فنان يرسم غرافيتي للأديبة توني موريسون
فنان يرسم غرافيتي للأديبة توني موريسون

غيب الموت في 5 أغسطس 2019 الأديبة توني موريسون عن عمر يناهز 88 عاما، آخر من رحل عن عالمنا من أيقونات الأدب. احتل أدب الكتاب الأفارقة ـ الأميركان مكانة بارزة ضمن خارطة الأدب الأميركي المعاصر. عرف الأدب النسائي عامة في بداياته تعاطفا مبكرا مع قضية حرية السود ونيلهم حقوقهم الإنسانية المشروعة من قبل كاتبات بيض، أبرزهن مارغريت ميتشل صاحبة "ذهب مع الريح"، الرواية التي أخرجها سينمائيا فكتور فلمنغ وتقاسم بطولتها كلارك غيبل وفيفيان لي، فنالت على دورها أول جائزة أوسكار أفضل ممثلة في عام 1952.

يذكر تاريخ الأدب أيضا هارييت بيشر ستو صاحبة "كوخ العم توم"، الرواية التي حولت إلى أفلام سينمائية أربع مرات. كذلك، يذكر هاربر لي، صاحبة "قتل عصفور ساخر"، الرواية التي أخرجها روبرت موليغان سينمائيا، ونال غريغوري بك على دوره المحوري في الفيلم جائزة أوسكار أفضل ممثل في عام 1962.

توني موريسون هي أول كاتبة سوداء نالت جائزة "نوبل" للآداب في عام 1993

​​ما لبثت أن برزت أسماء عديد من الكتاب السود الذكور، يتصدرهم كل من جيمس بولدوين، أميري باركة (لوروا جونز)، والمؤلف المسرحي أوغست ويلسون. كذلك، لمعت نجوم كاتبات سود بتزايد، ليحتللن مكانة خاصة من خلال حساسية ورهافة وصفهن لمأساة المعاناة والكفاح من أجل التحرر وإثبات الذات. في طليعة أولئك الكاتبات لورين هانزبري (1930 ـ 1965) مؤلفة "زبيبة تحت الشمس"، المسرحية التي تحولت إلى فيلم سينمائي في عام 1961 أخرجه دانييل بتري ولعب بطولته سيدني بواتييه، وكذلك آليس ووكر (1944 ـ ....)، مؤلفة رواية "اللون أرجواني"، التي حولت إلى فيلم سينمائي شهير أخرجه ستيفن سبيلبرغ وتقاسم بطولته ووبي غولدبرع وأوبرا وينفري وداني كلوفر.

نصل إلى أيقونة الأدب الأفريقي ـ الأميركي توني موريسون (1931 ـ 2019)، التي ألفت إحدى عشرة رواية، وكذلك مايا أنجيلو، زورا نيل هورستون، أوكتافيا ي. باتلر والكاتبة المسرحية سوزان ـ لوري باركس التي كانت أول كاتبة مسرحية سوداء تنال جائزة "بوليتزر" في مجال الدراما.

لكن الأديبة الوحيدة التي نالت جائزة أرفع من "بوليتزر" بينهن هي توني موريسون، لأنها أول كاتبة سوداء نالت جائزة "نوبل" للآداب في عام 1993، وهي أرفع جائزة في عالم الآدب، لم ينلها من العالم العربي كله حتى الآن سوى نجيب محفوظ. بالتالي، تعتبر توني موريسون واحدة من أشهر الأديبات الأميركيات قاطبة في العالم من السود والبيض معا، بحيث ترجمت أعمالها إلى عديد من اللغات العالمية.

ولدت توني موريسون ـ واسمها الحقيقي الكامل هو: كلوي أنتوني ووفورد ـ في عام 18 فبراير 1931 بعد عامين فقط من ولادة مارتن لوثر كينغ الأصغر، وأصبحت أول فتاة سوداء تحصل على مقعد في جامعة "برينستون" العريقة. قضت توني موريسون معظم حياتها في مدينة نيويورك، إلى أن توفيت في مركز طبي فيها بسبب الالتهاب الرئوي.

لم توافق توني موريسون على شعار "اللون الأسود جميل"، الذي شاع في سبعينيات القرن العشرين، واعتبرته سطحيا وخادعا. اختارت هذه الأديبة الشهيرة أن تكون مشاكسة في أعمالها الأدبية وفي حياتها الاجتماعية وصورتها الإعلامية. تركزت رؤية موريسون الأدبية على سرد تاريخي ذي إيحاءات معاصرة يتناول جوانب جوهرية من حقيقة المجتمع الأميركي تاريخيا وواقعيا. تعتمد شهرة توني موريسون على إحدى عشرة رواية ألفتها خلال ستين سنة، إضافة إلى بعض قصص الأطفال ومسرحيتين ونص أوبرالي.

انطلقت شهرة توني موريسون منذ روايتها الأولى "العينان الأكثر زرقة" The Bluest Eyes (1970) التي ترجمت إلى العربية بين عديد من اللغات الأخرى، وهي رواية تدور عن طفلة سوداء صغيرة دأبت على الصلاة كي يمنحها الله عينين زرقاوين لاعتقادها أن ذلك سيغير حياتها ويجعل مستقبلها أكثر بهجة وإشراقا. 

تلتها روايتها المشهورة "محبوبة" Beloved (1987) التي تستند إلى قصة حقيقية جرت إبان الحرب الأهلية الأميركية، وتدور حول امرأة سوداء تقدم على قتل طفلتها كي تنقذها من ظلم العبودية الذي سبق لها أن عانت منه، ويتم إنقاذ تلك الأم (مارغريت غارنر) من الانتحار في آخر لحظة. تتضمن الرواية قصة معاناة تلك المرأة التي نجت بمعجزة من الرق في ولاية كنتاكي، وهربت إلى أوهايو في العام 1956. جدير بالذكر إن "محبوبة" (وهو Beloved بالإنكليزية) هو الاسم الذي أطلقته على طفلتها التي ما يلبث أن يظهر شبحها للأم. حولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي لعبت بطولته النجمة الإعلامية أوبرا وينفري، وأسهمت في إنتاجه.

كما تذكر من بين روايات توني موريسون البارزة الأخرى "سولا" (Sola 1973)، "أغنية سولومون" Song of Solomon (1977)، "جاز" (Jazz 1992)، "الجنة" (Paradise 1997)، "رحمة" (Mercy 2008)، و"يا إلهي ساعد الطفل" (God Help the Child 2015) وسواها. أما آخر أعمال توني موريسون الأدبية فهو "مصدر احترام النفس" (The Source of Self-Respect 2019).

إبداع السود في عالم الآداب والفنون تصاعد باضطراد في أعقاب الحرب الأهلية

​​جدير بالذكر، أن إبداع السود في عالم الآداب والفنون تصاعد باضطراد في أعقاب الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) التي انتهت بانتصار الشمال على الجنوب تحت قيادة الرئيس أبراهام لينكولن وتحرير السود من العبودية. أكمل تلك الرسالة الرئيس جون كينيدي في ستينيات القرن العشرين. بالتالي، فاز النجم السينمائي سيدني بواتييه بأوسكار أفضل ممثل عن دوره في فيلم "أزهار في الحقل" (1964). لمع اسم المخرج الأسود سبايك، سود عديدون ستيف ماكوين، أنطوان فوكوا، جوردان بيل وباري جنكينز. نال المسلسل التلفزيوني "الجذور" المقتبس عن رواية أليكس هيلي نجاحا عالميا، وأصبح اسم بطله "كونتا كينتي" يتردد على كل لسان حتى في العالم العربي، وفاز بجائزة "غولدن غلوب" لأفضل مسلسل تلفزيوني (1978). فاز النجم دنزل واشنطن بأوسكار أفضل ممثل مرتين عن فيلمي "مجد" (1989) و"يوم التدريب" (2002). نال فيلم "12 عاما في العبودية" ثلاث جوائز أوسكار (2014) كأفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس، كما نالت الممثلة لوبيتا نيونغو بجائزة أفضل ممثلة مساعدة. فازت أوكتافيا سبنسر بجائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم "الخادمة" (2012). كذلك فازت فيولا ديفيز بجائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم "أسوار" (2017). هناك نجوم سينمائيون سود كثر اليوم، نذكر من بينهم على سبيل المثال: مورغان فريمان، صموئيل ل. جاكسون، شيتويل إيجيوفور، إدريس ألبا وماهرشالا علي. كما نضيف إلى من سبق وذكرنا من نجمات أسماء ووبي غولدبيرغ، ناعومي هاريس وتاراجي ب. هينسون.

الغريب واللافت للنظر هو عنصر التشابه بين بعض أعمال الكتاب والكاتبات السود من الأفارقة ـ الأميركان في الاحتفاء بالماضي والتراث. في رواية توني موريسون "محبوبة"، يظهر شبح الطفلة التي ترسلها أمها إلى عالم الموت لتنقذها من معاناة تعيسة على أرض الواقع مثلما عانت هي أيام العبودية. في مسرحية أوغست ويلسون "درس البيانو"، يظهر شبح ليثير الفزع وسط العائلة الفقيرة التي ورثت بيانو حفرت عليه منحوتات تمثل تاريخ كفاح السود من أجل التحرر من الرق. هكذا، في حين يلح شقيق بطلة المسرحية على بيع البيانو ليجني مالا يستغله في التجارة، ترفض البطلة/الأم بيع البيانو قطعيا لأن منحوتاته تخلد تاريخ نضال جيل الآباء والأجداد..

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.