لطالما تفاخر تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف بـ"داعش" بأن مساحة "دولة الخلافة" التي أعلن قيامها العراقي إبراهيم عواد البدري المكنى بأبي بكر البغدادي من مدينة الموصل في يونيو 2014 تفوق مساحة بريطانيا وبأنها أكبر من بلجيكا بثمانية أضعاف ومن قطر بثلاثين ضعفا.

ولطالما تغنى التنظيم بالموارد الهائلة التي كانت تحت سيطرته وبقوته العسكرية وبعملياته الإرهابية التي حرص على توثيقها والترويج لها إعلاميا، وبأعداد من لبوا نداء "الخليفة" وهاجروا إلى "أرض الخلافة" من مختلف دول العالم.

ولطالما ردد أعضاء التنظيم وأنصاره بأن دولتهم "باقية وتتمدد" وأن خلافتهم قد أشرقت شمسها وتسير على "منهاج النبوة" وقد بلغت مرحلة "التمكين" بعد أن تبنت الشريعة نظاما للحكم وأقامت الحدود وأنشأت جهازا للحسبة مهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلنت الجهاد وأعادت عملة "الدينار الذهبي" الذي توقعت له بأن يقضي على الدولار ويكتب نهاية النظام المصرفي الغربي في غضون سنوات.

العبء الأكبر على عاتق من يعملون على محاربة الأسس الفكرية والعقائدية للتطرف

​​والآن، بعد مرور خمس سنوات على تنصيب البغدادي نفسه "خليفة" للمسلمين، فقد التنظيم سيطرته على كل المدن التي احتلها في العراق وسوريا ولم يتبق منه سوى عصابات مسلحة هنا وهناك، وهُزم الدواعش في آخر معاقلهم بـ"أرض الخلافة" في قرية الباغوز السورية شر هزيمة وفر المئات واقتيد الآلاف إلى المعتقلات فيما نقلت نساؤهم وأبناؤهم إلى مخيمات اللاجئين.

إزاء هذه المستجدات وللرد على بوادر التمرد التي ظهرت في صفوف مقاتلي التنظيم احتجاجا على طول غيبة البغدادي عن المشهد خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن مقتله وتعرضه لإصابة خطيرة، نشر التنظيم تسجيلان للبغدادي خلال الأشهر الأربعة الماضية أحدهما مصور والآخر صوتي يمكن بسهولة أن نستنتج منهما أن داعش يسير على خطى القاعدة، وأن البغدادي قد اعترف بانتهاء مغامرة استعادة "دولة الخلافة" وأنه أضحى أشبه بابن لادن وخليفته الظواهري مطاردا وحيدا لا يملك من أمره شيئا سوى إصدار التسجيلات وتحريض أتباعه على إرهاب الآمنين.

ففي التسجيل المصور الصادر في أواخر أبريل الماضي بعد هزيمة التنظيم في قرية الباغوز، حاول البغدادي، الذي بدا وكأنه يقلد بن لادن بجلوسه إلى جانب سلاح كلاشنكوف، التقليل من أهمية خسارة آخر معاقل الخلافة بحديثه عن "وحشية دول الصليب تجاه أمة الإسلام" وثنائه على شجاعة قادة وجنود الدولة وثباتهم في المعارك ومباركته للهجمات الإرهابية التي نفذتها فروع التنظيم في عدة دول.

أما في التسجيل الصوتي الصادر مؤخرا، فقد بدا وكأنه يقلد الظواهري بخطاب ممل مليء بالعبارات البلاغية والآيات والأحاديث التي تحث على الصبر والثبات حيث طالب جنوده بمضاعفة الجهد في كافة المجالات، والسعي من أجل تحرير المعتقلين والمعتقلات ومواصلة العمليات الإرهابية في "الولايات" المختلفة، وقبول توبة التائبين كما تضمنت أيضا تنديده بحكام الخليج ومن يوالونهم من رجال الدين الذين وصفهم بـ"المرتدين".

الملاحظ في أمر الجماعات الجهادية أنها لا تعترف بأخطائها مهما عظمت

​​إن تركيز البغدادي في حديثه على فرضية معادة الغرب للإسلام والمسلمين ومطالبته لأنصاره بشن الهجمات واستهداف المصالح الغربية في كل مكان وانتقاده للحكام العرب وتشديده على أهمية "الجهاد" ما هو إلا تكرار لخطب بن لادن والظواهري ومؤشر إلى أن سياسة التنظيم المستقبلية تتمحور حول تشجيع الإرهابيين أفرادا وجماعات على استهداف الأبرياء.

وبالمقارنة بين خطبة إعلان الخلافة، والخطابين الأخيرين يتضح عودة تنظيم "داعش" إلى سابق عهده كجماعة إرهابية لا تختلف عن غيرها من التنظيمات الموالية للقاعدة في عدة دول والتي ليس لها ارتباط مباشرة مع التنظيم الأم.

والملاحظ في أمر الجماعات الجهادية أنها لا تعترف بأخطائها مهما عظمت، وتحاول دائما التبرير لها باتهام "المجاهدين" بعدم إخلاص النية تارة وبالإشارة إلى الإرادة الإلهية تارة أخرى. فعندما تتوالى الهزائم والنكبات عليهم يرجعون ذلك إلى أنه اختبار من الله لتمحيص واختبار الصادقين، وعندما يتساءل "المجاهدون" عن أسباب تأخر النصر يردد قادتهم بأن الله أمرهم بالجهاد ولم يأمرهم بالنصر.

وبدلا من أن يعترف البغدادي بخطئه ويقدم اعتذاره لمن هاجروا إلى "دار الخلافة" بناء على ندائه واستجابة للإصدارات المضللة لتنظيمه عن طبيعة الحياة فيها، فإذا به يدعو من بقوا في ديارهم إلى التضحية بأنفسهم وتنفيذ عمليات عبثية بينما يستمر هو في الاختباء وكأن "الجهاد والاستشهاد" حكر على الأتباع ولو أن القادة صادقون في اتباع السنّة لاقتفوا أثر الرسول وخرجوا في الغزوات كما كان يخرج بحسب ما نقلته كتب السيرة.

إن القضاء على دولة الخلافة المزعومة ومطاردة قادة التنظيمات الجهادية هو الجزء الأسهل في استراتيجية الحرب على الإرهاب ويبقى العبء الأكبر على عاتق من يعملون على محاربة الأسس الفكرية والعقائدية للتطرف ويسعون لتسليح جميع الشرائح في المجتمعات الإسلامية وخاصة فئة الشباب بكل ما يلزم من أدوات لرفض الفكر الجهادي والتنديد بمن يقفون خلفه وتقديم بدائل إنسانية تقدمية تساهم في حماية الشباب من السقوط في براثن الإرهاب.

كما اندحر الدواعش في أرض خلافتهم المزعومة وقتلوا وشردوا ستندحر فلولهم

​​إن المرحلة القادمة هامة ومحورية لتخليص العالم والشعوب الإسلامية من الإرهاب والإرهابيين وتتطلب تضافر كل الجهود وتعاون جميع القطاعات من أجل قطع الطريق على قادة الجماعات الجهادية وأنصارهم والتصدي لمحاولاتهم ومخططاتهم البائسة بادعاء أنهم يدافعون عن المسلمين ويحرصون على مقدرات الأمة ويواجهون أعداء الإسلام في الوقت الذي تقتصر فيه أنشتطهم على القتل والإرهاب والتدمير.

وبغض النظر عما إذا كان البغدادي يرغب في العودة إلى حضن القاعدة أم لا، بعد أن خاص مغامرة إعلان الخلافة التي ترفضها القاعدة على الأقل في المرحلة الراهنة بحكم أن المجتمعات الإسلامية والنظام الدولي ليسا مهيأين بعد لمثل هذا الإعلان وترى أن الأضرار المترتبة عليه تفوق المنافع، إلا أن تنظيم الدولة يظل يمثل تهديدا كبيرا للدول التي ينشط فيها أنصاره وما سلسلة التفجيرات التي استهدفت فنادق وكنائس في سيريلانكا وأودت بحياة المئات بعد سقوط الباغوز إلا دليل على قدرة الدواعش على مواصلة عمليات القتل والتدمير.

وكما اندحر الدواعش في أرض خلافتهم المزعومة وقتلوا وشردوا ستندحر فلولهم في كل مكان يتواجدون فيه، وما حملاتهم وتفجيراتهم وتهديداتهم البائسة إلا ردود أفعال لقوم أصابهم اليأس والقنوط لرفض العالم أفكارهم المتطرفة وعقيدتهم المعادية لكل من يخالفهم ولإدراكهم بألا مكان لهم اليوم في عالم يسير قدما نحو السلام والتسامح والمحبة وقبول الآخر.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.