من احتجاجات سابقة في الأردن
من احتجاجات سابقة في الأردن

نضال منصور/

حين تطالع الأرقام والنتائج التي كشفها استطلاع مقياس "الباروميتر العربي" لواقع الديمقراطية تصاب بإحباط شديد، وتشعر بأن أفق الإصلاح السياسي والاقتصادي مسدود، وتجتاحك نوبة من القلق على مصير ملايين الناس الذين تفتك بهم أنظمة مستبدة، إذا لم ينهكهم الجوع والفقر.

منذ عقود من الزمان تتاجر أنظمة الحكم في العالم العربي بشعارات كاذبة، ليس أولها ولا أخرها مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والحقيقة أنهم يرتعون بالفساد، وأوقفوا عجلة التطور والنماء لأوطان كان يمكن أن تصبح على خارطة الحياة، بعد أن غرق غالبها بالجهل والتخلف.

لا يتخلى الزعماء في بلادنا عن السلطة إلا بقانون "الموت الإلهي"، أو بالانقلاب والثورة عليهم، كلهم يتشبثون بكراسيّهم إلى الأبد، فهم يعيشون في قصور، وشعوبهم تعيش في القبور.

دققوا في المشهد العربي منذ ما سُمي بـ "الربيع العربي"، جل الدول التي ثار شعبها ضد زعمائها إما قتلوا أو حوكموا بتهم الفساد واستغلال السلطة، ولا أحد منهم غادر إلى منزله مطمئناً ليمارس حياته كمواطن كما يفعل زعماء العالم في بقاع الأرض.

اليوم يجلس الرئيس السوداني السابق عمر البشير خلف القضبان بشكل مذل بعد أن أطاحت به ثورة شعبية، ويستمع إلى لائحة طويلة من الاتهامات بسرقة أموال الشعب السوداني والرشوة والتواطؤ ضده.

وعلى ذات الطريق بمضي الجزائر بعد رحيل الرئيس السابق بوتفليقة بعد رفض التجديد له، واشتعال البلاد باحتجاجات غير مسبوقة، اليوم يقاد رموز الحكم السابقين الى المحاكمات التي تُظهر بشاعة الحكومات المستبدة، والقهر والظلم الذي يعيشه الناس في العالم العربي ويمنع عليهم الاستمتاع بخيرات وثروات بلادهم الوفيرة.

ربما كان الأردن والمغرب استثناءً في "الربيع العربي" إذ استطاعت أنظمة الحكم الملكة الانحناء للعاصفة، وامتصاص غضب الناس بإصلاحات سياسية واقتصادية مكنتهما من تجاوز فترة عصيبة بأقل الأضرار، وتحركا للتأقلم مع المتغيرات بإعادة إنتاج صورة أخرى أكثر مقبولية.

عمان التي كانت خارج دائرة القلق والخطر إبان الربيع العربي تعيش اليوم على وقع أزمات مركبة تستعصي على حلول عاجلة، وتقف الحكومات عاجزة عن التعامل معها.

للأسبوع الثالث يعيش الأردن في كل بيت على وقع "إضراب المعلمين"، وكل اللقاءات بين الحكومة ونقابة المعلمين لم تثمر حلولاً، ومعركة "عض الأصابع" مستمرة، وشيطنة نقابة المعلمين والتحريض عليها لا يتوقف.

واقع الحال أن أزمة "إضراب المعلمين" أكثر قسوة وتأثيراً على الحكومة من أزمات كثيرة مرت سابقاً، وتتعمق المشكلة أكثر وأكثر إذا كانت الحكومة ليست صاحبة الولاية في إدارة هذا الملف، ولا تستطيع أن تجتهد أو تبادر خارج النص.

حتى الآن لا يعرف إلى أين يمضي إضراب المعلمين، هل ستقدم الحكومة مبادرة تنصف المعلمين والمعلمات فتقنعهم بتعليق الإضراب والجلوس على طاولة المفاوضات لاستكمال المشوار، أم ستتجه لمعركة "كسر عظم" عنوانها حل مجلس نقابة المعلمين باعتبارهم حسب التوصيف الحكومي يضرون بالعملية التعليمية.

"إضراب المعلمين" صورة لحال الأردن المعجون والمطحون بالمشكلات المتعددة الوجوه والأشكال، فهو بالكاد يستطيع تدوير أزمته الاقتصادية والسيطرة عليها، فيجد نفسه محاصراً بنيران إقليم يحترق بالحروب والصراعات التي لا تنتهي.

سوريا جرح نازف ومتفجر على حدوده، العراق لم ينهض ولم يتعاف بعد، وماكينة شبكة المصالح بين عمان وبغداد لم تشتغل حتى الآن، والسعودية أصبحت تحت مرمى التهديد والنيران، وحكم نتنياهو المزعج للأردن لم يسقط وما زال يصارع حتى الرمق الأخير.

النسخة الأردنية من استطلاع "الباروميتر العربي" بالشراكة مع مركز الدراسات الاستراتيجية لم تُقرأ جيداً، ولم يُسلط الضوء عليها، وهي تتماهى مع الواقع المأزوم الذي ينتج أزمات جديدة، وإضراب المعلمين نموذجاً.

الأكثر قتامة بالصورة حين يصف 77 بالمئة من الأردنيين الوضع الاقتصادي الحالي بالسيء، وهذا يعكس حالة التشاؤم بإصلاح الحال.

طبعاً الوضع الاقتصادي الأردني لم يكن جيداً على الأقل في آخر في عشر سنوات، ولكن في عام 2007 كان 45 بالمئة من الأردنيين يرون الوضع الاقتصادي سيئً، وفي عام 2011 كان فقط 50 بالمئة يجدونه كذلك، ولم يصل الأمر لهذا السوء من قبل.

الصورة السوداوية لحال الاقتصاد ربما كانت المفتاح لفهم أن 45 بالمئة من الأردنيين في ذات الاستطلاع يفكرون بالهجرة خارج الأردن، والمؤلم أن غالبيتهم من الشباب والشابات من أعمار 18 – 29 عاماً، و83 بالمئة منهم يسعون للهجرة لأسباب اقتصادية.

 مثل "أحجار الدومينو" تتساقط تباعاً، فإن سوء الوضع الاقتصادي يدفع الناس للهجرة، والسبب لذلك الفساد، وهو ما يجاهر به 89 بالمئة من الأردنيين الذين شملهم الاستطلاع، إذ يشيرون إلى انتشار الفساد، لينضم الأردن إلى أربع دول عربية يعتقد مواطنوها أن الفساد منتشر وهي (العراق، لبنان، ليبيا، فلسطين).

المؤشر الوحيد الذي يحلق خارج سماء الإحباط أن 91 بالمئة من الأردنيين ما زالوا يؤكدون على توفر الأمن والسلامة الشخصية لهم ولأفراد أسرهم.

شعور الأردنيين بالأمن والأمان نقطة قوة، وربما تكون "مربط الفرس" للنجاة ولصمود الأردن رغم العواصف العاتية التي تعرض لها وما زالت تهدده وتقلقه.

التغني بالأمن وإطلاق الشعارات البراقة وحدها لا يكفي، ولا يمضي ولا يأخذ البلاد إلى بر الأمان، والمطلوب تدابير عاجلة تنقذ الدولة، وتعيد للناس الثقة بأن الأردن وطن يستحق.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.