التعليم يصنع المستقبل، سواء كان مستقبل الطلبة في المدارس والجامعات، أو مستقبل المجتمع كله.

ولكن الحقيقة الأليمة أن معظم برامج التعليم غير قادرة على ذلك، وتعاني من مشكلات كثيرة: تأهيل لا يتناسب مع التطورات السريعة للعالم، وخاصة مع ثورة المعلومات و"انفجار الذكاء التقني" في العالم، ومشكلات كثيرة غيرها.

هذا التفاوت الكبير بين الواقع والمأمول يجعل النقاش حول التعليم وتطويره ساخنا ومعقدا دائما، ويتوقع أن يزيد هذا في العقد القادم لأن التقنية الرقمية وتقنيات المستقبل ستحدث تغييرات حادة في مختلف القطاعات، وعدم مواكبة ذلك تعني فشل العملية التعليمية، والذي قد ينتج عنه مستقبل فاشل كذلك.

من يتوقف عن التعليم المستمر لن يمكنه مواكبة التطورات في أي قطاع من القطاعات

الأمر الآخر والهام أن الذكاء الاصطناعي وتقنيات المستقبل ستحدث تأثيرا عميقا على خريطة الوظائف المتاحة للناس في المستقبل، مع تغلغل التكنولوجيا التي ستقضي على حوالي 40% من الوظائف اليوم. هذا كله يشرح لماذا توجد الآن منظمات وجهود مكثفة على مستويات كثيرة لمناقشة مستقبل التعليم وتطوير العملية التعليمية.

لعل التغير الأساسي الذي قد يعالج المشكلة ويحصل حاليا بتدرج بطيء في العملية التعليمية هو التحول للفصل الدراسي الرقمي، والمنصات الرقمية في التعلم بدلا من الورق. هذا بطبيعة الحال سيغير طبيعة العملية التعليمية تدريجيا حتى تصبح مختلفة عما هي عليه الآن.

الأنظمة الرقمية بطبيعتها قائمة على تنوع المحتوى (ما بين النص والفيديو والصورة)، وهي تسمح بالتفاعل العالي بين الطالب وبين المادة الدراسية، كما تسمح بخلق شبكات اجتماعية تجمع الطلاب والمعلمين، بحيث يصبح التعلم على أفضل أوجهه. هناك بعض الأنظمة المطروحة حديثا من شركات تقنية تتضمن تجارب الواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والتي تسمح بربط التجربة الحياتية العملية مع المادة النظرية، بينما الطالب جالس على جهازه ويلبس نظارة الـVR. الواقع الافتراضي سيسمح للطالب أن يدخل مصنع كيميائي بينما هو يقرأ عن صناعة مادة معينة، ويتفاعل مع معطيات ما يقرأ. هذا من شأنه أن يغير التجربة التعليمية بشكل كبير.

ولكن المستقبل يحمل أكبر من ذلك بكثير. إذا أضفنا الذكاء الاصطناعي لهذه الأنظمة، بحيث صارت التقنية تحلل رغبات الطالب وإمكانياته وعاداته الدراسية، وتبدأ في بناء منهج دراسي متوافق مع ذلك، بما يخلق تجربة فريدة لكل طالب. هذا يعني أن التقنية ستساعد في تحقيق أقصى قدرات الطالب، وفي نفس الوقت المضي به نحو أهدافه الأكاديمية والعملية بدقة.

يقول أحد مفكري التقنية الأميركيين البارزين بأن القرن الـ21 لا يتكون من 100 سنة بل من 2000 سنة، لو قارنا التطور الذي سيحصل فيه بمستوى التطور في يومنا هذا. في تطور سريع مثل هذا لا ينجو في الحياة العملية إلا من يملك قدرات إبداعية وتحليلية عالية (لأن الآلة لن تستطيع فعل ذلك)، ومن يملك القدرة العالية على التعلم الذاتي (لأن المتطلبات ونوعية الخبرات تتغير كل يوم)، ومن يملك القدرة على حل المشكلات العملية. هذا ما سيركز عليه تعليم المستقبل.

هذا أيضا يعني شيء آخر: التعليم لن ينتهي مع انتهاء الدراسة الجامعية بل سيكون مستمرا بشكل منظم طوال سنوات حياتنا العملية. من يتوقف عن التعليم المستمر (على شكل دراسة أو تدريب) لن يمكنه مواكبة التطورات في أي قطاع من القطاعات.

هناك مشكلة كبيرة حاليا بين الطلاب وهي الملل من المادة العميقة والطويلة، بسبب تعودهم على استقبال رسائل سريعة وبسيطة على أجهزة الموبايل طوال اليوم. التقنية ستسمح بتحويل المادة بحيث تكون ممتعة أكثر، وتكون على شكل جرعات صغيرة، وربطها بالألعاب والترفيه، بحيث تستطيع جذب الطلاب على التعلم بشكل مستمر.

أنظمة البيانات الضخمة عندما تستخدم في التعليم ستعني أن هذا الجمود في تطوير التعليم سينتهي

من ميزة الأنظمة التعليمية التقنية المتقدمة التي يتوقع أن تأتي خلال السنوات العشر القادمة أن تجعل الآباء والأمهات جزءا من العملية التعليمية، وخاصة مع اعتماد الأجيال الجديدة على أسرهم بشكل أكبر، وهذا يعني أن هذه الأنظمة ستضع جزءا أساسيا من المتابعة على الأسرة أو المدرس الخصوصي.

التقنية ستسمح بجمع بيانات كل طالب منذ أول يوم دراسي في حساب موحد يحمل كل تطوره الدراسي، ويوضح قدراته الخاصة، والموضوعات التي يميل إليها، وكيفية معالجته للمشكلات، وهذه البيانات ستساعد على التقييم المستمر من الجهات التعليمية، للطالب أولا، ولكن الأهم لمجموع الطلاب، وملاحظة المشكلات، ومعالجتها. أنظمة البيانات الضخمة عندما تستخدم في التعليم ستعني أن هذا الجمود في تطوير التعليم سينتهي، وسيكون التطوير مستمرا بناء على معلومات دقيقة وواضحة عن الطلاب ومشكلاتهم واحتياجاتهم.

أذكر مرة أنني طلبت من ابني وكان عمره ستة سنوات أن يسألني إذا صعب عليه شيء من مواده الدراسية، وأجابني باستغراب: لماذا أفعل ذلك وعندي يوتيوب؟ وكانت العبارة التي قطعت قول كل خطيب.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.