جيوف باكارد يتصدر ممثلي "رجل الموسيقى" إخراج ماري زيمرمان (تصوير ليز لورين)
جيوف باكارد يتصدر ممثلي "رجل الموسيقى" إخراج ماري زيمرمان (تصوير ليز لورين) | Source: Courtesy Image

يا له من اختيار مناسب من قبل مسرح "غودمان" العريق في شيكاغو لمواكبة الذكرى السنوية بعيد الاستقلال الأميركي في الرابع من يوليو عبر إحياء ميوزيكال "رجل الموسيقى".

انتصار جديد يضاف إلى سجل المخرجة الشهيرة ماري زيمرمان عبر إحيائها هذا الميوزيكال العريق، وهي التي اشتهرت بلمساتها الحداثية والتجريبية في "ألف ليلة وليلة" و"كانديد" و"كتاب الأدغال" وسواها، مما دعا مسرح "غودمان" للاحتفال بمرور 25 سنة على إسهامات زيمرمان الإخراجية اللامعة.

أخذ عرض "رجل الموسيقى" جمهور شيكاغو بعاصفة ـ كما يقال ـ وجاء موفقا للغاية بحيث مدد عقب ليلة افتتاحه مباشرة ثمانية عروض أخرى بسبب الإقبال الجماهيري الشديد عليه.

ليت المسرح العربي يستلهم هذه الميوزيكالات ينتج أعمالا أصيلة توازيها

​​الميوزيكال فن أميركي عريق، تطور ليصبح "أنغلوساكسونيا"، بحيث تنطلق الميوزيكالات عادة من حي الوست-إند بلندن وشارع برودواي بنيويورك بشكل متزامن، وكثيرا ما ينتقل إحياء أحدها إلى باريس أو برلين أو سيدني. 

اشتهر ميوزيكال "رجل الموسيقى" منذ انطلاقته على مسرح ماجستيك في نهاية عام 1957، فعرض 1375 عرضا، وحاز جائزتي "توني" عام 1958 للمسرحية ككل، ولنجم العرض روبرت بريستون. بالتالي، يحتل ميوزيكال "رجل الموسيقى" مكانة خاصة في ذاكرة المسرح الغنائي الأميركي، مثل ميوزيكالات مثل "جنوب الباسيفيك"، "أوكلاهوما" و"ست عروسات لسبعة عرسان". 

مع مرور الوقت، تطور فن الميوزيكال مع "صوت الموسيقى"، "سيدتي الجميلة"، "ماري بوبنز" و"قصة الحي الغربي"، والأخير مقتبس عن مسرحية شكسبير "روميو وجولييت". ما لبثت ميوزيكالات جديدة من طراز أكثر حداثة وعمقا أن حظيت بالنجاح في لندن وبرودواي، مثل "المسيح نجم عالمي"، "إيفيتا"، "قطط" و"شبح الأوبرا" من إبداع أندرو لويد ويبر، و"البؤساء" و"فاتنة سايغون" من إبداع كلود-ميشيل شونبرغ وآلان بوبليل. استمر بعض هذه الميوزيكالات يعرض منذ ربع قرن على طرفي المحيط الأطلسي، فضلا عن إحياءات عالمية وجولات في مختلف المدن الأميركية الكبرى.

يفتتح المشهد الأول من ميوزيكال "رجل الموسيقى" في شيكاغو بثلة من رجال الأعمال على متن قطار وهم يتحدثون عن محتال يطلق على نفسه اسم البروفسور هارولد هيل، يتنقل من بلدة إلى أخرى ليبيع مراهقيها آلات موسيقية، أزياء ونوطات، ويعدهم بتأسيس فرقة موسيقية، ثم يختفي عن الأنظار. 

فجأة، يعلن واحد من الركاب أنه البروفسور هيل، ويغادر القطار على حين غرة في محطة بلدة من ولاية آيوا. هناك، يزعم البروفسور هيل ـ كعادته ـ أنه قائد أوركسترا خبير في الموسيقى، وأنه جاء معتزما إنشاء فرقة من شباب البلدة وأطفالها لتقوم بمسيرة الاحتفال بيوم الاستقلال. 

يطلب هيل من شخص يعرف هويته الحقيقية البعيدة عن الموسيقى أن يكتم سره، محاولا إقناع أهالي البلدة بأهمية مشروعه لحياتهم الاجتماعية، لكي تصبح بلدتهم الصغيرة مثل باقي البلدات المتحضرة التي يحتشد سكانها ابتهاجا بمشاهدة المسيرة الكرنفالية الموسيقية سنويا. 

​​يقع البروفسور هيل من أول نظرة في هوى صبية تعمل أمينة مكتبة وتعطي دروسا خاصة على البيانو. ترفضه ماريان وتتشكك بدافع ملاحقته لها في البداية، ثم يقنعها بصدق مشاعره ويبدي لها حبا حقيقيا، فتحجم عن الكشف للعمدة أن البروفسور المزعوم ليس خريج كونسرفتوار غاري إنديانا، كما يدعي، وأنه لا خبرة له بالموسيقى. يتبرع كثير من الأهالي بالمال لشراء الآلات والنوطات والأزياء من أجل تأسيس فرقة تحتفل بتلك الذكرى الوطنية، لكن غريبا يصل ذات يوم إلى البلدة ليفضح كون البروفسور هيل دجالا لا يميز بين نوطة وأخرى، ولا علاقة له بالتدريب الموسيقي من قريب أو بعيد، فيأمر العمدة باعتقال هيل ومحاكمته علنيا. 

مونيكا وست في دور ماريان، مدرسة البيانو، مع عائلتها (تصوير ليز لورين)

تنبري معلمة البيانو ماريان ـ التي لمست إخلاص هيل ومساعدته لأخيها اليتيم كي ينخرط في المجتمع ـ بالدفاع عنه علنا بحرارة ضد عمدة البلدة المصمم على إدانته ومعاقبته بالسجن. عندما يُفحم العمدة محرجا أمام دفاع ماريان ونساء البلدة بما فيهن زوجته، عن البروفسور المزعوم، يصيح: "أين أوركسترا الأطفال؟" فجأة، يدخل أطفال ويافعو البلدة القاعة، بمن فيهم ابنته الصبية العاشقة شابا من طبقة عادية، ليعزفوا بشكل بدائي صاخب على آلاتهم النفخية والنحاسية والإيقاعية التي اقتنوها، مرتدين الزي الموحد للفرقة الموسيقية الناشئة. 

يتحمس الأهالي لمشاركة أبنائهم وبناتهم، فيطالبون العمدة بالصفح عن البروفسور هيل، الذي وفى بعهده وأسس الفرقة الموعودة. هكذا، يبرأ البروفسور هيل من تهمة النصب والاحتيال، تفك الأصفاد عن معصميه ويطلق سراحه، ليحقق حلمه المنشود بقيادة الفرقة احتفالا بمناسبة 4 يوليو، وليصبح لحن المسيرة الكرنفالية تحية الختام في عرض "غودمان" المسرحي وسط تصفيق إيقاعي من الجمهور العريض.

ليت المسرح العربي قارب فن الميوزيكال عبر إنتاجات جماهيرية ناجحة مثل المسرحين الأميركي والبريكاني. للأسف، الميوزيكالات العربية نادرة، لم يقدم على مقاربتها مبكرا بين الرواد سوى سيد درويش، سلامة حجازي وأبي خليل القباني في تضمينه الموسيقى والغناء بعض مسرحياته الدرامية. ثم جاء في عصرنا الحديث الأخوان الرحباني والمطربة الكبيرة فيروز في سلسلة طويلة من الميوزيكالات التي دأب على احتضانها "معرض دمشق الدولي" و"مهرجانات بعلبك". هكذا، منذ "أيام فخر الدين"، "الشخص"، "جبال الصوان"، "ناطورة المفاتيح"، "المحطة"، "ميس الريم" وصولا إلى "بترا"، شهد الجمهور العربي أعمالا ممتعة جماليا وموسيقيا وذات أبعاد سياسية ناقدة بجرأة. تبع ذلك محاولات متفرقة في لبنان وسوريا ومصر، منها أعمال الجيل الثاني من الرحابنة مع هدى (شقيقة فيروز) ولطيفة ورونزا، فضلا عن ميوزيكالات المطربة صباح وبضعة أعمال أخرى متفرقة. أما في سوريا، فظهرت ميوزيكالات معدودة على أصابع اليد، من بينها ميوزيكال "سفر النرجس" من تلحين رعد خلف وبطولة المطربة نورا رحال.

أنتج فيلم "رجل الموسيقى" في عام 1962، ولعب بطولته روبرت بريستون مع شيرلي جونز وأخرجه مورتون داكوستا عن ميوزيكال من تأليف وتلحين ميرديث ويلسون، الذي استوحى صورة البلدة من بلدته الحقيقية في آيوا. رشح الفيلم لست جوائز أوسكار، نال بينها جائزة أفضل إعداد واقتباس موسيقي. رغبت شركة الأخوان وارنر أن تجلب نجما سينمائيا شهيرا لأداء بطولة الفيلم. رفض فرانك سيناترا العرض، أما كاري غرانت فقال: "لا أرفض أن ألعب الدور فقط، لكنني إذا أعطيتموه لأحد آخر غير روبرت بريستون.. لن أحضر الفيلم".

في الواقع، تكرر قول كاري غرانت الأخلاقي هذا والنابع من موقف نبيل حين عرض عليه مرة أخرى أداء دور البروفسور هيغنز في فيلم "سيدتي الجميلة" بدلا من ريكس هاريسون. تدل مثل هذه القصص على أن ذلك الزمن الذهبي قد مضى، ونادرا جدا صرنا نسمع بمثلها في عصرنا الراهن، الذي يتنافس فيه الفنان بضراوة على انتزاع دور البطولة، وليس التنازل عنه لمن هو أفضل منه.

الميوزيكال فن أميركي عريق، تطور ليصبح "أنغلوساكسونيا"

​​ماذا يمكن أن يقال عن إحياء مسرح "غودمان" بشيكاغو لميوزيكال "رجل الموسيقى"؟ لا بد أن نشيد بالرؤيا الإخراجية عند ماري زيمرمان، التي صنعت عرضا حيويا، كوميديا وجذابا، ابتعد عن النمط التقليدي دون أن يخون الأصل، مستعينا بديكور دانيال أوستلينغ الرائع في حداثته وسرعة تبديله. لا بد أن نشيد أيضا بأداء جيوف باكارد، الذي كان يمشي وكأنه يرقص، متميزا بحضور أخاذ وحيوي وجذاب طيلة العرض. كذلك تألقت مونيكا وست بأدائها الأوبرالي البديع وحسها التمثيلي المرهف في دور ماريان، أمينة المكتبة وعازفة البيانو. 

لا يتسع المجال للثناء على جميع من أضفى لمسات كوميدية ممتازة على الشخصيات الأخرى العديدة، لكن لا بد من الإشادة بالأداء الجماعي المتناغم والرقصات الرشيقة عموما، التي جعلت كامل جمهور مسرح "غودمان" يهب واقفا في ختام العرض ليصفق طويلا، وهو ثناء مستحق لمسرحية غنائية راقصة تستحق "إبهامين مرفوعين" دلالة على نجاحها. ليت المسرح العربي يستلهم هذه الميوزيكالات ينتج أعمالا أصيلة توازيها، تستند إلى موضوعات محلية ذات أهمية اجتماعية وسياسية ناقدة.

A boat of the Iranian Revolutionary Guard sails, at undisclosed place off the coast of Bandar Abbas, Iran August 22, 2019…
زورق حربي إيراني عند سواحل بندر عباس

صراع جديد يتشكل في الشرق الأوسط، يختلف عن الحروب السائدة. على عكس الحرب الأهلية السورية التي طال أمدها، فإن هذه الحرب ليست صراعا على السلطة بين دكتاتورية علمانية راسخة وقوى إسلامية متنوعة. كما أنها ليست شد وجذب سياسي وحشي بين الميليشيات المتنافسة، كما أصبحت ليبيا ما بعد معمر القذافي. بدلا من هذه وتلك، هذه الحرب، هي تكثيف إضافي لحرب الظل المستمرة بين إسرائيل وخصمها الإقليمي، إيران؛ حرب بدأت تدور في الفضاء السيبراني.

في أواخر أبريل، عندما كانت إسرائيل مشغولة في الاستجابة لتداعيات وباء فيروس كورونا، تعرضت الهيئة الوطنية للمياه إلى هجوم إلكتروني واسع النطاق. تم تصميم العملية لاختطاف أنظمة التحكم الصناعية ومعالجتها وتدمير البيانات المهمة في المواقع المتعلقة بشبكة المياه الوطنية الإسرائيلية. إجمالا، تم استهداف ستة مرافق منفصلة مسؤولة عن إمدادات المياه وإدارة النفايات من قبل المخترقين، الذين تم تحديد مصدرهم على أنه إيران.

كانت الأضرار التي لحقت بشبكة المياه متوسطة في طبيعتها، ولم تشهد إسرائيل فشلا في نظامها المائي، من المستوى الذي يمكن أن يكون كارثيا بالنسبة لدولة تعاني من الإجهاد المائي في الشرق الأوسط الجاف. ومع ذلك، كان الوضع خطيرا بما يكفي لدرجة أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو جمع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية في البلاد، لمراجعة الوضع والتخطيط لاستراتيجية الرد.

الوقت فقط سيحدد ما إذا كان المجال السيبراني سيتحول إلى جبهة كاملة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني المتطور

في التاسع من مايو، توضحت الصورة وظهرت نتائج هذا الرد، عندما ضرب هجوم إلكتروني محطة شحن رئيسية بالقرب من ميناء بندر عباس جنوب إيران. تسبب الهجوم على منشأة شاهد رجائي في اضطرابات واسعة النطاق لحركة السفن والشاحنات استمرت لأيام. بينما لم تؤكد الحكومة الإسرائيلية تورطها، ربطت صحيفة واشنطن بوست بشكل قاطع القدس بالهجوم "الفعال للغاية".

تمثل الضربات الانتقامية المتبادلة، تصعيدا ملحوظا في تفاقم التوترات بين البلدين. على مدى العامين الماضيين، نفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية ضد أفراد ومنشآت إيرانية في جنوب سوريا في محاولة لإضعاف قدرات النظام الإيراني هناك. وفي الآونة الأخيرة، ركزت هذه الطلعات الجوية بشكل خاص على الترسانة المتزايدة من الأسلحة الموجهة بدقة والتي باتت في حوزة الوكلاء الإيرانيين؛ ويخشى المسؤولون الإسرائيليون أن ترك هذه الأسلحة من دون معالجة، سيؤدي إلى تعديل في ميزان القوى الإقليمي، وهو تعديل لن يكون لصالح عن بلادهم.

المواجهة المستمرة بين طهران والقدس أصبحت أكثر تعقيدا، وربما أكثر تقلبا من أي وقت مضى

يبدو أن هذا الضغط له تأثير كبير. قبل أن يغادر منصبه في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي المنتهية ولايته نفتالي بينيت علانية أن "إيران تقلل بشكل كبير من نطاق قواتها في سوريا وحتى تقوم بإخلاء عدد من القواعد" في الدولة البعثية نتيجة للضغط الإسرائيلي. (أكدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هذا التقييم الآن). وقد ترك بينيت منصبه، لكن من المتوقع أن يحافظ خليفته، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بيني غانتس، على الحملة الحالية في سوريا بل وربما يوسعها.

لكن نجاحات إسرائيل هي تحدٍ واضح لإيران. وسط تراجع الثروات الاستراتيجية في سوريا والأزمة الصحية المستمرة على الصعيد الوطني في إيران، تجد الجمهورية الإسلامية أنه من الملح أكثر من أي وقت مضى إظهار شجاعتها الإقليمية. كان هذا هو الأساس المنطقي وراء تحرش البحرية الإيرانية مؤخرا بالسفن الأميركية في مضيق هرمز ـ وهو حادث خطير بما يكفي لدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتهديد بالتصعيد العسكري. إنه أيضا السبب الذي يجعل طهران تحول اهتمامها الآن إلى الفضاء الإلكتروني وتسعى إلى عرض قدراتها وإمكاناتها التدميرية، ردا على نجاحات إسرائيل في ساحة المعركة.

الوقت فقط سيحدد ما إذا كان المجال السيبراني سيتحول إلى جبهة كاملة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني المتطور. ما هو واضح بالفعل هو أن المواجهة المستمرة بين طهران والقدس أصبحت أكثر تعقيدا، وربما أكثر تقلبا من أي وقت مضى.