تظاهرة طلابية في الجزائر للمطالبة بإسقاط "النظام"
تظاهرة طلابية في الجزائر للمطالبة بإسقاط "النظام"

التقيت ذات مرة أثناء مأدبة عشاء في إحدى الجامعات التي دعيت لإلقاء محاضرة أدبية فيها ببروفسور ينحدر من أصول لاتينية من أميركا الوسطى. جرى ذلك بعد هبوب رياح "الربيع العربي" بسنوات قليلة. قال لي البروفسور باستغراب: "أنا لا أفهم كيف يتردد عندكم في البلدان العربية كافة ما تردد عندنا بالضبط في بلدان أميركا اللاتينية قبل عشرات السنين من المصطلحات نفسها عن /مؤامرة خارجية/ و/مندسين أجانب/ و/عملاء خونة/!" لم أدر بماذا أجيبه، فالتزمت الصمت تماما وغيرت مجرى الحديث، لكن الأرق أصابني تلك الليلة وأنا أستعيد كلامه مرة تلو الأخرى.

عرفت فيما مضى ممثلة مسرحية كانت تتمتع بخبرة واسعة وحضور قوي، لكنها كانت تمتلك خصلة سيئة وحيدة تكمن في تحميل ذنب أخطائها للآخرين. بالتأكيد، ليس المسرح في البلدان النامية مثاليا من حيث ظروف العمل، بل يشبه العمل فيه الحفر على الصخر بالأظافر، ويقتضي من الفنانين تحمل الصعوبات وتقديم التضحيات بجلدٍ بطولي مقابل ربح مادي زهيد. 

لا تنجح المؤامرة الخارجية عندما يكون البنيان متينا وسليما

​​معظم فنانينا الكبار، سنا وقدرا، تعلموا عبر الممارسة والتجربة العملية، من خلال ملاحظتهم لهفواتهم والقيام بتصحيحها في المرات القادمة. عندما كانت تلك الممثلة المخضرمة أحيانا تتعثر في الأداء، كأن تبالغ في التعبير لدرجة التصنع، أو تفقد صدق الإحساس بسبب تكرار المشهد، أو تتلعثم في النطق بالحوار، أو تنسى الحركة التي رسمها لها المخرج، كانت تسارع لإلقاء اللوم على مصمم الإضاءة الذي لم يحسن توجيه بروجكتور معين، أو على مصممة الأزياء التي لم تفصل لها ثوبا مريحا، أو على مهندس الديكور والإكسسوار الذي لم يراع احتياجاتها، أو على فنانة المكياج وتصفيف الشعر، أو على ممثل زميل لها لم يتجاوب مع أدائها، أو على سوء الرؤيا الإخراجية.. إلى آخره من أعذار تهدف جميعا إلى إلقاء اللوم على أي عنصر آخر سواها.

مثال تلك الممثلة، وبالأحرى نموذج الممثلين المشابهين لها في الطبع، يمكن تعميمه ليشمل مختلف أمور الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لاحظت الطبع نفسه يتكرر في مختلف المجالات لدى الوقوع في خطأ، سواء في القرارات الإدارية أم في المناورات الحربية أم في الشؤون السياسية أم في المخططات الاقتصادية. 

الشائع في بلادنا العربية عموما أن ينصب الجهد ـ بدلا من إصلاح الخطأ بوعي وإحساس بالمسؤولية ـ على تبرير الوقوع في الخطأ بإسقاط الذنب على الآخرين، أو على عوامل خارجية أدت إلى وقوعه، وفي طليعتها "المؤامرة".

منذ أن بدأ وعينا بالتفتح، كلما "دق الكوز بالجرة"، تردد عبر أجهزة الإعلام: "إنها مؤامرة خارجية". سمعنا هذا المصطلح يتردد عبر الإذاعات والتلفزة، في الخطابات على المنابر، وعلى ألسنة عامة الناس في الشارع. بدأ الحديث عن نظرية المؤامرة يشيع منذ تجربة الوحدة السورية ـ المصرية، التي أجهضت قبل النضج. لا أحد ينكر، بالطبع، أن تلك الوحدة أحيطت بمؤامرات، وليس بمؤامرة واحدة، ومن قبل عدة أطراف دولية، وليس من قبل طرف واحد. 

لكن السبب الأهم وراء انتكاسة الوحدة لم يكن نتيجة المؤامرات الخارجية في المقام الأول. بدأ التململ يزداد من الأخطاء الداخلية التي شابت الوحدة. لم تكن بعض إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي في محلها بالنسبة لسوريا، وكذلك بعض القرارات المتجاهلة لطبيعة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين الشقيقين. أخيرا وليس آخرا، أضيفت مصيبة استبداد القبضة الأمنية، التي لم يألفها المواطنون السوريون من قبل، والتي اتسمت بالزج بأي معارض في أقبية السجون دون محاكمة، وتعريضه للتعذيب والمهانة، بل القتل المتعمد أحيانا. 

للأسف الشديد، أدت كل تلك الأخطاء إلى انهيار أسرع من المتوقع والمأمول للوحدة، وإن ظلت جماهير "الإقليم الشمالي" تحن بشدة إلى إبداعات "الإقليم الجنوبي" وتتحمس لإنجازاته، وظل أبناء "الإقليم الجنوبي" يخصون أشقاءهم من مبدعي "الإقليم الشمالي" بمعاملة خاصة وتكريم مميز كلما وطأت أقدامهم أرض الكنانة.

قابلت خلال حياتي المهنية عددا لا يستهان به من المسؤولين الواعين للأخطاء، والمنادين بوجوب انتهاج سبل إصلاح جادة للتخلص منها، بحيث يجعلون المواطنين يشعرون بالمساواة في الحقوق والواجبات. دأب هؤلاء على أن يجأروا بالشكوى ـ ولو همسا في جلسات مقفلة ـ من البيروقراطية السائدة، من المحسوبيات والشللية، من الرشوة والتعسف الأمني والقوانين البالية، وجميعها يحتاج إلى إصلاح بالممارسة وليس بإطلاق الشعارات والوعود وحسب. 

تنجح المؤامرات بعد أن يضعف الجسم ويستشري الإرهاق فيه

​​عشنا هذه الأحلام الوردية في انتقاد بعض المسؤولين لواقع ينشدون إصلاحه منذ كان مجرد سماع المرء لجرأة انتقاد يجمد الدم في عروقه، فيتلفت حوله خائفا من اقتحام عناصر مسلحين قاعة ندوة المجتمع المدني ليقتادونه إلى مكان لا يرى الشمس. كان المرء كثيرا ما يتلمس أسفل المائدة ليتأكد من عدم وجود ميكروفون يسجل كلامه كي يضاف إلى الأرشيف المخبأ للحظة المحاسبة، أو يتأمل ساعة الحائط محاولا التأكد أنه لا توجد كاميرا خفية للمراقبة مخبأة فيها. 

في الواقع، كان بعض أولئك المسؤولين يتكلم بصدق إخلاص آنيين، رغم الولاء للنظام الذي يمثلونه، فينادون بضرورة التغيير والإصلاح طالما أنهم يتوقون إلى ازدهار الوطن وأمانه واستقراره. الغريب، أن بعض هؤلاء كان ينسى أو يتناسى أن الإصلاح المنشود الذي يجاهر به همسا يجب أن يبدأ منه شخصيا ومن أهل بيته، سواء في السلوك العام أو في تجنب الحصول على امتيازات نتيجة المنصب. 

بالتالي، لدى أول بادرة احتجاج جماهيري أو حتى إعلامي في صحافة الخارج العربية أو العالمية، كان المسؤولون المنتقدون أنفسهم ينقلبون إلى منكرين لمشروعية الانتقادات وأحقية المطالب التي كانوا هم أنفسهم يرددونها، مبررين الأخطاء التي كانوا يدينونها بالكلام لإرضاء سامعيهم، مفسرين النشاط السلمي على أنه مؤامرة خارجية مخطط لها بدهاء من قبل أطراف خارجية معادية للوطن قامت بتجنيد مرتزقة من الداخل ورشتهم للتنازل عن القيم الوطنية النبيلة والقيام بتخريب مشبوه الأغراض. 

في الواقع، نظرية المؤامرة مستمرة منذ تفتح وعينا على هذه الدنيا، إذ ليس هناك أسهل من أن تعزا المصائب جميعا إلى عامل خارجي، فلا يُشخَّص الداء، ولا يعالج بالدواء.

انصرم القرن العشرون، تغيرت أمور كثيرة في العالم، لكن الاعتقاد بأن المؤامرة مستمرة لم يتغير. ازداد وقع المصطلح وتضاعف انتشاره مع تطور تقنية الاتصالات عبر الشبكة العنكبوتية والفضائيات التلفزيونية المتنامية كالفطر، مما جعل العالم أشبه بقرية صغيرة. 

بالتالي، كلما نشبت أزمة في بقعة معينة من العالم، من أوكرانيا وفنزويلا إلى الجزائر والسودان، ترددت أصوات كالصدى تعزو أسبابها إلى مؤامرة خارجية، وتتجاهل المسببات الداخلية التي أدت إلى نشوئها. بالتالي، فإن تلك الأصوات التي تعزو كل شيء إلى مؤامرة لا تجد المبرر للقيام بإصلاح ملموس يتجاوز سقف التطلعات الشعبية ويحقق "ثورة داخل الثورة". لماذا؟ لأن نظرة الأنظمة والأحزاب إلى الشعوب تتوهم أنها قطعان خراف لا تقوى على التمرد، حتى ولو تعرضت إلى لجوع والعطش، بل حتى لو عوقبت على ثغاء الاحتجاج بالسوق إلى المسالخ.

منذ أن بدأ وعينا بالتفتح، كلما "دق الكوز بالجرة"، تردد عبر أجهزة الإعلام: "إنها مؤامرة خارجية"

​​لا أنكر إطلاقا صحة وجود المؤامرة الخارجية أحيانا. دول العالم القوية تتآمر على بعضها، ويتنافس على النفوذ وتقاسم ثروات العالم، على إنشاء الأحلاف وتنفيذ الأجندات التي تخدم مصلحة هذا أو ذاك دون مصالح الشعوب ـ الضحية. لكن ما يُنجح تلك المؤامرات هو ضعف جهاز المناعة في بلد من البلدان، وليس حنكة المتآمرين. 

لا تنجح المؤامرة الخارجية عندما يكون البنيان متينا وسليما. تنجح المؤامرات بعد أن يضعف الجسم ويستشري الإرهاق فيه. تنجح المؤامرة عندما نتجاهل مسببات المرض، ونعزو أعراضه إلى عوامل خارجية، وليس لخطأ في أدائنا، تماما كما دأبت الممثلة المخضرمة أن تفعل. 

أخيرا، إذا سلمنا جدلا بصحة وجود نظرية المؤامرة، ألا يحق لنا التساؤل: "متى يحين الأوان كي نبدأ بالتآمر على غيرنا؟ ولماذا تقتصر مؤامراتنا على مواطني بلدنا وربما بلداننا العربية الشقيقة، في حين تعرض مؤامراتنا عن سواهم ممن عرف تاريخيا أنهم لا يضمرون لنا خيرا؟".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.