مبنى وزارة الخزانة الأميركية
مبنى وزارة الخزانة الأميركية

مشرق عباس/

لا يجدر أن تقف الحكومة العراقية متفرجة على عقوبات تصدر ضد عراقيين من قبل وزارة الخزانة الاميركية بتهم مختلفة، عليها أن تفتح تحقيقات جادة داخل العراق حول ظروف وملابسات هذه التهم خصوصا أنها انتقلت أخيرا من التعاون مع منظمات محظورة أميركيا، إلى اتهامات فساد وسرقة وتلاعب بأموال النازحين، وقد تزحف باتجاه قيادات سياسية وأصحاب مصارف ورجال أعمال.

والسؤال المطروح في هذا الصدد، لماذا تكتفي المؤسسات الرسمية العراقية بالتفرج؟ الصمت حول هذه القضية الخطيرة يكشف عن اتجاهين لا ثالث لهما، الأول أن الحكومة تقر بتورط هؤلاء المشمولين بالاتهامات التي سيقت لهم، ولو كان هذا صحيحاً فإن على بغداد التحرك نحو المشمولين خصوصاً بتهم فساد ضمن الإجراءات القانونية العراقية بعد طلب المعلومات الكافية من الخزانة الأميركية، والثاني أن الحكومة تعتقد ببراءة المشمولين من الاتهامات الأميركية، وفي هذه الحال يجب أن تتحرك لمنع تعريض مواطنين عراقيين إلى تهم غير حقيقية.

وفي كلا الحالين، يمكن للحكومة العراقية تشكيل لجنة عليا لإجراء تفاهمات وتحقيقات ومنافذ سواء للاستفادة من وثائق الخزانة الاميركية، او لتزويدها بالوثائق المطلوبة لتبرئة من لايستحق العقوبات.

ومع إدراك أن العقوبات المفروضة على عراقيين لبعضها دوافع سياسية، فإن التعاطي معها حتى من قبل المشمولين أنفسهم يتم بطريقة مختلفة تماماً عن التصور الأميركي، فابتسامات الفرح التي يوزعها المشمولون بالعقوبات حقيقية وليست مزورة، فالجميع في العراق يدرك أن العقوبات المالية الأميركية مهما كانت قاسية ويمكن أن تشل حركة بعض السياسيين ورجال الاعمال مالياً واقتصادياً وعلى مستوى تنقلاتهم الخارجية، فإنها في وجه صادم منها تدفع بهم إلى المزيد من الاندفاع نحو الحضن الإيراني الحاني عليهم.

عندما يقول احد المشمولين إن: "مكافأة طهران كبر من عقوبة واشنطن" فهو جاد فعلاً، لأن إيران لديها الأدوات لمكافأة حلفائها مالياً وسياسياً وأمنياً بما يجعل شمولهم بالعقوبات مجرد منحة، فيما تجتهد الولايات المتحدة وتبدع ليس بالعجز عن تكوين حلفاء عراقيين منذ 16 سنة، وإنما في تحويل العديد من المحايدين والقوى والشخصيات الوطنية إلى أن يصبحوا أعداء صريحين لها.

قد تكون للعقوبات ضد عراقيين مبررات أميركية لا تتعلق بالعراق، فهي في الغالب تخص الموقف من الحرس الثوري الإيراني وحركة تجارته وأمواله ومن يساعد في ذلك من غير الإيرانيين، لكنها وهي تقترح التعامل مع الوضع العراقي على وضع فرضية إما أن تكون معي أو ضدي، وتفرض عقوبات أحياناً بأثر رجعي يسبق حتى قرار العقوبات الأميركية ضد إيران والحرس الثوري، فإنها تهمل معطيات أساسية تتعلق بتسهيل تسليم المزيد من المصالح العراقية بشكل صريح إلى إيران، تماما كما فعلت بعد العام 2003 عندما وجهت الدعم والمساعدة للمنظمات والأحزاب والشركات التي رفعت الشعارات الطائفية.

وإن تنتقل مواقف واشنطن وتتذبذب من إيران بين مرحلة وأخرى، فإن وجود متعاونين مع طهران مالياً وسط هذه المراحل، متورطون عملياً في هذه التعاملات، ليس لأن "مكافأة طهران أكثر تأثيراً من عقوبات واشنطن" وإنما أيضاً لأن "عقوبات طهران أشد فتكاً من مكافأة واشنطن"!

ولهذا تحديداً نقول أن على بغداد التداخل في هذا الملف والعمل على تسويته بالتعاون مع الخزانة الأميركية حفاظاً على المصالح المالية العراقية، ولأن المشهد بحاجة إلى شرح تفصيلي دقيق من وجهة نظر عراقية، وأيضاً لأن العقوبات بشكلها الحالي لن تقود سوى إلى الدفع بالمزيد من الملتحقين بإيران سابقاً او حالياً ومخيرين بذلك أو مضطرين، إلى قمة القرار السياسي العراقي بمساعدة إيرانية.

مشكلة العراق معقدة، والدفع باتجاه تمكين الدولة في العراق ودعمها لتحقيق الاستقلال في قرارها السياسي، يجب أن يكون الشاغل الأساسي للجميع ومن ضمنهم واشنطن وطهران معاً، فكلاهما سوف يحتاج عاجلاً ام آجلاً إلى دولة حقيقية وليست شكلية ومهلهلة في العراق لحفظ توازنات المنطقة في ضوء استعداد اقليمي ودولي، يبدو انه متجه إلى صوغ تسوية سياسية ما للشرق الأوسط المضطرب، بعد المضي بالاضطراب إلى أقصى إمكاناته.

------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.