متصوفون يحيون ذكرى الرومي
متصوفون يحيون ذكرى الرومي

عمران سلمان/

في الثلاثين من سبتمبر تطل الذكرى (812) لميلاد جلال الدين الرومي، ويحتفل بهذه المناسبة الكثير من الناس حول العالم، وخاصة في مدينة قونية بتركيا، التي عاش وتوفي فيها الرومي. والواقع أني لطالما أحببت الحديث عن الرومي، ولطالما شعرت بأن ما سأكتبه أنا أو أي أحد آخر لن يفيه حقه. فهل يمكن لجدول صغير أن يتحدث عن عظمة النهر؟ عزائي فقط أني لا أزال أملك القدرة على الحديث.

شحنة حب خالصة

لو شئت لقلت إن جلال الدين الرومي لم يكن إلا شهابا نزل على الأرض كي يغير ما في ساكنيها من طباع، فينقل من أراد منهم  من حالة التوحش إلى حالة الأنسنة، ومن حالة  انحلال القدرة واليأس إلى العافية والهدف المشترك.

للذين يعرفون والذين لا يعرفون، الرومي لم يكن مجرد شاعر أو مرشد روحي، لكنه كان تجليا لروح إلهية، مكنته من أن يرى ويسمع ويرصد ما لا يمكن أن يرى في الحالة الطبيعية.

طبعا يدهش كل إنسان هذه الشحنة الهائلة من الحب الذي يبديه الرومي لكل ما في الكون. إنه لا يميز في ذلك بين إنسان وآخر، سواء على أساس اللون أو العرق أو الجنس أو القومية أو الدين أو أي شيء آخر.

هذه الطاقة الهائلة من الحب تجتاح الجنس البشري كله، حتى لا تبصر فيها أي شيء آخر سوى محبة الله الخالصة.

كيف يمكن أن يتماشى هذا الحب الإلهي مع فكرة أن الله يقتص أو يعذب البشر؟ في اعتقادي لا يوجد شيء من هذا القبيل. هناك شيء واحد فقط وهو أن الله خلق البشر بقوة الحب ويعيدهم إليه بقوة الحب أيضا.

أفكار الشر والكره والتعذيب هي أفكار بشرية لا تليق بالله ولا تأتي من الله. الذين يروجون لها أحرار في ذلك، ولكن لا يمكن أن يقنعونا بأن الله قد فرضها أو نادى بها.

التقاء البحرين

لقاء الرومي مع الدرويش الصوفي شمس التبريزي كان هو الفصل في التحول الذي مر به الرومي. فقد كان قبلها فقيها إسلاميا تقليديا، لكنه ما أن تسللت إليه أشعة الحقيقة، على يدي شمس، حتى هجر الحرف والقلم، وطفق يبحث عن المعنى والقالب.

في المعنى الصوفي كان هذا اللقاء بمثابة التقاء البحرين. أيضا في المعنى الصوفي اللقاء ليس هو بين الأشخاص أو الأسماء ولكن لقاء الأرواح قديمها بحديثها وما تنقله لها من معارف ومكنونات.

كان شمس التبريزي يبحث عن "إناء" يستطيع أن يسكب فيه ما وصله من معارف وإدراكات وما تجلى له من "أسرار إلهية" وكان الرومي هذا الإناء الجاهز، وربما آتاه هاتف في المنام يخبره بقرب هذا اللقاء وما سيحدث له بسببه.

لم تكن مهمة شمس نقل أية معرفة أو معلومات للرومي، فالأخير كان فقيها وعالما، ولكن مهمته كانت "إماتة" الرومي الذي صار حتى ذلك الوقت، للسماح بخلق الرومي الذي سوف نعرفه وتعرفه البشرية بعد ذلك الوقت. والإماتة هنا هي من نصيب النفس أو الأنا لدى الرومي، "موتوا قبل أن تموتوا". فلا سبيل لوضع شيء جديد في إناء الإنسان ما دام ممتلئا. لا بد أولا من إفراغه مما فيه. وكانت هذه العملية بمثابة تعذيب للرومي نفسه. فقد كان عليه أن يأتي بأفعال ويقوم بأمور غريبة وغير مفهومة بالنسبة له، من ذلك الذهاب إلى الحانة ومجالسة الشاربين، رغم مكانته الدينية، أو ىاللقاء بأفراد وبشر، لم تكن مكانته أيضا تسمح له بذلك.

حرارة "شمس" بقيت مع الرومي

كان ذلك كله ضروريا من وجهة نظر شمس التبريزي لإماتة "أنا" الرومي، وقد نجح في ذلك أيما نجاح. فالرومي قبل شمس ليس هو بعده. كانت الحرارة التي تشع من شمس كافية لإذابة كل ما علق في نفس الرومي من حجب الغفلة، وكانت الطاقة النابعة من شمس هي التي بقيت مع الرومي، حتى بعد وفاة شمس، وهي التي فجرت لديه الشعر والنظم وألهمته الذِكر المولوي- هذا النوع من الذكر يقوم على دوران الإنسان حول نفسه، في محاكاة لدوران الأفلاك والكواكب والنجوم، ودوران الذرات والجزيئات وكل ما في الوجود.

لقد كتب الكثير عن الرومي، وسيكتب أكثر، وقد ترجمت أشعاره وأقواله إلى العديد من اللغات، وهو أكثر شاعر مسلم معروف في الغرب اليوم. لكن كل ما كتب عنه يظل مجرد قطرة في بحر الحضور الروحي الهائل للرومي.

يقول الشاعر الإيراني المعروف حافظ "إن الرومي لم يكن نبيا، ولكنه أوتي كتابا" في إشارة إلى كتابه أو ديوانه المثنوي. 

_________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.