بروفسور إسرائيلي يحمل روبوتا على جراد، يطمح الباحثون الإسرائيليون بأن يحل مكان البشر في الجيش وعمليات الإنقاذ
بروفسور إسرائيلي يحمل روبوتا على جراد، يطمح الباحثون الإسرائيليون بأن يحل مكان البشر في الجيش وعمليات الإنقاذ

من المألوف جدا في أفلام هوليوود أن نرى روبوتا قاتلا، يتحكم به في الغالب بعض الأشرار لتدمير العالم، ويدخل في صراع مع الإنسان، مرتكبا أخطاء فادحة أحيانا لأن في النهاية مجرد "روبوت".

هذا السيناريو الهوليوودي أصبح الآن حقيقة واقعة تماما. هناك سباق حميم بين عدد من الدول في العالم نحو صناعة روبوتات قادرة على خوض الحروب نيابة عن الإنسان. هذه "الروبوتات القاتلة" (Killer Robots) كما تسمى كمصطلح عام تتميز بكونها تخوض الحروب بفعالية عالية جدا، وتكلفة محدودة، وتستطيع القتال في مختلف الظروف المناخية والجغرافية، وعندما تموت، فإنها تموت وحدها دون أن تحصل أي خسائر بشرية بطبيعة الحال.

الروبوتات القاتلة ليست فقط مجرد إنسان آلي يمشي، فهي قد تكون طائرات بلا طيار، أو دبابات ذاتية القيادة، أو أجهزة صغيرة جدا تتسلل على الأرض لتنفجر عند وصولها لهدفها، أي أنها عمليا أي أجهزة تستطيع أن تتصرف بشكل مستقل عن الإنسان، ولذلك فإن اسمها الرسمي هو "أنظمة الأسلحة المستقلة الفتاكة"(LAWS).

يقول الذين يطالبون بمنع "الروبوتات القاتلة" إن هذا هو التوقيت الصحيح لإيقافها

أضف لهذا كله الذكاء الاصطناعي، والذي يجعلها قادرة على القتال واتخاذ القرارات وتنفيذ العمليات دون الحاجة للكثير من التوجيه من طرف الإنسان، وبناء على لوغاريتميات يتم تغذيتها بها، بحيث تحارب على أساسها. يمكن مثلا استخدام تقنيات "التعرف على الوجوه" لتعليمها البحث عن أشخاص محددين، ومهاجمتهم، أو تحديد أهداف عسكرية لها، بحيث تستخدم الروبوتات قواعد المعلومات التي تدخلها لتحديد طريقة الهجوم، وتنفيذها في أرض المعركة.

الحرب بين الروبوتات القاتلة والإنسان بدأت فعلا، فهناك عدد كبير من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومن خبراء الذكاء الاصطناعي وعلماء الأخلاقيات يعملون للضغط على الأمم المتحدة والدول الكبرى لإيجاد قوانين تمنع الروبوتات القاتلة، وخاصة منها التي تعمل باستقلال كامل عن الإنسان (مقارنة بتلك التي يقودها إنسان جزئيا أو كليا)، وهؤلاء يستخدمون شعارا أساسيا هو (أوقفوا الروبوتات القاتلة)، ويعتمدون في حملاتهم على شبكة الإنترنت أو التظاهرات أو الجهود السياسية في المنظمات الدولية والإقليمية.

هؤلاء الذين يحاربون فكرة "الروبوتات القاتلة" ويطالبون بحظرها بشكل مشابه لحظر الأسلحة البيولوجية هم عمليا في سباق مع الوقت لأنه من المتوقع أنه خلال عامين أو ثلاثة نرى الروبوتات القاتلة المجندة بأنظمة الذكاء الاصطناعي أو أنظمة القيادة والرصد الذاتية قد أصبحت متاحة للاستخدام من جيوش الدول. هناك حاليا منافسة هائلة بين خمس دول أساسية هي أميركا وروسيا والصين وإسرائيل وبريطانيا على تطوير الروبوتات القاتلة، لأنه باختصار من يملك القدرة في هذا المجال فهو يملك التحكم في "حروب المستقبل".

هناك رؤية بين العلماء في المجالات العسكرية تقول بأن "الروبوتات القاتلة" هي "الثورة الثالثة" في تاريخ الحروب، بعد ثورة "الأسلحة النارية" الأولى ثم ثورة "السلاح النووي" الثانية، وهذا كاف ليشرح لماذا هذا التنافس الضخم بين الدول، والاستثمار بالمليارات في مجال الروبوتات القاتلة، وليشرح أيضا كيف ستغير هذه الروبوتات طبيعة الحروب العسكرية إلى الأبد.

يقول الذين يطالبون بمنع "الروبوتات القاتلة" إن هذا هو التوقيت الصحيح لإيقافها عن الوجود قبل أن توجد فعلا ويصبح من شبه المستحيل إيقافها مع احتياج كل دولة لها في توازن عسكري مع الدول الأخرى (شأنها شأن الأسلحة النووية)، وهم يرون أن خطر هذه الروبوتات ضخم جدا لأنها ستسهل الحروب بحكم أن الهجوم لن يتضمن خسائر بشرية من الجيش المهاجم وبالتالي ضغط أقل من الرأي العام، كما أنها تقلل تكلفتها المادية، وهذا كفيل بزيادة عدد الحروب في العالم.

أضف إلى ذلك كله، أن عددا كبيرا من العلماء يقولون بأن الأخطاء التقنية لدى هذه الروبوتات، أو وجود أي قصور في لوغاريتميات الذكاء الاصطناعي قد يعني أخطاء قاتلة أو مدمرة تشعل حروبا أو يذهب ضحيتها أبرياء ومدنيين، فضلا عن قصورها في تقييم المواقف المعقدة، وهؤلاء العلماء يؤكدون أنه من المستبعد جدا خلال السنوات القادمة وجود أنظمة تقنية ذاتية القيادة خالية تماما من الأخطاء أو قادرة على التفكير المعقد. وكل هذه القضايا خلقت موقفا معاديا ضمن الكثيرين ضد ما يسمونه "القتل باللوغاريتميات"، ومن هؤلاء مبرمجي شركة غوغل الذين احتجوا بقوة واستقال بعضهم ليضطروا غوغل لإلغاء مشروع "ميفن" Maven المشترك مع البنتاغون لتطوير الذكاء الاصطناعي للروبوتات القاتلة.

"الروبوتات القاتلة" هي "الثورة الثالثة" في تاريخ الحروب

وزارات الدفاع من جهتها تدافع بقوة عن موقفها. هي تقول بأن هذه التقنية قادمة لا محالة، ومن الأفضل ألا تخسر الدولة استراتيجيا إذا قصرت في هذا المجال. وهم أيضا يقولون إن هذه التقنية تقلل الخسائر البشرية في الحروب، والدليل على ذلك أن الطائرات بلا طيار (وخاصة الأميركية) قامت بعدد كبير من العمليات خلال الأعوام القليلة الماضية دون خسائر بشرية بين الجيش الأميركي (وطبعا بدون غضب من الناخبين الأميركيين). أضف إلى ذلك فعالية "الروبوتات القاتلة"، فهي تستطيع خوض الحروب البرية بفعالية، حتى في جغرافيات صعبة مثل الجبال، وهي لا تعرف الخوف والقلق الذي يدفع الإنسان عادة لارتكاب أخطاء.

وبالفعل فعدد من الدول حققت تقدما كبيرا في هذا المجال، وعلى رأسها أميركا، والتي احتفلت هذا العام بغواصة "سي هنتر" (Sea Hunter) ذاتية القيادة، والمتطورة جدا، بينما تستعد الصين لتدشين غواصات مشابهة أيضا. إسرائيل أعلنت عن طائرات بلا طيار مزودة بالذكاء الاصطناعي، بينما دشنت كوريا الجنوبية حرسا للحدود مع كوريا الشمالية من الروبوتات القاتلة التي تستشعر أي محاولات لاختراق الحدود، وتقتل فورا. روسيا كشفت أنها جربت عددا من روبوتاتها القاتلة في معاركها في سوريا.

الخبر السيء هو للعسكريين. كل الدول تتحدث عن كونها ستحتاج عسكريين أقل، وستستغني عن الجيوش البرية، وستقلل تكاليفها العسكرية الضخمة. إذا كنت تحلم بابنك وهو يمضي والنجوم تتلألأ على كتفيه، فربما ينبغي عليك أن تفكر في وظيفة أخرى مختلفة لمستقبله.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.