عرس شعبي في المنوفية في مصر
عرس شعبي في المنوفية في مصر

الزواج هو ذلك الارتباط الدائم بين رجل وامرأة يحلمان بتحويل تلك العلاقة إلى جنة خاصة بهما على الأرض، لكن هذا الحلم يتبدد جزئيا أو كليا عندما يكتشف كلاهما الفروق التي بينهما، ويتحول ذلك في كثير من الأحيان إلى مشكلات يومية لا تنتهي.

هذه حقيقة يخافها كل شاب/ة أعزب/عزباء مقدم/ة على الزواج، وهي المشكلة التي يعلن بعض خبراء الذكاء الاصطناعي أنهم سيجدون الحل النهائي لها إلى الأبد، وذلك من خلال مساعدة الراغبين في الزواج في اختيار الزوج أو الزوجة المناسبة تماما لكل شخص، بما يحقق السعادة الأبدية بينهما.

بعض المواقع أخذت خطوة إضافية غير مألوفة وطلبت تحليل DNA للمشتركين معها

​​إذا كنت ممن يؤمنون بأن الحب يأتي من أول نظرة، وهو سر السعادة وسحر الوجود، فهؤلاء العلماء لن يقنعونك. ولكن لو كنت أن ترى أن نجاح الزواج يأتي من التوافق الكامل بين الزوجين، فإن هؤلاء التقنيين، وبعضهم من خريجي كبرى الجامعات في العالم، يرون أنهم سيحلون مشكلة تزايد نسب الطلاق وفشل العلاقات الزوجية في العقود الأخيرة، حيث سيتمكن الناس من اختيار أكثر من يحقق معهم التوافق العقلي والاجتماعي والعاطفي، في جهود ضخمة تمولها مواقع وتطبيقات الزواج والمواعدة والتعارف بين الجنسين، حيث يوجد أكثر من 5000 موقع من هذه المواقع حول العالم، تحقق دخلا وصل هذا العام إلى 1,66 مليار دولار مع توقعات باستمرار نموها لتتجاوز 2 مليار دولار في عام 2023.

تعمل هذه التقنية من خلال جمع نوعين من المعلومات:

النوع الأول، معلومات عن الراغبين في الزواج وبناء العلاقات العاطفية، وهم يحصلون على هذه المعلومات من إجابات المشتركين في المواقع والتطبيقات على عدد كبير من الأسئلة تصل إلى 250 سؤال في بعض الحالات، بالإضافة للمشاركة في اختبارات الشخصية بأنواعها. مع الزمن، أدركت هذه المواقع أن هذا لا يكفي لأن بعض الناس يرسمون صورا مثالية أو مزيفة عن أنفسهم، أو أنهم لا يفهمون ميولهم الشخصية فعليا، فلجأت إلى تطوير تقنيات لتحليل الشخصية من خلال السلوك اليومي على الإنترنت أو ما يكتبونه على فيسبوك أو تويتر، حيث يقوم المشترك معهم بإعطائهم الصلاحية للدخول حتى على رسائله الخاصة، بالإضافة للداتا الخاصة بالأماكن التي يذهب إليها وما يبحث عنه على غوغل، وغيره.

هناك أيضا تجارب مكثفة على فهم شخصية الإنسان العاطفية بطرق عديدة أخرى منها مثلا تحليل حركات الجسد أثناء تعارفه على شخص من الجنس الآخر، أو تحليل صوته، وهذه كلها تجارب يقوم بها علماء يجمعون بين القدرة التقنية والتخصص في علم النفس، حتى أن تخصصا جديدا باسم علم النفس الحاسوبي (Computational Psychology) بدأ يدرس في الجامعات الأميركية.

كل هذه المعلومات تستخدم بشكل تقني آلي بحت يستخدم أنظمة "التعلم العميق" لبناء بروفايل غني عن الشخص وميوله ورغباته.

النوع الثاني من المعلومات يشارك في بنائها علماء النفس وتقوم على البحث عن النماذج الناجحة في العلاقات الزوجية والعاطفية، من خلال تحليل تجارب المتزوجين، ودراسات الحياة الزوجية، ونظريات العلاقات الشخصية. أضف إلى ذلك أن هناك شركات تجمع ملاحظات آلاف أخصائيي العلاج الزوجي عبر السنوات وتحولها لبيانات منظمة يمكن أيضا الاستفادة منها في الإرشاد الزوجي بالإضافة لبناء نماذج الزواج الناجح.

مواقع التعارف الكبرى التي بدأت قبل أكثر من 15 سنة تملك قاعدة معلومات عملاقة عن التجارب الناجحة التي تمت من خلال مواقعهم، وهم يستخدمونها لهذا الغرض أيضا، وخاصة أن هناك إحصائيات أن نسبة الأميركيين الذين بدأ التعارف بينهم على الإنترنت تزيد عن 20% في السنوات العشر الأخيرة. موقع eHarmony يمثلا يدعي أن 2% من الزواجات في أميركا تتم من خلاله حيث يتم يوميا عقد 120 حفل زفاف لمشتركين في الموقع.

بعض المواقع أخذت خطوة إضافية غير مألوفة وطلبت تحليل DNA للمشتركين معها، على أساس أن هناك جينات تسمى بـ MHC تحدد الشخص الذي تنجذب إليه، ورغم أن الإثباتات العلمية على ذلك محدودة، ولكنها لقت إقبالا لا بأس به من الجمهور الباحث عن الشريك المثالي في حياته.

بعض المواقع تستخدم تقنية الواقع الافتراضي (VR) لخلق لقاءات عاطفية افتراضية بين الشخصين بدون أن يكون بينهما لقاء فعلي، حتى يحدد كل منهما مدى رغبته في الطرف الآخر، وتطبيقات أخرى تستخدم تقنيات التعرف على الوجه للبحث عن الشخص المثالي مقارنة بصورة لشخص مشهور أو شخص يعرفه المشترك معهم حتى يبحثوا له عن الأقرب شبها له.

هل ستنجح هذه المواقع والتطبيقات؟

شخصيا أرى أنها ستحقق الكثير من النجاح في المستقبل، ولكنها لن تضع يدها على الوصفة الكاملة للتوافق بين الزوجين لأن الحب والانسجام العاطفي فيه كم هائل من الأسرار التي لم يكشفها علم النفس بعد.

بعض المواقع تستخدم تقنية الواقع الافتراضي (VR) لخلق لقاءات عاطفية افتراضية

​​من جهة أخرى، ستتطور هذه التطبيقات بشكل مذهل لأنها تسلك طرقا تمكنها من أن تعرف عن المشتركين معها أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم أو يعرفه أهلهم، وهي تبني على نتائج تجارب إنسانية عديدة جدا تتجاوز تجارب أي شخص واحد، وبالفعل أعلن أحد كبار المواقع أن نسبة الطلاق بين المتزوجين عن طريقه لا تزيد عن 3,8% وهي متدنية جدا طبعا، ولكنه لا يمكن البناء عليها حاليا لأنه لم تمر فترة طويلة على هذه الزواجات.

أفضل ما يميز "الخطابة الاصطناعية" أنها آلية، وتحلل الإنسان دون أن يتدخل في الأمر إنسان آخر، وهذه السرية مريحة للناس في هذا الجانب الخاص جدا من حياتهم، وأكبر ما يعيبها أنها تصطدم مع الثقافات والعادات السائدة.

هل تنجح التكنولوجيا فيما فشل فيه الإنسان عبر العصور؟ ربما، ولكن الأجمل في الأمر أنه سيمكنك دائما أن تلوم التكنولوجيا ولا تلوم نفسك عندما يفشل زواجك.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.