أمير علي، عازف كمان من نازحي الروهينغا
أمير علي، عازف كمان من نازحي الروهينغا

د. ابتهال الخطيب/

الفقر وقح، كريه، يفحّ كأنه حية، يفوح كأنه عفن طازج، يطفح كأنه مجاري مدينة مزدحمة. الفقر مفسدة طبيعية يصعب أن يصاحبها الأخلاق، فالفقر ينخر الروح، يوحشها، حتى لا يبقى منها سوى "مود" البقاء، غريزة الاستمرار على قيد الحياة، مما يقضي معه على كل عرف أخلاقي أو مذهب مبدئي بسيط ظاهر. فالأخلاق والمبادئ الظاهرة البسيطة هي رفاهية الأغنياء، يملكون ثمنها فيمارسونها، أما الفقراء، فلا يملكون ثمن هذه الأخلاق والمبادئ، وبالكاد يتحصلون على ثمن عند بيعها. 

الفقر مسؤولية الأغنياء، وضياع القيم الأخلاقية تحت مظلته إثمهم، فهم احتكروا المنظومة الأخلاقية البسيطة بنفوذهم وأموالهم ليبدوا دائما نظيفي اليد، كرماء، ذوي أشكال لطيفة وأحيانا نفوس عطوفة، متبرعين لذوي الحاجة، أحيانا باذخين للمبرات والمؤسسات الخيرية، ولم لا، هم يملكون ثمن كل ذلك. 

الغني يموت تخمة والفقير يموت جوعا وهذا هو ديدن الحياة

​​أما المنظومة الأخلاقية الأعمق، فتلك تتشرذم تحت سنون آلاتهم، هذه السنون التي تهرس وتطحن الأرواح والأجساد لتصنع الأموال الهائلة والإمبراطوريات المهيبة. يقع الفقير إن مد يده على رغيف ليس له تحت طائلة القانون، نسميه لصا، أما الإمبراطور الذي يغسل الأموال ويسرق الملايين ويطحن الآلاف من الفقراء تحت ماكينته الرأسمالية التي لا ترحم، فهذا اسمه... تاجر.

والفقر هو أسوء روايات القدر، هو الدليل القاطع على النظرية الداروينية التي يلفظها عالمنا العربي المسكين خوفا من اهتزاز عقيدته، فتجده يناضل ويكافح لطرد النظرية من عند عتبات العقل، دون تدبر أو قراءة أو إطلاع، هذه النظرية التي هي اليوم الأرجح والأكثر قوة وتأثيرا في دنيا العلم وخصوصا العلوم البيولوجية والأنثروبيولوجية.

فإذا ما لم تكن كل الآثار والبقايا الإنسانية والماقبل إنسانية من نيانديرثال وهوموإيراكتوس وهوموهابيليس وأثيوبيكوس وغيرها والموجودة في متاحف التاريخ الطبيعي حول العالم دليلا على صحة وروعة النظرية الداروينة للتطور، أفلا يكون الفقر البشع دليلا عليها؟

يقول ريتشارد دوكينز عالم البيولوجيا الشهير إننا لربما تطورنا في الحياة عن طريق النظرية الداروينية، إلا أننا وبكل تأكيد غير مضطرين للعيش في مجتمع دارويني، لسنا ملزمين بأن نحيا في غابة البقاء فيها للأقوى أو الأصلح، يمكن لنا بتطور حسنا الإنساني وضمائرنا وأنماطنا الأخلاقية أن نرفض الغابة الداروينية التي نشأنا منها وأن نطورها إلى مروج رحيمة ضمائرية يساعد فيها القوي الضعيف. 

في بعض الأماكن المتطورة من هذه الكرة الأرضية، مثل الدول الإسكندنافية، هناك محاولات حقيقية لتحويل المجتمع من مجتمع "رعي جائر" على الحقوق إلى مجتمع متطور الوعي والثقافة الإنسانية، مجتمع يترجى أكثر من مجرد البقاء البحت إلى البقاء الشريف الأخلاقي، والذي من أجل تحقيقه يتعاون الجميع متغلبين على خلافاتهم واختلافاتهم وأطماعهم الطبيعية.

الفقر هو أسوء روايات القدر، هو الدليل القاطع على النظرية الداروينية

​​أما في الأجزاء الأخرى الأكثر انتشارا من هذه الدنيا، في مناطق الفقر الضمائري والعوز الأخلاقي والتسابق من أجل البقاء ولو دعسا على أرواح الآخرين، تتجلى أبشع صور النظرية الداروينية، حيث وبمنطق الاختيار الطبيعي الذي تقوم عليه تلك النظرية، يستمر الغني ابن الغني في الحياة، يتحصل على تعليم أفضل، طبابة أكثر تطورا، أماكن عيش أكثر أمنا وصحية، درجات أكبر من السعادة وراحة البال. 

ينمو هذا الإنسان، كما تقول النظرية الطبيعية الناتجة عن النظرية الواقعية والمتأثرة جدا بالنظرية الداروينية، باتجاه واحد مجبر عليه بحكم إرثه الجيني ومحيطه وفرصه التي ستعطيها له الحياة، وهو اتجاه حياة أكثر راحة وأكثر متعة. 

الفقير المعوز، تخبره ذات النظرية الطبيعية أنه سيعيش فقيرا ويموت فقيرا، سيمتلئ بالأمراض وستعبئ روحه بالبؤس وسيفنى مقهورا بلا أدنى فرصة في نوعية ثانية من الحياة.

صورة الفقر البشع تُحفر عميقا في نفس كل من يراها لو كان يمتلك المقدار الأدنى من الضمير الإنساني ومن الغريزة البيولوجية للتواصل والتعاطف وحفظ النوع. لا أنسى المشاهد أبدا، حين اصطحبني والدي شابة صغيرة لمنطقة الدويقة، أفقر أحياء مصر، وألزمني النزول من السيارة والمشي في أحد أزقتها، حين أصر أن يأخذني لمقابر القاهرة لآكل قرص الخبز مع أهلها الأحياء وأقرأ الفاتحة على أهلها الأموات. لا أنسى أسى لاجئي طرابلس مع بداية النزوح السوري، حيث قمنا بعمل زيارة تسليط ضوء إعلامي على الكارثة مع حملة ليان الخيرية؛ لا تغيب وجوههم وأطفالهم، يعيشون في مبان مهجورة وأحيانا في مقالب الزبالة، يلاحقنا الأطفال حين يحين موعد مغادرتنا للسيارة سلاما لا نعرف أنراهم من بعد ذلك اليوم أم سيقتلهم الشتاء القارس القادم.

الفقر مسؤولية الأغنياء، وضياع القيم الأخلاقية تحت مظلته إثمهم

​​وماذا عن عذابات أطفال اليمن وهم يموتون في القرن الواحد والعشرين من الكوليرا؟ ماذا عن مهجري الروهينغا الذين تعد كارثتهم أحد أبشع الكوارث الإنسانية؟ ماذا عن الغرقى الذي ملأواالبحر الأبيض بحثا عن فرصة أفضل؟ ماذا عن صورة إيلان، صورة عمران، صورة محمد الدرة، صور تعلوها نجاسات سياسية، ويختبئ خلفها فقر مدقع، وتنبعث منها الروح الداروينية لجنسنا الغريب؟

هي صورة أخيرة تجمع كل مآسي الدنيا وتثبت بالدليل القاطع لكل متشكك صحة النظرية الداروينية، هي لقطة قتل صاحبها نفسه بعد سنة من التقاطها لبشاعتها، أو لبشاعة شكلنا الإنساني فيها، هي تلك التي التقطها كيفن كارتر لطفل من سودان المجاعة لسنة 1993 والذي انهار (أي الطفل) بعد زحف أميال طويلة ليصل لأحد مراكز الإطعام. في الصورة يبدو الطفل ركاما صغيرا منهارا من العظام، يقف خلفه نسرا ينتظره يموت حتى ينقض عليه. شيء من بقايا أطعمتنا التي نرميها كل يوم كانت لتنقذ هذا الطفل وآلاف غيره، لكننا لا نفعل، لأن الغني يموت تخمة والفقير يموت جوعا وهذا هو ديدن الحياة، وتكذبون داروين؟

اقرأ للكاتبة أيضا: كبرت كثيرا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.