| Source: Courtesy Image

ماذا يحدث لو هبطت من السماء إلى الأرض زوجة عملاق حاقدة لتثأر لمصرع زوجها العملاق الذي تسبب الفتى جاك بإسقاطه من أعلى شجرة فاصولياء تعلو سحب السماء؟ كيف يواجه البشر الهاربون وسط الغابات تلك العملاقة وهي تحطم بقدميها الأكواخ كما تدمر القصور، غير آبهة بمن تدوسهم عشوائيا من أبرياء؟ هل يفك السحر لعنة العقم ويتيح لخباز وزوجته إنجاب طفل؟ هل تهنأ سندريلا بحب أبدي أم أن عشق الأمير متقلب كمزاج النبلاء؟ هل ستتحرر رابونزيل ذات الشعر الأشقر الطويل من الساحرة وتهنأ بحبيب مخلص أم ستضيع وسط الغابات عرضة للخطر مثل باقي البشر؟

الغريب في ميوزيكال "وسط الغابات" أن الإسقاطات المعاصرة التي أشرنا إليها لم تخطر بالتأكيد على بال مؤلفي قصصها الأصلية وهم يسعون إلى ابتداع حكايات خرافية تمتع الأطفال وتلهب مخيلاتهم، لكن كل المعاني والتفسيرات التي يوحي بها العمل في زماننا الراهن مشروعة.

جدير بالذكر، سبق أن أنتج ميوزيكال "وسط الغابات" (2014) كفيلم سينمائي أخرجه روب مارشال بينما لعبت ميريل ستريب دور الساحرة وإيميلي بلنت دور زوجة الخباز.

ألا تسود شريعة الغاب مناطق عديدة من عالمنا المعاصر؟

​​بالمقابل، نلاحظ أن ميوزيكال "وسط الغابات" يتمتع بشهرة واسعة على مسارح برودواي ولندن. قام "مسرح الكتاب" في غلينكو إلى الشمال من شيكاغو بإحياء هذه القصص بشكل مبتكر، زاده إبداعا إخراج غاري غريفين له في إطار المسرح الدائري المختلف عن العروض التقليدية. جاءت النتيجة انتصارا مسرحيا لافتا للنظر، حافلا بلمحات بصرية حديثة الطراز، منها تجسيد ممثلة لدور بقرة بيضاء، عزف موسيقي حي على المسرح، فضلا عن حكواتي في بزة حديثة يروي لنا أحداث المسرحية، وتأثير العملاق والعملاقة الذي يهز جنبات المسرح دون أن يراهما المتفرج وكأنهما قصف لطائرات "درون" من دون طيار!

في الواقع، تكفي كل واحدة من الحكايات الخرافية التي ألفنا سماعها في الطفولة لنسج أحداث درامية لمسرحية متكاملة، لكن ميوزيكال "وسط الغابات" الشهير صهر أربع حكايات خرافية للأطفال في بوتقة واحدة. ألف كلمات ميوزيكال "وسط الغابات" ولحنه المؤلف الشهير ستيفن سوندهايم عن كتاب من تأليف جيمس لاباين. يستند موضوع الميوزيكال إلى قصص ذات أصول أوروبية. مازالت قصص الأخوين غريم وهانز كريستيان أندرسون ولويس كارول وبياتريكس بوتر حية في عصرنا الراهن، وتوحي بإسقاطات ومعان أوسع طيفا بكثير مما قصده مؤلفوها حين أبدعوها، شأنها شأن كل أدب عظيم.

يطوِّر ميوزيكال "وسط الغابات" حكايات "سندريلا" (تأليف تشارلز بيرول)، "جاك وشجرة الفاصولياء" (عن الكاتبين بنجامين تابارت، ثم جوزيف جيكوب)، و"رابونزيل ذات الشعر الأشقر الطويل" (تأليف الأخوين غريم)، و"ليلى والذئب" (كما تسمى بالعربية، وهي مجهولة المؤلف، وإن أعاد الأديب الإيطالي المعروف إيتالو كالفينو صياغة Little Red Riding Hood بأسلوب وتفسير جديدين)، فضلا عن القصة المحورية التي تضم حبات العقد وهي قصة الخباز وزوجته اللذين يتوقان لإنجاب طفل بتلبيتهما طلبات ساحرة شمطاء.

يقتصر الفصل الأول على حبك نسيج القصص الأربع كما هي من دون تطوير يذكر

​​جدير بالذكر أن ملحن الميوزيكال ستيفن سوندهايم حائز للجوائز التالية: جائزة أوسكار، ثماني جوائز توني، ثماني جوائز غرامي، جائزة بوليتزر، جائزة أوليفييه وميدالية الرئيس للحرية.

أثبت ميوزيكال "وسط الغابات" بأن أدب الأطفال قادر أن يلهم ويمتع الكبار أيضا، إذ علت الضحكات وضجت جنبات مسرح الكتاب الدائري بالتصفيق الحماسي عقب كل أغنية من 22 أغنية حفل بها العرض الممتع لجميع الأعمار.

يقتصر الفصل الأول على حبك نسيج القصص الأربع كما هي من دون تطوير يذكر، إضافة إلى قصة الخباز وزوجته العاقرين. هكذا، نرى الفتى جاك يبيع بتحريض من أمه بقرته العزيزة إلى قلبه ويحصل مقابلها على حبات فاصولياء سحرية تنبت شجرة عملاقة تطال السماء، يتسلقها فيصل إلى مكمن عملاق يملك دجاجة تضع بيضا ذهبيا، فيسرق الدجاجة السحرية ويقطع جذع الشجرة ليوقع العملاق الذي يطارده من علٍ قتيلا.

يوقع الذئب الشرير ليلى ذات العباءة الحمراء في فخه ويلتهمها هي وجدتها، لكن الخباز يشق بطن الذئب بسكين ويحررهما. تقطع شقيقتا سندريلا من زوجة أبيهما أصابع قدميهما كي تحظيا بإعجاب الأمير الباحث عن صاحبة فردة الحذاء الذهبي الصغير، بينما يصمم الأمير على الاقتران بصاحبة الحذاء المفقود حتى ولو كانت خادمة مطبخ.

تتخلص الساحرة من شكلها القبيح وتغدو امرأة قوية الحضور، جميلة الغناء، تسعى للنجاة بروحها مع بقية بني البشر. لا يرى الجمهور العملاق أو العملاقة في العرض المسرحي أبدا، لكننا نشعر بوطء أقدامهما مزلزلا المدرجات في المسرح الدائري، ومؤرجحا الديكور المعلق في سقف المسرح، خالقا تأثيرا من الرهبة أقوى من إبصارهما مجسدين بأشكال تقليدية ضخمة.

بيثاني توماس في دور الساحرة وهي تفرض شروطها على الخباز وزوجته لإنجاب طفل (مايكل بوريسلو)

يختلف الفصل الثاني اختلافا بينا، فهو أكثر تجريبية من حبكات قصص الأطفال المعروفة، بل حافلا بلمسات تصلح للكبار فقط. يقيم الأمير الذي اقترن بسندريلا علاقة جسدية عابرة مع زوجة الخباز في رحاب الغابة. تفقد رابونزيل شعرها الأشقر الطويل على يد الساحرة التي حجبتها عن أعين الناس في أعلى برج لا سلالم له عندما تستخدم رابونزيل شعرها ليتسلق عليه أمير يهواها، ثم تهرب معه إلى رحاب الغابة.

ميوزيكال "وسط الغابات" يتمتع بشهرة واسعة على مسارح برودواي ولندن

​​تنجب زوجة الخباز طفلا، لكنها تعهد به إلى ليلى ذات القلنسوة الحمراء بينما تموت مسحوقة بقدم العملاقة الفالتة من عقالها وهي تسعى للانتقام من جاك الذي تسبب بمصرع زوجها.

تخلص المسرحية إلى حكمة مهمة في النهاية مفادها أن الناجين من أبطالها يتفقون على ضرورة توحيد جهودهم لنصب فخ للعملاقة المعتدية على غابتهم من أعالي السماء، والتي دمر هياجها العشوائي الحاقد الأكواخ كما دمر القصور، وذلك عبر حفر فخ عميق يوقعونها فيه للإجهاز عليها والتخلص من شرها إلى الأبد. يا له من نسيج بارع لحكايات معروفة وقد جمعت مع بعضها في حبكة ذات إيحاءات معاصرة. هكذا، بالرغم من المصائب التي تعصف بأبطال الميوزيكال وتنهي حياة بعضهم عبثا، إلا أنها تنتهي نهاية سعيدة، فالطفل الذي يرمز للأمل يعيش، والعمالقة والذئاب تفنى، وكثير من الأطفال ينضمون إلى ركب الاحتفال بالمستقبل.

ألا نجد، يا ترى، في عالمنا الراهن عمالقة لا نبصرهم بأم أعيننا، لكننا نلمس آثارهم المدمرة تزلزل الأرض وتهدم المعمار من أعالي السماء؟ ألا يحاول عملاق أو آخر الانتقام الحاقد لمصرع حليف أو استعادة دجاجة تبيض ذهبا؟ كم من ذئب يجول وسط الغابات باحثا عن فريسة يخدعها ويوقعها فريسة لجشعه الذي لا يشبع؟ هل يشكل أمل إنجاب طفل أقصى حلم السعادة، أم أن فقدان الحبيبة شهيدة عملاقة هائجة هو بدء التعاسة الأبدية؟ ألا تسود شريعة الغاب مناطق عديدة من عالمنا المعاصر، فتسرح وتمرح فيها عمالقة وذئاب، بينما يطالب بعض السحرة بالمستحيل من أجل أن يستعيد ناسها السلام والأمان والاستقرار؟

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.