جانب من جلسة المفاوضات السورية السابقة في أستانا
جانب من جلسة المفاوضات في أستانا

مصطفى فحص/

في كتابه الأخير عن تجربته الدبلوماسية يروي نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز الذي عمل سفيراً لبلاده في موسكو عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أحد الإجتماعات عندما وجَّه بوتين كلامه لبيرنز بعد انتقادات واشنطن لتوجهات موسكو في السياسة الخارجية "ليست مشكلتنا إذا كانت يدانا ضعيفتين، لكن نستخدمهما بشكل قوي بينما يداكما قويتان، لكنكم تستخدمونهما بشكل ضعيف". فموسكو التي عادت وكررت نموذج العاصمة الشيشانية غروزني في خان شيخون السورية تصرفت وهي على قناعة أن إعتراض واشنطن لن يتعدى مستوى الإدانة أو اللجوء إلى مجلس الأمن، حيث تتساوى من جديد يد موسكو الضعيفة التي ترفعها منذ 2011 ضد أي قرار يُدين نظام الأسد أو أعمال الإبادة الجوية التي يمارسها طيرانها ضد مناطق المعارضة باليد الأميركية القوية لكنها مكبلة بقرار الانكفاء الأميركي عن نزاعات الشرق الأوسط، والذي انعكس ترددا في إتخاذ قرارات حاسمة في الأزمة السورية، الأمر الذي استغلته روسيا من أجل فرض شروطها على جميع اللاعبين، ما أدى إلى حصر الصراع على سوريا بين ثلاثي آستانا وإخراج العامل العربي والغربي من المعادلة.

عمليا نجح الرئيس الروسي بالرغم مما تعانيه بلاده من ضعف في إمكانياتها الإقتصادية والمالية في فرض معادلته ليس فقط في الحرب السورية بعدما نحج في قلب الموازين العسكرية لصالح نظام الأسد وإيران، بل حوّل إنتصاره إلى معادلة جيوسياسية جديدة فرضت نفسها على التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط، باتت أقرب إلى نظام إقليمي جديد، قادر على فرض أجندته ومصالحه على المجتمع الدولي. ففي قمة أنقرة الثلاثية (روسيا، إيران، تركيا) ظهرت أنقرة في الموقع الأضعف بين شركائها، حيث أبدت مرونة واضحة في تعاطيها مع مطالب موسكو وطهران بالرغم من تناقضها مع مصالحها التقليدية في سوريا والمنطقة، ما دفع بعض أطراف المعارضة السورية إلى التوجس من أن تقوم أنقرة بتكرار سيناريو حلب في إدلب بحجة القضاء على التنظيمات الإرهابية، خصوصا أن عدة اجتماعات عقدتها جهات تركية مع المعارضة السورية قبل قمة أنقرة أبلغتهم أنها غير قادرة على تقديم ضمان لحمايتها وأنها تبذل جهدا كبيرا من أجل استمرار وقف إطلاق النار، وهذا ما يَفرض على المعارضة أن تبادر إلى مواجهة الفصائل الإرهابية مثل (النصرة وحارس الدين وجيش العزة) لقطع الطريق على أي عملية عسكرية روسية في إدلب لن تُميز بين فصيل معتدل وآخر متطرف، بما يوحي أن أفضل السيناريوهات التي ستواجهها المعارضة مستقبلا في إدلب هو تطبيق نموذج درعا في مناطق في إدلب، بحيث تفرض التطورات العسكرية المحتملة القبول بدخول الشرطة العسكرية الروسية لمناطقها.

فإمكانية الوصول إلى حلّ في إدلب بات مفصولا عن الوقائع الميدانية والسياسية في مناطق ريف حلب الشمالي وشمال شرق سوريا، حيث تحتاج أنقرة من أجل إعادة جزء من النازحين وهو ما يرغب الرئيس الروسي في تنفيذه من أجل تثبيت العودة الآمنه للنازحين تحت رعاية ثلاثي آستانا بعيدا عن شروط الأمم المتحدة. والذي يعطي دفعة كبيرة لعمل اللجنة الدستورية، ما يعني انطلاق العملية السياسية بالرغم من تحفظ الطرف الإيراني على عملها ومطالبته بأن ينحصر في القيام بمراجعة بعض بنوده وليس القيام بكتابة دستور جديد، حيث يتضح هدف إيران في الإبقاء على الهيكلية الأساسية للنظام دون تغيرات جوهرية وهذا ما تدعمه روسيا والتي أمنت له غطاء الشرعية الدولية من خلال القرار 2254 الذي ينهي كافة مقرارت مؤتمرات جنيف من التداول.  

أنقرة الحائرة ما بين التماهي مع شروط موسكو الصعبة وبين المراوغة الأميركية في التوصل إلى حلّ مقبول في مناطق شرق الفرات حيث تتمسك واشنطن بمعادلة تطبيق آلية أمنية مشتركة مع أنقرة ينحصر عملها بدوريات برية وطلعات جوية مشتركة ولا تتضمن سحب السلاح الثقيل من الوحدات الكردية، فيما تطالب انقرة بمنطقة آمنة بعمق 30 كلم وامتداد 410 كلم ما يساعدها على إعادة أعداد كبيرة من اللاجئين وهذا ما رفضته واشنطن وحصرته بعودة أهل المنطقة فقط.    

عدم الاستجابة الأميركية للمطالب التركية في شمال شرق سوريا، ساعد طهران وموسكو على انتزاع موافقه تركية على بند التمسك بوحدة الأراضي السورية ورفض المشاريع الانفصالية أو الحكم الذاتي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، حيث أكد المجتمعون في أنقرة على (عزمهم على معارضة الخطط الإنفصالية الرامية لتقويض سيادة ووحدة أراضي سوريا وتهديد الأمن الوطني للدول المجاورة) وهذا يعطي مؤشرات خطيرة حول مستقبل الأراضي السورية التي تخضع لسيطرة المعارضة، بحيث تصبح أنقرة مضطرة إلى التفاوض حول مستقبلها مع موسكو وطهران، مقابل أن موقفهما معها ضد أي توجه من أجل تثبيت حكم ذاتي كردي شرق الفرات. 

وعليه فيما تبدو موسكو أكثر إصرارا على فرض تحالف مصالح إقليمي بالرغم من تناقض الانتماءات العقائدية والسياسية لأعضائه والتي يصعب تجاوزها وهي قابلة للانفجار في أي لحظة تحول إقليمي أو دولي اتجاه المنطقة، لكنها تحاول كسب الوقت لتثبيت حضورها في المياه الدافئة فيما تستغل لطهران مسار أستانا في حماية نفوذها الإقليمي، بينما تزداد الضغوط الداخلية والخارجية على الدولة التركية العالقة ما بين الحفاظ على مصالحها الدولية وحماية أمنها القومي والالتاف على ابتزازات شركائها الأعداء.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟