طالبة في البرازيل خلال تدريب على التحقق من الأخبار ومواجهة الأخبار الكاذبة
طالبة في البرازيل خلال تدريب على التحقق من الأخبار ومواجهة الأخبار الكاذبة

لم يعد سرا اليوم أن الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية الأخيرة (2016) مثلت انطلاقة صادمة وغير سارة لاستخدام المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية في نشر "الأخبار المزيفة" (Fake News). استخدمت هذه الأخبار بشكل خاص ضد الحزب الديمقراطي. وبعيدا عن الجدل الواسع حول دور هذه الأخبار في فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنصبه، فإن المؤكد، حسب تقارير الكونغرس والأف بي آي، أن الاستخبارات الروسية ساهمت بشكل كبير في هذه الظاهرة، التي ما زالت حتى يومنا هذا جزءا أساسيا من الصراع السياسي بين الحزبين الكبيرين في أميركا.

الأخبار المزيفة أمر ليس بجديد على صناعة الإعلام، فالصحافة الصفراء مصطلح قديم لتلك الصحف التي تحقق المال من خلال الإثارة الصحفية باستخدام أخبار مزيفة أو مبالغ فيها. ولكنها كانت ظاهرة محدودة، ومن يستهلكون الصحف الصفراء يفعلون ذلك غالبا من باب الترفيه. أما مع تطور المنصات الرقمية وقريبا تقنيات الذكاء الاصطناعي، صارت تلك الظاهرة ـ في رأيي ـ وحشا مرعبا قد يؤثر على صناعة الإعلام بشكل عام ويغيرها جذريا على المدى الطويل.

في 2016، قامت روسيا بتجربة شكل آخر من الأخبار المزيفة

​​تقوم عملية "تزييف الأخبار" بشكلها الجديد على كتابة عناوين مثيرة، ونشرها على الشبكات الاجتماعية، بحيث تقودك لما يبدو وكأنها مواقع إخبارية حقيقية من حيث الشكل والمضمون. ولأن الناس تعودت على أن الإخراج الرصين والهوية الجمالية المناسبة تعني فعلا وجود موقع إخباري حقيقي وراء الأخبار، فهم يتعاملون معها بنسبة عالية من المصداقية، ويساهم ذلك في نشرهم للأخبار إلى أصدقائهم على تلك الشبكات الاجتماعية، وتأتي المشكلة الأكبر حين تتعامل تلك المنصات (خاصة غوغل وفيسبوك) أيضا بمصداقية مع هذه المواقع المزيفة، وتبدأ في إبراز تلك الأخبار للجمهور. لذلك سميت هذه الاخبار المزيفة بمصطلح "Clickbait" أي الطعم الذي يدفعك للضغط على الروابط واستهلاك الأخبار.

هذه الأخبار تحولت في الحملة الانتخابية 2016 إلى ما يشبه كرة الثلج، لأنها مع انتشارها، بدأت وسائل الإعلام الرصينة بمناقشتها ونفيها والتحقيق فيها، وبدأت تشغل الرأي العام، وتحولت لجزء من الخطاب السياسي حينها، وساهم ذلك في زيادة تأثيرها، وبالتالي اتساع الظاهرة تدريجيا.

في 2016، قامت روسيا أيضا وبشكل خاص بتجربة شكل آخر من الأخبار المزيفة، وذلك من خلال خلق عشرات آلاف الحسابات المزيفة على الشبكات الاجتماعية وبث كم هائل من المعلومات والآراء التي تهدف لتوجيه الرأي العام الأميركي في اتجاه معين، دون أن يفهم كثير من الناس ذلك.

أدى نجاح هذه التجربة أيضا إلى تأسيس عدد كبير من الأجهزة الحكومية حول العالم لأنظمة مشابهة للتأثير في الرأي العام. هذه الحسابات كانت في البداية تؤسس يدويا، ثم بدأ مؤخرا استخدام الذكاء الاصطناعي فيها، بحيث تقوم الأنظمة الذكية بكتابة هذا المحتوى، والتفاعل مع الحسابات الأخرى، وخلق حسابات مزيفة تبدو حقيقية، دون الحاجة لجيش بشري كما هو في السابق. هذا الأمر سيتوسع سريعا مع تطور الابتكار في هذا المجال بحيث يمكن للذكاء الاصطناعي خلق مواقع إخبارية وروابط مزيفة ودعمها بشكل ضخم على الشبكات الاجتماعية، مع استهداف ذكي للجمهور المراد التأثير فيه في أي مكان في العالم.

يمكن لأي منا أن يندفع في تخيل ما يعني ذلك على المستوى السياسي والإعلامي والاجتماعي، ولكن مصدر المشكلة الأساسي هو ما أثبتته الدراسات بأن الإنسان يميل لنسيان مصدر المعلومة أو الخبر الذي يصله خلال فترة تتراوح بين ربع ساعة إلى يومين، ومع فقدان مصدر المعلومة، يفقد الإنسان القدرة على تقييم مصداقيتها وصحتها، وقد يتداولها ويتأثر بها دون أن يدري.

أضف لهذا العامل مسألة أخرى وهي عدم قدرة أغلب الجمهور على تقييم المصادر الإعلامية على شبكة الإنترنت، وإيمان كثير منهم بأن كل ما ينشر له نصيب من الصحة، وعدم تخيلهم لوجود فرق ضخمة من الناس على الشبكات الاجتماعية يكتبون ويدافعون عن أي فكرة وينشرون المعلومات المزيفة حسب ما يطلب منهم. هذا ينتشر بالذات، حسب ما تثبته دراسة أخيرة صدرت قبل أشهر، بين الجيل الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاما، وذلك غالبا لأنهم عاشوا لفترة طويلة قبل انتشار ظاهرة تزييف الأخبار.

تقوم عملية "تزييف الأخبار" بشكلها الجديد على كتابة عناوين مثيرة، ونشرها على الشبكات الاجتماعية

​​من غير الممكن أن تتخيل ضخامة المشكلة بدون تذكر عامل آخر مهم جدا، وهو أن الشبكات الاجتماعية تعطيك حاليا أدوات هائلة لتوجيه الأخبار للشخص المهتم بها بالذات عندما تكون هناك ميزانية إعلانية، وهذه كانت مشكلة تم معاقبة فيسبوك عليها من الكونغرس في أبريل الماضي لأنها سمحت للأخبار المزيفة بتحقيق ذلك. الطريف، أن فيسبوك يدفع حصة من دخله الإعلاني للصفحات التي تنشر الأخبار، وكان أكثر 20 موضوع صحفي حقق دخلا ماليا عبر فيسبوك خلال حملة 2016 الانتخابية تابعة لصفحات أخبار مزيفة، وذلك لقدرة هذه الصفحات على كتابة عناوين مثيرة وجذابة جدا للجمهور.

سأكتب الأسبوع القادم عن الحلول المقترحة لعلاج المشكلة، ولكن أيا كانت الحلول فإن المؤكد أن الظاهرة تكبر بسرعة في مختلف دول العالم، وستتحول لعامل هدم حقيقي للصناعة الإعلامية بشكل عام، لأنها باختصار ستقتل مصداقية الإعلام، وما لم يتم معاملتها بجدية على مختلف الأصعدة، سيكون الثمن هو فقدان السلطة الرابعة لدورها.

ربما أيضا تفقد "صاحبة الجلالة" لقبها وتاجها، وتصبح مجرد عازف متشرد على قارعة الطرقات..

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.