ملاحظة: قد لا يعنيك هذا المقال إذا تجاوز عمرك الخامسة والأربعين، لأنك غالبا ستتقاعد قبل عام 2035، ولكنه يعنيك إذا كنت تتمنى لأولادك وأحفادك مستقبلا أفضل في حياتهم المستقبلية.

معظم القراء سمعوا في الغالب عن "وظائف المستقبل" وكيف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والمركبات ذاتية القيادة ستقتل على الأقل 40 في المئة من الوظائف الحالية بحلول عام 2035، لكن التفاعل مع هذه المعلومة عموما محدود لأن معظم الناس ينكرون صحة المعلومة أو لا يتخيلون ضخامة تأثيرها أو لأنهم يرون عام 2035 بعيدا وقد ينهار العالم قبل أن نصل هناك. حتى أولئك الذين يصدقون ويقررون فعل شيء حول الموضوع، يجدون القليل جدا من المعلومات عن الموضوع بما يساعدهم على اتخاذ قرارات في حياتهم بناء على ذلك.

في عام 2045 سيكون أكثر من 70 في المئة من الوظائف الحالية قد انقرض

​​في هذا المقال سأحاول أن ألخص مجموعة من النتائج التي قد تسلط الضوء بعض الشيء على تفاصيل هذا الموضوع، ولكن قبلها أحب أن أؤكد أن الإنكار هو رد فعل طبيعي عندما يكون هناك حديث عن تغيرات ضخمة في العالم.

شخصيا عشت هذه التجربة في التسعينيات الميلادية عندما بدأت بالكتابة عن الإنترنت، وكنت أتحدث حينها عن التغيرات الضخمة التي ستؤثر على كل شيء في حياتنا، وعلى النظم السياسية والاقتصاد وغيرها، وكان رد فعل الناس متشابها مع رد فعلهم حاليا، ثم بدأ الناس يعيشون التغييرات تدريجيا، وهذا ما سيحصل مرة أخرى بالضبط.

إن التغيير الأساسي الذي سيحصل في عالم الوظائف هو تحويل "كل المهام الروتينية" ليقوم بها من هو أسرع وأكثر كفاءة ودقة وأقل تكلفة أي التقنية، سواء كانت على شكل روبوت، أو تطبيق، أو جهاز ذكي.

هذه المهام الروتينية تشمل (على سبيل المثال): قيادة السيارات والتحميل والأعمال اليدوية وأعمال السكرتارية والأعمال الإدارية والمحاسبة والمهن الطبية بأنواعها ما عدا التي تتطلب خبرات دقيقة متقدمة أو عناية مباشرة بالمريض، وغير ذلك.

باختصار، سيكون لديك عمل فقط إذا كنت تستطيع فعل ما لا يمكن للتقنية فعله.

هذا الأمر ليس مجرد اجتهاد من بعض الباحثين أو المفكرين. هذا الأمر حقيقة، وستحصل ما لم يمر العالم بظروف غير متوقعة مثل حرب عالمية ثالثة تحرق الأخضر واليابس، أو انهيار أميركا (كما في أفلام هوليوود). كيف نعرف هذا؟ لأن الشركات التقنية استثمرت أكثر من 500 مليار دولار في هذه التقنيات، وستستثمر المزيد خلال السنوات القادمة، ولأن خطط النمو والتجارب تمضي بنجاح، ولا توجد أي عقبات متوقعة.

كل ما تحتاجه هذه الشركات هو الوقت فقط لتنفيذ خططها. ولذلك ستجد أن تقارير مختلف حكومات الدول المتقدمة، والأمم المتحدة، وتقرير دافوس السنوي، ومراكز الأبحاث، وغيرها تؤكد على هذه الحقيقة.

هناك ـ في رأيي ـ ثلاثة أنواع من الوظائف فقط ستبقى، والباقي سينقرض تدريجيا، وهي الوظائف التي تعتمد على: القدرات التقنية، القدرات التحليلية، والقدرات الإبداعية.

القدرات التقنية ستكون بالتأكيد سيدة الموقف، وهذا يشمل القدرة على التشغيل والصيانة كحد أدنى، ثم القدرة على البرمجة والتطوير بطبيعة الحال. كل المدراء الناجحين سيكونون في الأصل رجال تقنيين، يفهمون التقنية ويستطيعون إدارة الفرق التقنية بكفاءة.

أما القدرات التحليلية فقائمة في الأساس على تحليل البيانات وبناء استنتاجات على أساسها، ومع أن الشركات التقنية تحاول دائما تطوير برامج تستطيع التحليل، ولكن سيبقى هناك جزء هام للذكاء البشري مهما تقدمت الآلة. نفس الأمر ينطبق على البعد الإبداعي، وهو البعد الذين لن يفنى مهما تطورت التقنية، وستزداد الحاجة إليه دائما.

سيبقى هناك رجال الأعمال والمستثمرون، ولكن هؤلاء أيضا إذا لم يكن لديهم معرفة تقنية كافية، سيكون حالهم أصعب من يومنا هذا، وقدرتهم على المنافسة أقل، وهذا أمر بدأ فعلا في الدول المتقدمة.

في عام 2045 (أي بعد 25 سنة فقط، حين ستبحث طفلتي الصغيرة عن عمل) سيكون أكثر من 70 في المئة من الوظائف الحالية قد انقرض واستبدل بوظائف جديدة. سيكون العالم قد اختلف تماما، وتصبح حياتنا اليوم مجرد حكايات لكبار السن. هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل بالعكس، ستزيد الفرص والإنتاجية الفردية وقدرات الإنسان، ولكن في اتجاه مختلف عما هو عليه الآن.

أما الدول الفقيرة فهي بالرغم من كونها لن تمر بنفس التسارع في انهيار الوظائف الروتينية إلا أنها ستمر بمشكلة أكبر، لأن معظم الدول المتقدمة ستطلب من المهاجرين غير المؤهلين العودة إلى بلادهم قبل عام 2030 مع ازياد البطالة السريع المتوقع خلال الأعوام القادمة، وهذا التكدس في تلك الدول للعاطلين عن العمل سيمثل مشكلة كبيرة في حد ذاتها لأنظمتها السياسية، فضلا عن عجزها عن التصدير والمنافسة العالمية والاستقلال السياسي بسبب تخلفها واتساع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة.

سيطرت التقنية بطريقة أو بأخرى تماما على حياتنا

​​إذا أردت أن تؤهل نفسك أو أطفالك للمستقبل، فهناك ثلاثة أمور أساسية أدعوك للاهتمام بها:

- القدرة القصوى على التعلم الذاتي. إذا كنت قادرا على التعلم الذاتي، وتطوير نفسك بشكل مستمر، فسيمكنك مواكبة تطور العالم والبقاء على قمة الهرم.

- المعرفة التقنية، والتي سيزداد احتياجك لها مهما كان مجالك.

- قدراتك الإبداعية والفنية والخيال بكل أنواعه.

اخترع الإنسان التقنية ليجعل حياته أجمل، ويسهلها، ويقلل تكلفتها، وهذا فعلا حصل، ولكن التقنية بطريقة أو بأخرى سيطرت تماما على حياتنا، وصرنا في حالة من "الاعتماد" الكامل عليها، وسنكون في المستقبل أسرى لها شئنا أم أبينا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.