مؤسس فيسبوك مارك زوكربرغ خلال شهادته أمام لجنة التجارة والطاقة في مجلس الشيوخ
مؤسس فيسبوك مارك زوكربرغ خلال شهادته أمام لجنة التجارة والطاقة في مجلس الشيوخ

هناك عدة أفلام سينمائية تتحدث عن سيطرة الآلة على الإنسان، وأشهرها طبعا فيلم "ماتريكس"، والذي جسد احتقار الآلة الذكية للإنسان واستخدامه لأغراضها. في 1999 ـ لما ظهر الفيلم ـ كان هذا مجرد خيال علمي بحت، ولكننا اليوم مع نضوج مفاهيم الذكاء الاصطناعي، والتي تقوم على "التعلم العميق" (Deep Learning) لدى الأنظمة الذكية، وقدرتها على التطوير الذاتي، فإن هذا الخيال العلمي بدأ يتحول تدريجيا إلى واقع محتمل. 

ستستغرب عندما تقرأ مقولات لشخصيات مثل ستيفين هوكينغ، وبيل غيتس، وإيلون ماسك والتي تحذر من ذلك، ومن ذلك ما قاله ستيفين هوكينغ، أحد أعظم فيزيائي القرن، بأن "التطوير الكامل للذكاء الاصطناعي قد يعني نهاية الجنس البشري".

ولكن بعيدا عن هذه النظرة المستقبلية البعيدة نسبيا، تواجه شركات التقنية اليوم تحديا أساسيا مرتبطا بـ"أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، وذلك تحت ضغط العديد من المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث المتخصصة في قضايا الأخلاق، وتحت ضغط كبار المبرمجين الذين بدأوا يدركون أن قراراتهم اليومية حول كيفية برمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يكون لها أثر كبير على الإنسانية في المستقبل. 

الآلة تطور نفسها بنفسها من خلال ارتباطها بكمية هائلة من "البيانات الضخمة" التي تم جمعها من مصادر مختلفة

​​هذا ما دفع شركة مثل غوغل لتؤسس مجلسا أعلى خاصا بالأخلاقيات، ودفع فيسبوك لتؤسس مركز أبحاث متخصص في هذا الشأن في ألمانيا، بينما ترعى أمازون أبحاثا حول التعامل العادل في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وجعل ميكروسوفت تعلن عن وثيقة المبادئ والأخلاق في تطويرها للذكاء الاصطناعي.

حتى أشرح الموضوع قليلا، تخيل معي التالي: خلال سنوات قليلة قادمة ستتمكن الآلة أن تحل محل الجندي في الحرب، والطبيب في المستشفى، والمعالج النفسي، وشرطي السير، وممرضة كبار السن. كل هؤلاء اليوم يتعاملون بناء على أطر أخلاقية معينة تحكم سلوكهم، ويتم محاسبتهم على أساسها. من سيضمن لنا أن الآلة ستحمل نفس المبادئ والأخلاق؟ إذا انطلقت طائرة بدون طيار مسيرة على أسس الذكاء الاصطناعي (وليس التحكم عن بعد كما هو الحال الآن) وقتلت مجموعة من الأطفال لأن الكود البرمجي فيها جعلها تفعل ذلك، من سيتحمل مسؤولية ذلك؟ إذا قام المعالج النفسي الآلي بإرشاد المريض لمجموعة من التصرفات اللاأخلاقية لمعالجة مشكلته، من سنلوم بالضبط؟

الجواب السهل هو أن نلوم الشركة التقنية، والتي بدورها ستلوم فريق البرمجة، ولكن الحقيقة أن التعلم الذاتي يجعل ذلك صعبا جدا، لأن الآلة تطور نفسها بنفسها من خلال ارتباطها بكمية هائلة من "البيانات الضخمة" التي تم جمعها من مصادر مختلفة وعبر فترات زمنية طويلة، وهنا يصبح دور المبرمج محدودا في تحمل المسؤولية.

هذا المثال وغيره من أمثلة كثيرة مطروحة تجعل هذه القضية تحت الضوء لدى معظم مراكز الأبحاث المتخصصة في مجال الأخلاقيات عموما، ولكن ما يتم عمله حتى الآن محدود جدا ولا يتعدى بعض الأمور الشكلية فقط. حتى الجهود التي تبذلها الشركات التقنية الضخمة هي ـ كما يقول بعض النقاد ـ مجرد معالجة ظاهرية وإعلامية للموضوع، وتنتهي في الغالب بكتابة تحذير بخط صغير جدا يوافق عليه كل مستخدم بشكل تلقائي دون أن تكون هناك جهود حقيقية وعميقة لمعالجة هذه المشكلات.

وماذا عن المؤسسات التشريعية في الحكومات مثل الكونغرس الأميركي.. لماذا لا يضعون التشريعات التي تضغط على الشركات التقنية لمراعاة الأخلاق في ما يتم برمجته؟ الجواب باختصار لأن معظم الشركات التقنية تحتفظ بخطط التطوير لديها بشكل سري جدا، وهناك فهم محدود جدا لدى المشرعين والمؤسسات القانونية لما يحصل، بسبب تعقيده، وبالتالي يصعب عليهم وضع الأطر القانونية لمعالجة ذلك. وباستثناء حالات بسيطة مثل ما حصل في أبريل الماضي عندما تمت معاقبة فيسبوك لما سمحت بتوجيه إعلاناتها لعرقية معينة، وهو ما يمثل مخالفة صريحة لروح القانون الأميركي، فإن هناك فجوة ضخمة بين التشريعات وبين الجوانب الأخلاقية ضمن أسوار الشركات التقنية العتيدة.

وإذا كان الأمر في الولايات المتحدة وأوروبا فيه الكثير من الأمل بأن يتم معالجة هذا الموضوع بشكل أو بآخر خلال السنوات القادمة، فإن الأمر مختلف في دول أخرى أنظمتها ديكتاتورية ولا تهتم بحقوق الإنسان بشكل عام، وفي نفس الوقت تشهد تطورا سريعا ومذهلا في مجالات الذكاء الاصطناعي. 

تواجه شركات التقنية اليوم تحديا أساسيا مرتبطا بـ"أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"

​​وهذا يعني أنه في ظل غياب جهد عالمي يرعاه المجتمع الدولي فإن التحكم في هذا المجال سيكون من أكبر التحديات التي ستواجهها الإنسانية خلال العقود القادمة. بل أزيد على ذلك، أن الدول المستهلكة للتقنية ربما يكون لديها الحافز الأكبر لمعالجة هذه الموضوعات حتى لا تصبح مناطق للتجارب غير المقننة للشركات التي تجمع البيانات وتعالجها وتستخدمها لتعليم الآلة ما تفعله في المستقبل، ثم تصدر لنا الآلات التي نكتشف مشكلاتها في المستقبل يوما بعد يوم.

بعض روايات الخيال العلمي كانت تصور الآلة على أنه الكائن المثالي الذي يعمل بلا أجندة ولا كراهية أو حقد، ليبني عالما أفضل، وهذا صحيح وجميل، ولكن الصورة الكاملة تقول إن الآلات تعمل كما تبرمجها، وإذا لم تأخذ أنظمة التعلم الذاتي القضايا الأخلاقية في الاعتبار فإن النتيجة ستكون مختلفة تماما.

أعرف أن عنوان المقال متشائم، وهو في النهاية واحد من الاحتمالات لما يمكن أن يحصل خلال عقد من الزمن عندما تؤتي مشاريع تطوير الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ثمارها، وتصبح واقعا في حياتنا، وهناك طبعا الاحتمال الآخر بأن ينمو اهتمام كاف بهذه الموضوعات وتكون الآلة المثال المشرق في التزامها بالقيم الأخلاقية. الإنسان هو الذي يطور الآلة، والإنسان هو الذي سيحدد مستقبلها.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.