| Source: Courtesy Image

هناك شخصيات تاريخية أصبحت رموزا في وجدان البشرية. إحدى أشهر هذه الشخصيات الحقيقية جان دارك، الصبية الفرنسية التي تراءت لها في الحلم طيف القديسة كاترين لتحثها على أن تشهر السيف وتشكل جيشا لطرد المحتلين الإنكليز من بلادها.

تؤمن جان دارك بصدق كلام الطيف الملائكي بالرغم من عقاب والدها لها وشجب أمها لتصرفاتها الغريبة وسخرية أخيها منها. تمضي الصبية جان دارك قدما في خطتها، وترحل عن بيت أهلها بعيدا عن حضن والدتها، وتهاجر لتحرض الآلاف على التصدي لمقاومة الغازي الأجنبي، فيجتمع حولها جيش كبير من المتطوعين المناصرين لرسالتها، ويحقق انتصارات تؤرق الإنكليز وتهدد استقرارهم، فيتآمرون عليها مع بعض المتواطئين الفرنسيين من أبناء بلدها، فتحاكم جان دارك محاكمة صورية، يحكم عليها بالموت حرقا، وينفذ فيها حكم الإعدام.

الرائع في مسرحية "والدة جان دارك" هو أن الأم، وليس الابنة، هي العمود الفقري للمسرحية

​​إنها نهاية تراجيدية لبطلة يافعة ألهبت مشاعر مواطنيها، بل ألهم نضالها شعوب العالم أجمع عبر إيمان وطني ثابت أشهرت بفضله السيف وتخلت عن حياة الدعة والاستكانة معرضة نفسها للمخاطر والتهلكة حتى استشهدت على أيدي الطغاة.

للوهلة الأولى، خيل للغزاة المحتلين وللمتواطئين معهم من أهل بلدها أنهم قضوا على ثورة جان دارك بإعدامها، لكن روح جان دارك بقيت في الأذهان طويلا عقب استشهادها، فتحولت صورتها من صبية ريفية إلى قديسة، وأصبحت سيرتها أمثولة في وجدان جميع المناضلين في العالم من أجل الحرية. وما لبثت فرنسا أن تخلصت من نير الغزاة، وتحقق حلم جان دارك بوطن مستقل وموفور الكرامة.

ألهمت شخصية جان دارك العديد من المؤلفين الدراميين عبر التاريخ. أحد أبرز من خلدها جورج برنارد شو في مسرحية حملت اسمها "سانت جون". كما كتب المؤلف ماكسويل أندرسون مسرحية عنها ما لبث أن حولها إلى سيناريو فيلم سينمائي أنتج في عام (1948) أخرجه فكتور فلمنغ ولعبت بطولته إنغريد برغمان.

قارب قصة فداء جان دارك بشكل رائع أيضا المؤلف الفرنسي جان آنوي في مسرحيته "الكروان" The Lark، وفسرت المسرحية في زمانها على أنها صرخة تحدٍ ضد الاحتلال النازي، فتعرضت للمنع الرقابي إلى حين.

كيت فراي وغريس سميث في مسرحية "والدة جان دارك" على مسرح "نورث لايت" (مايكل بوريسلو)

أما المؤلف المسرحي الألماني برتولت برشت فاستلهم قصة القديسة جان دارك ثلاث مرات في "جان دارك المسالخ"، "محاكمة جان دارك" و"رؤى سيمون ماشار". صور برشت في مسرحيته الثالثة خاصة شخصية مراهقة فرنسية تعمل نادلة في مطعم ريفي تابع لنزل صغير على الحدود المعرضة لاجتياح الدبابات الألمانية.

نتعرف إلى سيمون وهي قلقة على سلامة أخيها الذي يخدم في الجيش الفرنسي، ثم يتراءى لها في الحلم طيف قديسة تحضها على مقاومة الغزاة النازيين. هكذا، في حين يهادن البورجوازيون الغزاة خوفا على أملاكهم وثرواتهم من أذى الألمان، بل يتواطأ بعضهم مع المحتل خشية بطشه وجبروته، تتقمص سيمون شخصية جان دارك، وتذكرها ملامح الملاك بأخيها المجند.

يجسد برشت أحلام سيمون على خشبة المسرح مع بقية الشخصيات بحيث يختلط الواقع بالخيال. في نهاية المسرحية، تقدم سيمون على فعل نضالي عبر إحراق خزانات الوقود التابعة لصاحب النزل كي تعيق زحف الدبابات الألمانية نحو باريس، فيقبض عليها، تحاكم بشكلٍ تعسفي، تتهم بالجنون وترسل إلى مصير مأساوي.

خيل للغزاة المحتلين وللمتواطئين معهم من أهل بلدها أنهم قضوا على ثورة جان دارك بإعدامها

​​ظلت شخصية جان دارك عبر التاريخ كما عبر الأدب والفنون محاطة بهالة من القدسية، ولم يسلط الضوء إلا نادرا على أفراد أسرتها، بحيث بالكاد تظهر أمها أو أبوها أو أخوها أو تصلنا عنهم تفاصيل كافية. لذلك، قامت المؤلفة المعاصرة جين أندرسون بتأليف مسرحية أسمتها "والدة جان دارك" Mother of the Maid.

اصطلح أن يطلق لقب "القديسة" أو "عذراء أورليان" على المناضلة اليافعة، التي غامرت بحياتها من أجل هدف تحرير بلادها من الغزاة، وواجهت الإعدام حرقا بصورة ظالمة.

يكفي جان دارك مجدا أنها حققت الخلود بأن حرضت آلاف المقاتلين للدفاع عن استقلال وطنهم وكرامته تحت لوائها، حتى أقلقت المحتل وكادت أن تلحق بقواته الهزيمة لولا خيانة وتواطؤ بعض أبناء قومها ومهادنتهم للعدو.

بينيولبي والكر وكيت فراي في المسرحية (تصوير: مايكل بوريسلو)

حققت المسرحية نجاحا في برودواي حين لعبت شخصية الأم فيها الممثلة القديرة غلين كلوس، وها هو مسرح "نورث لايت" في سكوكي إلى الشمال من شيكاغو يحييها في عرض متقن، أخرجه مدير الفرقة الفني بي. جي. جونز، ولعبت دور الأم فيه الممثلة المتمرسة بأدوار شكسبير كيت فراي، ودور جان دارك غريس سميث.

أخرج بي. جي. جونز المسرحية بأناقة وإتقان، حاسبا حساب كل عنصر بحكمة وتوازن، دون إسراف في شيء، بحيث لعب الديكور والإضاءة والموسيقا والأزياء دورا مساعدا لأداء طاقم المؤدين بجميع أفراده.

سبق أن حققت جين أندرسون نجاحات عديدة كمؤلفة مسرحية، وككاتبة سيناريو في فيلم "الزوجة" (2018)، وكمخرجة سينمائية وتلفزيونية، فنالت أربع مرات جائزة "إيمي"، وأنتجت أعمالها من قبل كبرى المسارح الأميركية.

اصطلح أن يطلق لقب "القديسة" أو "عذراء أورليان" على المناضلة اليافعة

​​"والدة جان دارك" هي أحدث أعمال جين أندرسون، وتدلل على موهبتها الدرامية المتينة، إذ قاربت شخصية جان دارك وحياتها من زاوية تختلف عن جميع من سبقها من مشاهير كتاب المسرح، إذ أولت جلَّ اهتمامها لتفاصيل الجوانب الإنسانية من حياة الأسرة، وركزت على شخصية الأم البسيطة التي واجهت حيرة وتناقضا بين معارضة وتفنيد حلم ابنتها بالقديسة كاترين التي تهيب بها أن تنذر نفسها من أجل مهمة تليق بكبار الأبطال المحاربين، ثم تعاطفها معها ولحاقها بها وتواجدها إلى جانبها في محنتها سندا وعونا حتى آخر لحظة.

نرى الأم في البداية تصفع ابنتها ناهية ومؤنبة، ثم نراها تحاول حمايتها من ضرب أبيها لها وسخرية أخيها منها، متفهمة نبل دوافعها بحيث تتعاطف معها ومع قضيتها. من جهة أخرى، بالرغم من قوة إرادة جان دارك، ونضالها الجسور الذي لا يجعلها تخوض المعارك طلبا للشهادة، إلا أنها تخاف وتصرخ ملتجئة إلى حضن والدتها عندما ترى نيران المحرقة تنتظرها، ولا تجد ملاذا في لحظاتها الأخيرة سوى حنان الأم رغم أنها لا تقوى على فعل شيء يدرأ عذاب الموت الرهيب عن ابنتها الحبيبة.

الرائع في مسرحية "والدة جان دارك" هو أن الأم، وليس الابنة، هي العمود الفقري للمسرحية، وهي الشخصية التي تهز وجدان المتفرج عاطفيا. كم تذكرنا والدة جان دارك بأمهات كثير من البطلات اللواتي نذرن حياتهن للنضال من أجل الحرية، ولطرد المحتل الذي يدنس أرض وطنهن.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!