تمثال الحرية في مدينة نيويورك
تمثال الحرية في مدينة نيويورك

ذكرني عنوان رواية فلاديمير نابوكوف "دعوة إلى الإعدام" بعدد من الأدباء الروس الذين لم ترض ضمائرهم السكوت عن فظائع الاستبداد وموبقات الفساد، فخرجوا عن طاعة الراعي، وانحرفوا عن مسيرة عن القطيع المطيع. يذكر التاريخ أدباء مثل ميخائيل بولغاكوف، ألكسندر سولجنتسين، فلاديمير نابوكوف وسواهم. كما يذكر التاريخ عددا من راقصي الباليه، بعض الممثلين والمخرجين المسرحيين ومدربي التمثيل ممن هاجروا من وطنهم الأصلي وأبدعوا في أوطانهم الجديدة، ومنهم مايكل تشيخوف، رودولف نورييف، ريتشارد بولسلافسكي، سونيا مور، والأمثلة يصعب حصرها.ربما كان من الغريب أن لم يلجأ بعض مشاهير المبدعين التقدميين، حين واجهوا ظروف اضطهاد سياسي أو ديني في بلدانهم، إلى ملاذ آمن في الاتحاد السوفييتي (سابقا) أو في إحدى دول مجموعة الكتلة الاشتراكي، بل لجأ هؤلاء إلى إحدى الدول الاسكندنافية ودول أوربا الغربية أو إلى الولايات المتحدة الأميركية، كما فعل المسرحي اليساري الشهير برتولت برشت.

المعارضة في بلدان الغرب لا تجابه بالقمع والمنع، ولا تؤدي بأصحابها إلى زنزانات لا ترى الشمس، ولا تعرضهم للاختفاء القسري أو لتهمة العمالة أو للتعذيب أو قطع الرأس.

 

ما هو السبب وراء هذه الظاهرة يا ترى؟ هل هو إغراء الحلم الأميركي؟ أم هو التوق إلى الديمقراطية والحرية؟صحيح أن هناك نخبة من الأدباء المشهورين - مثل ت. س. إليوت الأميركي – فضلوا الانتماء اختياريا إلى بريطانيا والثقافة الإنكليزية، وأن الأميركيين أرنست همنغواي وجون دوس باسوس وغرترود شتاين فضلوا قضاء ذروة حياتهم الإبداعية في باريس، عاصمة النور، لكن السؤال يظل مشروعا: ما سبب لجوء بعض كبار عباقرة الشرق من الأدباء والفنانين إلى الغرب واستقرارهم فيه، رغم الأوضاع المعاشية والاقتصادية واللغوية القاسية التي واجهوها، خاصة لمن بلغ سن الكهولة منهم؟ ولماذا لم يقدم مبدعون متمردون على الهجرة من الغرب إلى الشرق، رغم توجههم التقدمي وانتقادهم للرأسمالية في بلدانهم الغربية؟ لا أجد تفسيرا لهذه الظاهرة سوى أن المعارضة في بلدان الغرب لا تجابه بالقمع والمنع، ولا تؤدي بأصحابها إلى زنزانات لا ترى الشمس، ولا تعرضهم للاختفاء القسري أو لتهمة العمالة أو للتعذيب أو قطع الرأس. بالتالي، لا يضطر أولئك الذين يسبحون عكس التيار الرسمي التقليدي للحزب الواحد إلى الهرب بجلودهم من سيف الجلاد، بل يتمتعون بهامش تعبير حر من دون التعرض للأذى عما يرضي ضمائرهم في مجتمعاتهم الديمقراطية، وكثيرا ما يمهدون بجرأتهم لتغيير اجتماعي/سياسي قادم بحيث يكونوا بحق منارات تهدي شعوبهم إلى مستقبل آمن وعادل.

في الواقع، هناك أدباء روس عظام سبقوا من ذكرنا في التعبير عن ضمائرهم الحية، وتعاطفهم مع آلام المعذبين في الأرض من دون أن يقوموا بالهجرة واللجوء إلى بلدان أخرى، نذكر منهم ألكسندر بوشكين، ليو تولستوي، فيودور دوستويفسكي وأنطون تشيخوف. كما نذكر بعض أدباء وفنانين في دولة سكندنافية أو أخرى ممن تمردوا على الاتجاه التقليدي والمحافظ في مجتمعاتهم فهاجروا ليقيموا ويبدعوا في سواها. في مقدمة هؤلاء المؤلف المسرحي الشهير هنريك إبسن، الذي هاجر وأقام في إيطاليا طيلة ثلاثة عقود. كذلك، لا بد أن نذكر فرانز كافكا، الذي تنازعت تشيكيا وألمانيا في الافتخار بانتمائه إليها نظرا لكونه مواطنا في الإمبرطورية النمساوية-الهنغارية الشاسعة الواسعة في ذلك الزمان، مثله مثل مواطنه المعروف رودولف لابان صاحب أشهر نظرية في سيكولوجيا الحركة في الرقص والتمثيل. نذكر أيضا بين الكتاب المشهورين فرانك فيديكند الألماني وآرثر شنيتسلر النمساوي، فضلا عن المخرج المسرحي النمساوي الشهير ماكس راينهارت.

نعود إلى فلاديمير نابوكوف (1899-1977)، الروائي الشاعر والمترجم الروسي الذي هاجر من الاتحاد السوفييتي عام 1945 وأصبح مواطنا أميركيا. ينحدر فلاديمير من عائلة نبيلة منذ العهد القيصري في سان بطرسبورغ، وهو أكبر أخوته الخمسة، الذين قتل أحدهم في معسكر إبادة. استطاع فلاديمير في مرحلة إبداعه الأولى في روسيا نشر تسع روايات جلبت له سمعة طيبة في الأوساط الأدبية، رغم أنه كان ينشر في بداياته تحت اسم مستعار هو فلاديمير سيرين بين عامي 1920-1940، وما لبث فلاديمير في ذروة شهرته أن هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1945 ونال جنسيتها، وأبدع فيها أشهر أعماله الروائية "لوليتا" (1955)، التي صنفت في عام 2007 كرابع رواية بين مئة رواية عالمية، في حين اعتبرت روايته "النار الشاحبة" (1962)الرواية رقم 53 بتصنيف المكتبة الحديثة، بينما احتل كتابه غير الروائي "تحدثي يا ذاكرة" (1951) الترتيب الثامن ضمن تصنيف المكتبة الحديثة نفسها. تطوع فلاديمير نابوكوف للعمل خبيرا في متحف التاريخ الطبيعي في مانهاتن نظرا لدراسته علم الحشرات، ثم انتقل إلى ماساشوسيتس ليقوم بتدريس الأدب المقارن والأدب الروسي في "ولسلي كوليج"، ويحاضر في جامعة "كورنيل" العريقة، قبل أن ينتقل للعيش في كيمبريدج المتاخمة لبوسطن. استثمر نابوكوف نجاحه في الولايات المتحدة ليس في التدريس وحسب، بل تابع هوايته العلمية في دراسة الحشرات، وعمد إلى ترجمة أعماله المنشورة بالروسية إلى اللغة الإنكليزية بالتعاون مع ابنه ديمتري، وترجم بنفسه إلى اللغة الروسية "لوليتا" و"الدليل القاطع"، كما كتب بالفرنسية Mademoiselle O، وترجم عمل بوشكين الأوبرالي "يوجين أونيغن" شعرا إلى الإنكليزية في عام 1964. قورن فلاديمير نابوكوف بالروائي البريطاني الكبير جوزيف كونراد، لكنه لم يكن موافقا على تلك المقارنة ولا سعيدا بها. رفض نابوكوف نزعتي الشمولية والفردانية، وانتقد نظرية التحليل النفسي عند سيغموند فرويد، كما انتقد روايات جين أوستن بالرغم من شهرتها الواسعة، لكنه غيَّر رأيه منصفا إياها بموضوعية بعد أن قرأ روايتها "حديقة مانسفيلد"، بل قررها ضمن المنهاج على طلابه.

تنتمي رواية "دعوة إلى الإعدام" (1959) Invitation to a Beheading إلى الحقبة الروسية بين أعمال نابوكوف، ولذلك اعتبرها المخرج وأستاذ الحركة المخضرم مايكل براون - حين اقتبسها وأخرجها ولعب بطولتها مؤخرا على مسرح "شوبان" في شيكاغو - عملا متمردا على واقعه التاريخي، وجريئا في نقده السياسي، وإن تحلى بالرمزية والغموض، بحيث شابه أعمال بولغاكوف وكافكا وكتاب مسرح العبث مثل بيكيت ويونيسكو وآداموف وأرابال، إضافة إلى جان جينيه. تتمحور حبكة المسرحية حول فكرة مفادها الحكم على إنسان بقطع الرأس في عالم عبثي وغير معقول جزاء على جريمة اعتباطية. يزج بذلك المواطن البريء في سجن سوريالي لينتظر موعد إعدامه غير المعلن. تعاون مايكل براون مع مؤدين مشهورين بعروض الدمى وبستخدام الأقنعة الغريبة ينتمون إلى فرقة Rough Houseلتقديم عرض تجريبي خالص على "مسرح شوبان" المشهور بتبني واستقدام العروض ذات الطابع الطليعي الأوروبي. وصفت الرواية الأصلية بأنها عبثية، هستيرية، غريبة ومفعمة بالأمل. اعتمد عرض "دعوة إلى الإعدام"على دمى متفاوتة الأحجام وأقنعة كاريكاتيرية الطابع، وعلى أساليب مشهدية تستلهم مسرح "بونراكو" الياباني أحيانا، في تجسيد قصة إنسان محكوم بالإعدام بسبب ذنب غير واضح، ومن يقابلهم خلال سجنه من شخصيات عديدة، جسدها جميعا ثلاثة ممثلين فقط. لمع مايكل براون ليس كمخرج للعرض التجريبي فحسب، وإنما أجاد كممثل في تجسيد شخصية الإنسان المضطهد في نظام شمولي. "دعوة إلى الإعدام"، بالرغم من غرابتها الفنية، فرصة لتسليط الضوء على إبداع سياسي مختلف عن المتوقع والمألوف من صاحب رواية "لوليتا" ذائعة الصيت.

Sudan's Prime Minister in the transitional government Abdalla Hamdok gestures the victory sign during the first anniversary of…
قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة

تقدم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عبد الله حمدوك، في فبراير الماضي بطلب للأمم المتحدة لإرسال بعثة لتساهم في تحقيق السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في بلده اعتمادا على ما يقره الفصل السادس من ميثاق المنظمة الأممية.

لا شك أن الوثيقة الدستورية الحاكمة لمرحلة الانتقال في السودان قد منحت مجلس الوزراء صلاحيات تخول له الحق في طلب مثل هذه البعثة من الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة عشر في الوثيقة على أن صلاحيات المجلس تشمل: "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي الذي أسقطته ثورة شعبية عارمة العام الماضي وهو الأمر الذي جعل البلد عاجزة عن تحمل تبعات ذلك الوضع دون مساندة المجتمع الدولي.

على الرغم من هذه الدوافع والخلفيات الواضحة لطلب رئيس الوزراء إلا أن قوى النظام الإسلاموي البائد شنت هجمة إعلامية منظمة لتصوير الخطوة وكأنها تدخل سافر في السيادة الوطنية واستدعاء لجيوش الاستعمار، في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن نظامهم الاستبدادي هو الذي فرَّط في السيادة حينما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور مما اضطر المجتمع الدولي لأن يضع السودان تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإرسال بعثة لحفظ السلام في ذلك الإقليم.

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي

من المعلوم أن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة يعنى بمعالجة وحل النزاعات سلميا كما جاء في عنوانه الرسمي (الفصل السادس ـ في حل المنازعات حلا سلميا) ويحتوي على عدد من المواد بموجبها يحق لمجلس الأمن تقديم توصيات لأطراف النزاع وليس قرارات إلزام، وهذه التوصيات تنطبق على الصراعات بين الدول كما تنطبق على الصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

أما الفصل السابع من الميثاق الأمم المتحدة الذي عنوانه "ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان"، فإنه يعنى بحفظ السلام والأمن الدولي وبه من المواد ما يمنح مجلس الأمن صلاحية فرض العقوبات مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية وغيرها كليا أو جزئيا، كما أنها تجيز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية ما يلزم لحفظ السلم والأمن لإعادته لنصابه، وبمعنى آخر تسمح له باستعمال القوة وتكون قراراته ملزمة وليست مجرد توصيات كما في الفصل السادس.

في مطلع العام الماضي طرأ تغيير على عمليات حفظ السلام حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات في هياكل إدارة حفظ السلام سمح بتقسيمها إلى إدارتين إحداهما تسمى الإدارة السياسية وبناء السلام والأخرى تسمى إدارة عمليات السلام. وهكذا أصبحت مهام بناء السلام تشمل الإشراف على البعثات السياسية الخاصة بمنع النزاعات وبناء السلام في فترات ما بعد النزاع.

الأمر المهم في هذا الخصوص والذي يكمن فيه الرد على ادعاءات قوى النظام الإسلاموي البائد هو أن البعثات المشار إليها يتم إرسالها بناء على طلب ورغبة الدولة المعنية لتنفيذ ما تضعه تلك الدولة من خطط وبرامج وفقا لاحتياجاتها الوطنية مما يعني أن حكومة ذلك البلد هي التي تتحكم بالكامل في عمل البعثة من خلال إنشاء لجنة وطنية تكون مهمتها الإشراف على البعثة حتى تقوم بإنزال الأهداف التي تنشدها تلك الدولة لأرض الواقع.

بناء على ذلك قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة، حيث صرح وزير الدولة في الخارجية ومقرر اللجنة، عمر قمر الدين، الأسبوع الماضي بأن لجنته قامت بإجراء "التعديلات المطلوبة على مسودة مشروع القرار الأممي ليتوافق مع خطاب حكومة السودان لطلب مساعدات فنية، تمثلت في المساعدة لدعم جهود السلام، والمساعدة على حشد الدعم للمؤتمر الاقتصادي، والمساعدة على العودة الطوعية للاجئين والنازحين، إضافة إلى المساعدة في التعداد السكاني وقيام الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية".

صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي

وشدد قمر الدين على مبدأ السيادة الوطنية في التعامل مع المنظمة الدولية وحفظ حق البلاد الأصيل في طلب الدعم بصفته عضوا فاعلا في هيئة الأمم المتحدة موضحا أن برنامج المساعدات المطلوب "لا يتضمن أي مكون عسكري أو شرطي، وأن حفظ الأمن والسلم مسؤولية من صميم أعمال الحكومة السودانية".

من ناحية أخرى، شهد السودان خلال فترة الحكم الإسلاموي الاستبدادي دخول البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" في عام 2007 والتي تم إنشاؤها تحت البند السابع وضمت ما يربو على 20 ألف جندي وشرطي، وما تزال هذه البعثة موجودة في البلاد، ومع ذلك لم يتجرأ الإسلامويون على الحديث عن استباحة السيادة السودانية وعودة الاستعمار، مما يوضح بجلاء أن أصواتهم التي تتعالى ضد طلب رئيس الوزراء ليست إلا مجرد مزايدة للكسب السياسي.

ورث السودان تركة ثقيلة من النظام الشمولي الذي أحكم قبضته على مقاليد الأمور لثلاثة عقود، وقد تمثلت أبرز وجوه تلك التركة في الحروب الأهلية والفساد المستشري فضلا عن التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وجميع هذه الأمور تلحق أضرارا كبيرة بعملية الانتقال والتحول الديمقراطي لذا صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتنمية.