتيلا، وهو المدعو أيمن السميري البالغ من العمر 23 عاما وفقا لوزارة الداخلية. وقد رصدته القوى الأمنية في البداية في محطة قطار حي الانطلاقة، وعند مواجهته أطلقت عليه النار فقام بتفجير حزامه الناسف، ولكن لحسن الحظ لم يسقط أي ضحايا غيره.

والجدير بالذكر أن حي الانطلاقة هو مسقط رأس عنصر تنظيم "الدولة الإسلامية" المدعو شمس الدين السندي الذي خطط لتفجير باردو وسوسة عام 2015. وكان السندي يقيم في ليبيا في ذلك الوقت، ولكن مكانه الحالي غير معروف. وهذا الحي هو أيضا أحد الأحياء التي نشط فيها التنظيم الجهادي "أنصار الشريعة في تونس" بعد الثورة وقبل إدراجه على قائمة الإرهاب في عام 2013، علما بأن هذا التنظيم كان يسيطر على جامع الغفران خلال تلك السنوات، من جملة سيطرته على معاقل محلية أخرى.

ومن خلال مختلف الفعاليات والأنشطة، وبعضها موثق على وسائل التواصل الاجتماعي، عمل "أنصار الشريعة في تونس" على نشر عقيدته بين غالبية سكان المنطقة ليرسخ بذلك أفكاره الراديكالية في المجتمع. وحتى أنه اتبع النهج نفسه في مناطق أخرى من تونس ككل. 

سلفيات تونسيات يعتصمن اعتراضا على قرار رئيس الوزراء التونسي بمنع النساء من ارتداء النقاب في المكاتب الرسمية "لأسباب أمنية"

​​وقد تعاطف كثير من المواطنين مع القضية الجهادية آنذاك لأن التنظيم بدا في بادئ الأمر أنه يقتصر على الدعوى والحوكمة. ففي حي الانطلاقة مثلا، وزّع التنظيم المؤلفات في الأسواق والمقاهي، وكلّف رجال الدين المتعاطفين معه بإلقاء المحاضرات الدينية، ونظّم حملات لتنظيف الأحياء السكنية، وقدّم المساعدات الغذائية إلى الأسر المحتاجة، وأقام دورات لحفظ القرآن، كل ذلك تحت شعار "أبناؤك في خدمتك".

ومع أنه يصعب معرفة مدى تأثر الأشخاص المعنيين بهذه الأعمال، ثمة أمر واضح وهو أن الكثير من عناصر التنظيم السابقين انخرطوا في حملات للمقاتلين الأجانب في الخارج وفي أعمال تمردية في الداخل. وتفيد التقارير الإعلامية المحلية أن بعض هؤلاء المقاتلين عادوا إلى ديارهم ويعيشون بحرية خارج السجن في حي الانطلاقة ومناطق أخرى من تونس.

المزيد من الاعتقالات، ثم المزيد من السرية؟

منذ مطلع عام 2014 حتى اليوم، نفّذت قوات الأمن 1411 عملية توقيف لأسباب جهادية، وفقا لبيانات صحفية صادرة عن وزارة الداخلية ومثبتة من خلال مقارنتها بالتقارير الإعلامية المحلية. ومن الصعب معرفة عدد المعتقلين بالتحديد لأن الموقوفين يتضمنون مجرمين سابقين. ومع ذلك، كان هناك منحى تصاعدي في الاعتقالات السنوية المتعلقة بالجهادية: 32 عام 2014، 163 عام 2015، 262 عام 2016، 404 عام 2017، و521 عام 2018.

وهذا الاتجاه يجعل البيانات التي جُمعت منذ أواخر عام 2018 أكثر إرباكا. فوتيرة الإعلان عن الاعتقالات تراجعت سريعا منذ شهر نوفمبر بحيث لم تسجَّل سوى 29 حالة اعتقال في عام 2019. وبهذا المعدل، قد يكون المجموع السنوي أقل من ستين، أي أدنى بكثير من المعدل الملحوظ في السنوات الأربع الماضية.

​وقد يبدو هذا خبرا سارا في البداية ـ كونه يعني أن قوات حفظ القانون في تونس أصبحت أكثر قدرة على التمييز واستخدام المعلومات الاستخباراتية عوضا عن الاكتفاء بتوقيف أي شخص له أي علاقة ولو بعيدة بحادثة معينة. ولكن من الممكن أيضا أن وزارة الداخلية لم تعد تفصح عن التوقيفات بشفافية مطلقة، فنظرا إلى المنحى المسجل في السنوات القليلة الماضية، لا يبدو منطقيا انخفاض الأعداد بهذا الشكل الجذري والسريع. ومن المعقول أن الأجهزة الأمنية تنفّذ فعلا هذا العدد الضئيل من الاعتقالات، لكن هذا التراجع المفاجئ يستحق بعض الشكوك.

المشهد الأمني في تونس اليوم أكثر تطورا بشكل ملحوظ عما كان عليه قبل أربع سنوات

​​ومن المثير للاهتمام، أن تَراجع البيانات بدأ بعد صدور مقالة المرصد السياسي في أكتوبر 2018 لكاتب هذا المقال بشأن هجوم إرهابي نفّذته امرأة في العاصمة التونسية بوحي من تنظيم "الدولة الإسلامية". واستندت تلك المقالة جزئيا إلى المعلومات الواردة في البيانات الصحفية لوزارة الداخلية، ولذلك فإن بدء البيانات المماثلة بالتلاشي مباشرة في أعقاب المقالة قد تبدو محض صدفة، ولكن الأمر ملفت بأي حال.

وإذا تبيّن أن بيانات الاعتقال الصادرة عن الحكومة غير مكتملة أو شائبة بالفعل، فسيواجه الباحثون المحليون والأجانب صعوبة أكبر في تقدير نطاق التوجهات الجهادية في تونس ومسارها، كما أن ذلك ينذر بالعودة إلى ممارسات أكثر استبدادية اتبعها النظام الحاكم ما قبل عام 2011.

توصيات في مجال السياسة العامة

إن المشهد الأمني في تونس اليوم أكثر تطورا بشكل ملحوظ عما كان عليه قبل أربع سنوات. ولا بد من الإشادة بالتحسينات التي قامت بها الحكومة بمساعدة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجزائر، في حين أن مرونة السكان تُظهر أن التأثير الذي ينشده الإرهاب المحلي قد فقد الكثير من قوته بمرور الوقت.

ولكن بغض النظر عن هذا التقدم، لن يتوقف الجهاديون ـ العائدون منهم من الخارج، والخلايا المحلية، والسجناء الحاليون ـ عن محاولة إضعاف الدولة. ونظرا للسياق الهش الراهن للانتخابات المقبلة والقلق من حالة السبسي الصحية، يجب على واشنطن أن تواصل دعم المساعي التي تبذلها الحكومة لجعل أمنها وقضائها ومنظومة سجونها أكثر تماشيا مع سيادة القانون في الإطار الديمقراطي. وينبغي أيضا على المسؤولين الأميركيين أن يوضحوا لتونس أن الشفافية في كيفية تعامل أجهزتها الأمنية مع الجهادية توفر على المدى البعيد حسنات أكثر من توفيرها السيئات. 

وفي النهاية، عند التعمق في فهم الشبكات والمناطق الجهادية السابقة، يمكن استنباط الدلائل حول الأماكن التي قد تظهر فيها الأعمال الإرهابية في المستقبل، لأن هذا النوع من التعبئة لا يأتي من العدم.

هارون ي. زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب القادم "أبناؤكم في خدمتكم: المبشرون التونسيون في الجهاد" (مطبعة جامعة كولومبيا).

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A woman wearing wearing a niqab (full face veil) walks by at the Kurdish-run al-Hol camp for the displaced in the al-Hasakeh…

رأينا في المقال السابق كيف كانت بعض "حِيَل الدفاع عن ابن تيمية" متهافتة جدا؛ إلى درجة تكاد تكون بها حيلة التيموي الدفاعية محض سخرية باردة، كما رأينا كيف انقلبت بعض هذه "الحِيَل" على أصحابها؛ لتكون على الضد مما توهموا، أي لتكون هجوما قاسيا على "شيخ إسلامهم" الذي يستبسلون في الدفاع عنه؛ غير مدركين أنهم ـ مهما نافحوا عنه، وناضلوا دونه ـ إنما يدافعون عن قضية خاسرة، لا لضعف المدافعين وهزالة حججهم (وهذا هو واقع حالهم) فسحب، وإنما لأن من يدافعون عنه مُدَان بما لا يُحْصَى من الأدلة الثابتة الصريحة التي تجعل منه ـ بحق ـ أحد أهم مشرعي الإرهاب.

لقد رأينا كيف كانت مهزلة الاعتذار السمج عن فتاويه العُنْفية الدموية؛ بادعاء أنها/ الفتاوى ظهرت نتيجة ظروف ذلك العصر الهائج المضطرب الذي تسبب ـ فيما يزعم المدافعون صراحة أو ضمنا ـ في اضطراب نفسية/ عقلية ابن تيمية؛ ليكون في "وضع غير طبيعي"، أنتج ـ بسببه ـ فتاوى "غير طبيعية"، لا يجوز أن يكون شيخهم مسؤولا عنها بحال!

وقد رددت على هذا الزعم بأن معرفة ظروف إنتاج النص لا تعفي صاحب النص من أن يكون مسؤولا عن نصه. دراسة هذه الظروف واستحضارها إبان مقاربة النصوص يكون ـ فقط ـ لـ"التفسير"، وليس لـ"التبرير"، أي لتفسير عملية الإنتاج، وليس لتبرير المضمون الذي يُراد به التبرير لصانع هذا المضمون.

فمثلا، عندما يؤكد الفيلسوف الإنكليزي/ توماس هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويبني على ذلك نظريته السياسية، فإن معرفتي بظروف الحرب الأهلية التي دفعته لإنتاج هذه المقولة، لا تعني أن هوبز خرج بريئا من هذا التصوّر الذئبوي للعلاقات الإنسانية. إن معرفة الظروف التي أحاطت بهوبز أواخر القرن السابع عشر، لا تجعلني أفهم أنه ما كان ليقول بهذا التصور؛ لولا أن ظروف عصره ضغطت عليه ليقول به، وإنما ـ فقط ـ تجعلني أفهم لماذا توصل إلى هذه النتيجة التي يتحمّل هو ـ وهو بالذات/ بالدرجة الأولى ـ مسؤوليتها كاملة؛ ما دام لم يعتذر عنها، أو ينقضها تحديدا وتعيينا، على نحو صريح.

لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب

ولعل من أشهر "حِيَل الدفاع" عن ابن تيمية ـ وهي دائما حيل سلفية ساذجة جدا ـ قول التيمويّين إن "شيخ إسلامهم" ليس وحيدا في إصدار فتاوى التبديع والتضليل والتكفير والإقصاء والقتل...إلخ، بل مثله كثير من مشاهير فقهاء الإسلام على امتداد التاريخ. وبالتالي ـ وفيما يزعمون ـ لا معنى للهجوم على ابن تيمية وحده إلا كون منتقديه لا يقصدون أقواله/ تراثه الفكري، وإنما يقصدون شخصه؛ لأن الهجوم النقدي بات يتوجّه له تحديدا، إما على سبيل التركيز (التركيز عليه أكثر من غيره)، وإما على سبيل التحديد (إفراده بالهجوم دون غيره).

وهذه الحيلة الدفاعية متهافتة من وجوه:

1 ـ نحن نسأل بدورنا: لماذا شخصه دون غيره؟ يعني إذا كنا نقصد ـ افتراضا ـ شخصه؛ فلماذا قصدناه دون غيره ؟، وهل صاحب الفكر/ التراث يبقى منه غير فكره/ تراثه لتكون تهمة الشخصنة ممكنة؟ ثم إذا كان من الممكن في حال الخصم الفكري المعاصر أن يختلط الشخصي بالموضوعي؛ لأن ثمة إمكان للاحتكاك/ للصراع الشخصي؛ فكيف يمكن ذلك في حال مَن مات منذ قرون؟!

مثلا، أنا انتقدت الشيخ السلفي الكبير/ الحويني، وهو شيخ معاصر، ولهذا يقع احتمال اختلاط الشخصي بالموضوعي (مع أن المُتّهِم لا بد أن يأتي بدليل على هذا حدوث هذا الاختلاط من الواقع)، إذ يمكن أن أكون تخاصمت معه ذات لقاء، أو بلغه قولٌ عني فيه أو بلغني قول عنه فيّ، أو وقعت بيني وبينه خصومة على قطعة أرض، أو نزاع على وظيفة مرموقة، أو حتى وقع بيني وبينه تحاسد وتنافر...إلخ صور التماس الشخصي. لكن كيف يكون الموقف شخصيا من ابن تيمية؛ بينما هناك سبعة قرون كاملة تفصل بيني وبينه، ابن تيمية الشخص تلاشى في فضاء الدهر عَدَما، ابن تيمية الموجود معي الآن، الذي أتعامل معه اليوم نقدا وتفنيدا هو مجرد أقوال/ تراث قولي. وكذلك هو حال جميع منتقديه من المعاصرين الذين لا مجال لشخصنة الخصومة معه بحال.

2 ـ كون غيره شاركه في مثل هذه الفتاوى الإقصائية الإرهابية لا يعني أن هذه المشاركة ستخرجه من قفص الاتهام بريئا. فباختصار: الجريمة لا تبرر الجريمة، أقصد: جريمة فكر ما، لا تُبَرِّرُها جريمة فكر آخر.

 3 ـ أن مشاركة الآخرين/ فقهاء ودعاة في فتاوى الإقصاء والعنف تبقى مشاركة محدودة نسبيا، أي هي ليست ـ في هذا المنحى ـ بذات الكم، ولا بذات الدرجة من العنف، ولا بهذا المستوى من التأكيد المتواصل، الذي يجعل قارئه الغارق في دهاليزه تراثه يخرج بـ"روح إقصائية ذات طابع عنفي"؛ حتى وإن لم يستحضر تفاصيل النصوص/ الفتاوى وأدلتها وحجاجها في التراث التيموي.

4 ـ أنه الأكثر قدرة على مُوَاشَجة آرائه/ فتاويه بالنصوص المقدسة الأولى. ما يعني أنه الأقدر على إيهام العقل العامي بشرعية استنباطاته الخاصة التي تصبح ـ من خلال تعالقها بالدّوال النّصية ـ وكأنها هي أحكام الشريعة على سبيل التطابق التام. وهذا يجري بفعل اختلاط/ امتزاج الوجداني بالفكري، فعلاقة العامي بالنص هي علاقة وجدانية/ ما قبل فكرية، والضرب على وتر النص، والمخاتلة والمراوغة به من خلال التجاوز المكاني في الكتابي والتجاور الصوتي في المقول، هو توظيف لهذا البعد العاطفي بغية الوصول إلى ما وراءه: القناعة بالأفكار بوصفها بلاغ النص/ صوت النص/ صائت النص الصامت!

5 ـ أنه يختلف عن غيره من الإقصائيين بكونه ذا خطاب موسوعي، ورائج في الوقت ذاته، ومن ثَمَّ، فهو الأشد خطر ـ بما لا يقاس ـ من غيره. وهنا، من الطبيعي أن يتوجّه النقد إلى الأخطر، ومن الطبيعي أن يحاول مكافحو أفكار التعصب والإقصاء والإرهاب إقفال أكبر منافذ هذا الفكر، لا لأنه المنفذ الوحيد، وإنما لأنه المنفذ الأكبر والأخطر، المنفذ الذي ثبت أن الأغلبية الساحقة من معتنقي الفكر الإرهابي الإسلاموي المعاصر مرّوا من خلاله؛ ابتداء وانتهاء.

ومن "الحيل الدفاعية" عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي هي تلك الحيلة التي تتعمّد أن تعترف وتنكر في آن، أقصد: محاولة صرف النظر عن تفاصيل فتاويه المشحونة بـ"يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وغيرها من عبارات التكفير والإقصاء والعنف، إلى البحث عن منهج مباطن في التكفير، يختلف ـ في مستوى تسامحه واتساع أفقه ـ عن هذه التطبيقات الصريحة الصادمة بعنفها وانغلاقها. ومختصر قولهم في هذه الحيلة الزعم بأن له منهجا متسامحا في التكفير، وهذا المنهج يمكن أن يُسْتَنبط من تنظيراته الكثيرة في هذا المجال، ثم يؤكدون أن العبرة بهذا التنظير، لا بتطبيقات الفتاوى التي سيعيدون تكرار معزوفة أنها ظرفية عابرة، وأن العبرة بالمنهج العام!

وطبعا، هذا ليس إلا دفاعا متهافتا أشد ما يكون التهافت، إذ لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب. كل التكفيريين يقولون: لا نكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وكل السلفيين التقليديين يقولون عن أنفسهم: "نحن أرحم الخلق بالخلق". نعم، إنها يقولونها بكل ثقة، وعندما تحاكمهم إلى أفعالهم في قتل الأبرياء، يجيبونك بأن هؤلاء ليسوا أبرياء، وأن الله هو الذي أمر بقتلهم، وبما أن الله أرحم الراحمين، وهم قد نفذوا حكم الله فيهم، ففعلهم هذا من الرحمة بضحاياهم، وقد يتمادون في التبرير فيزعمون أنهم لو تركوا هؤلاء أحياء؛ لارتكبوا مزيدا من المعاصي والآثام بقية حياتهم، ومن ثم، فقتلهم جعل حساب آثامهم يتوقف، وهذا من الرحمة...إلخ التبريرات التنظيرية التي تحاول تغطية بشاعة التطبيق الإرهابي.

من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية

إن التنظير الذي يطرحه كل التقليديين في هذه المسائل كمنهج أو كمقدمات نظرية عامة، إنما هو أشبه ما يكون بالدستور العام العائم الذي يجري اختراقه بالتعليمات التفصيلية (التي هي هنا الفتاوى التطبيقية)، فدستور العراق أيام حكم صدام حسين لم يكن ينص على جواز القتل الجماعي ولا على التعذيب داخل المعتقلات...إلخ البشاعات، بل كان الدستور يكفل الحقوق ويُجرّم كل هذه الانتهاكات. هذا يحدث في تنظير/ الدستور والإعلام؛ بينما كانت الأوامر المنهجية، والتعاميم التفصيلية، تُبيح كل ذلك، بل وتُلزم به، وتُكافئ عليه. وطبعا، يستطيع المنظرون ردم الهوة التي تفصل بين نصوص الدستور والنصوص التفصيلية التطبيقية التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ، بينما تبقى نصوص الدستور نصوصا للتبرير ولطمأنة الضمير، وللظهور للعالم بوجه إنساني لائق.

وأيضا، من الحيل الدفاعية التي تتكرر كثيرا، الزعم بأن مقولاته التكفيرية والإقصائية إلى درجة العنف الإرهابي هي مجرد فتاوى، والفتاوى "مُعْلِمة وليست مُلْزمة"، فابن تيمية ـ كما يزعم المدافعون ـ لم يجبر أحدا على الأخذ بفتواه، ولا هو يملك القوة لتطبيقها في الواقع. ولا شك أنني أمام مثل هذا "الاستهبال" في الدفاع (الذي يدل على اعتراف ضمني بكون مقولاته/ فتاويه تؤسس للإرهاب) لا أملك إلا طرح سؤال بسيط ساذج: هل هناك فقيه/ شيخ يَزعم ـ أو يُزعَم له ـ أنه يستطيع إلزام الآخرين بما يقول؟! أليس الفقيه/ الشيخ يفتي/ يقول رأيا بوصفه هو رأي الدين، ثم يقوم المُقلّد بالتنفيذ؟! بل أليست كل الآراء والأفكار الإجرامية والعنصرية التي أسست لقهر وسحق الإنسان على مر العصور، صدرت عن أناس لا يملكون حق الإجبار ابتداء؟! أليس التنفيذيون الكبار مجرد مستلهمين لمقولات مفكرين كبار اعتقدوا أن أفكارهم هي عين الصواب؛ فبادروا إلى تنفيذها حتى ولو خسروا أرواحهم في سبيل ذلك؟!

أخيرا، من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية. فهؤلاء كثيرا ما يستحضرون نضال ابن تيمية ضد هجمات التتار، وينتشون باستعادة وقائع جرأته في هذا المجال (طبعا، مع مبالغات لا تخفى)؛ ليؤكدوا صدقه الذاتي ونزاهته، ومن ثَمَّ صواب أفكاره باعتبارها صادرة عن إنسان مخلص لقضاياه التي ينافح عنها.

هنا خلط بين العاطفي والموضوعي لا يقع فيه من يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بشروط المعرفة. صحيح أن النضال والإخلاص للمبدأ/ الفكرة يثير الإعجاب؛ بقدر ما يُعدي حماسيا. وهذا بُعد عاطفي لا ضير منه، ولكن كان من المفروض ـ في سياق المقاربة العلمية ـ أن يتوقف هذا الإعجاب عند "ابن تيمية الإنسان"، ولا يتعداه إلى "ابن تيمية الأفكار". إذ لو كانت الشجاعة أو النضالية أو التضحية في سبيل الأفكار هي ما تمنح الأفكار قداسة/ صوابا في النظر العلمي أو في القصد الديني؛ لكان الخوارج الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لمبادئهم هم أصوب الناس أفكارا وأصدقهم دينا.