كنت أتحاور مع صديق أميركي عن حرية الاعتقاد عندما سألني: هل يعلن الملحدون عن أنفسهم في العالم العربي؟ فقلت له في الأغلب لا لأنهم يخافون. فسألني وما هي فكرة الناس هناك عن الشخص الملحد؟ لحظتها تذكرت السؤال الذي لاحظت تكراره على موقع فيسبوك عندما يعلن شخص ما عن إلحاده أو تركه للدين. ألا وهو: هل تمارس الجنس مع والدتك أو أختك؟ فإن كنت بلا دين فما الذي يمنعك من ذلك؟

وعلى قدر سذاجة السؤال إلا أنه يعكس فكرة تربى عليها معظمنا في العالم العربي وهي أن الدين هو مصدر الأخلاق الوحيد. وإنه لو اختفى الدين من الحياة، لاختفت معه الأخلاق بالضرورة وتحولت الدنيا إلى غابة.

وعليه، فالملحد الذي لا يؤمن بوجود إله في تصورنا هو بالضرورة شخص غير أخلاقي وليس لديه أي مبادئ. وبالتالي فهو سيفعل أشد الموبقات التي لا يتخيلها أي شخص عاقل أو سوي. وبناء على هذه الفرضية سيكون السؤال العبثي عن ممارسة الجنس بين أفراد الأسرة الواحدة منطقيا ومبررا.

الواقع أن القتل باسم الله حاضر بقوة ووضوح في تاريخنا وحاضرنا

​​ولكن هل حقا الدين هو مصدر الأخلاق الوحيد؟ وهل ما تعلمناه عن أننا أفضل من المجتمعات المتحررة، لأننا أخلاقيون ومتدينون بينما هم أقل تدينا ومنحلون، حقيقي؟

اعتدنا أن نلخص مفهوم الأخلاق في فكرة الجنس، وبما أننا نرى الحرية الجنسية انحلالا أخلاقيا، وكل من يمارسها منحلا، فنحن إذا أصحاب الفضيلة والأخلاق السامية الوحيدون على هذا الكوكب. ولكن الحقيقة أن الأخلاق هي القيم والمبادئ التي تنظم الحياة والعلاقات بين أفراد المجتمع، وهي مفهوم أوسع بكثير من قضية الحرية الجنسية، التي لا يتسع هذا المقال لمناقشتها.

فالأخلاق مفهوم واسع يشمل العدل والأمانة واحترام حقوق وحريات الآخرين، وتقديس حقهم في الاختلاف دون اضطهاد، وأمور أخرى كثيرة. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا". فالأخلاق والحضارة مترابطتان، ولا يمكن فصل تطور ونهضة المجتمعات أو انهيارها وتفسخها عن أخلاقها.

والسؤال هنا لو كانت الأديان الإبراهيمية أو السماوية هي مصدر الأخلاق الوحيد، فكيف عاش البشر قبلها؟ فهل كانت الإنسانية قبل الإيمان بالله غير أخلاقية؟ فهل كان مثلا المصريون القدماء بلا أخلاق؟ وإذا كانوا كذلك فكيف استطاعوا أن يبنوا حضارة عظيمة، نفتخر بها حتى الآن؟

ماذا أيضا عن المجتمعات التي هجرت الدين نسبيا؟ فاليوم هناك دول مثل الدنمارك أو كندا أو أستراليا أو فرنسا بها نسب عالية من اللادينيين. فأرقام اللادينيين تزداد يوم بعد يوم وبالأخص بين الأجيال الجديدة؛ وحتى في عالمنا العربي حيث كشف آخر استبيان قامت به شبكة الباروميتر العربي، أن نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم لادينيين تصل إلى 13 في المئة من بين العينة التي تم تطبيق الاستبيان عليها في في 10 دول عربية بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية. فكيف نفسر تقدم هذه المجتمعات وتطورها واحترامها لحقوق الإنسان، لو نظرنا لها باعتبارها مجتمعات غير أخلاقية؟

وفي المقابل، إذا كان الدين هو المصدر الوحيد للأخلاق، وباعتبار أن الشرق الأوسط هو المكان الذي نشأت فيه الأديان السماوية وشعوبه من أكثر شعوب العالم تدينا. فكيف نفسر انتشار أزمات أخلاقية مثلا الرشوة والفساد والتحرش الجنسي والعنف ضد المرأة والطفل على نطاق واسع في مجتمعاتنا؟ فالقاهرة مثلا من أخطر مدن العالم على النساء بسبب انتشار التحرش الجنسي فيها بشكل وبائي، والأردن من الأعلى عالميا في جرائم الشرف.

بل والأهم هو كيف نفسر الحروب والدمار والدم في منطقتنا على نطاق واسع؟ فلو راجعت مؤشر السلام العالمي لسنة 2018 ستجد أن أيسلندا، وهي دولة فيها نسبة عالية من اللادينيين، تتصدر القائمة، أي أنها أكثر دولة تتمتع بالسلام في العالم. بينما ستجد دول مثل ليبيا والصومال وأفغانستان وسوريا في ذيل القائمة، كأكثر دول تفتقر إلى السلام.

الأخلاق مفهوم واسع يشمل العدل والأمانة واحترام حقوق وحريات الآخرين

​​أي أن هؤلاء ممن ننظر إليهم باعتبارهم كفارا يعيشون مع بعضهم البعض في سلام، بينما مازلنا نحن المؤمنون نقاتل بعضنا البعض.

ربما سيرد البعض "هؤلاء لا يفهمون الدين بالشكل الصحيح". ولكن الواقع أن القتل باسم الله حاضر بقوة ووضوح في تاريخنا وحاضرنا.

بالتأكيد لا أقصد هنا التقليل من دور الدين في مسألة الأخلاق، ولكن المقصود ببساطة هنا هو أن نحاول أن نفهم الآخر المختلف وأن نراجع النظرة الأخلاقية الاستعلائية غير المبررة لدينا، التي نرى بها غيرنا باعتبارهم غير أخلاقيين. وأننا أفضل من "الغرب المنحل الكافر" لأننا مؤمنون وهم ليسوا كذلك.

فهذه النظرة هي التي يبني عليها المتطرف شرعية نفي وشيطنة الآخر، وهي التي تجعله يقتل الأبرياء في شارع أو سوق أوروبي متخيلا أنه يطهر العالم من شرهم. ولعل الوقت قد حان لندرك أن الأخلاق ليست حكرا على الدين. وأن الآخرين لديهم من الأخلاق ما يساهم بشكل واضح في تقدمهم. أخلاق ربما نفتقدها نحن ونحتاج أن نتعلمها منهم.

Actors Nanda Mohammad (L) and Mohammad Alrashi (R) perform during a dress rehearsal for 'While I was Waiting' as part of…
الممثلان السوريان ناندا محمد ومحمد آل رشي في عرض مسرحي في نيويورك

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

الحنين إلى الوطن شعور لا يملك الإنسان إلا أن يحترمه. رغم المرارة التي تسبب هجرة المرء عن وطنه، ورغم بعض ذكريات النقمة المضطرمة تجاه أشخاص متنفذين جعل استغلالهم واستبدادهم المرء تواقا إلى الرحيل عن أرض الوطن والكفاح في الغربة، إلا أن الوطن يبقى كالوشم محفورا على الجلد. 

يمر جيل، وثانٍ، وربما ثالث، وصورة الوطن في خيال المغترب لا تذبل ولا تبهت من الذاكرة. تتوقف الحياة عند اللحظة التي غادر فيها ربوعه، ولا تحتفي المشاعر إلا بصدى الأغنيات القديمة، وصور البيت والأهل والأصدقاء في أيام خلت. ربما يزور المرء وطنه وهو يحمل جنسية أخرى، ويعيش حياة مختلفة في بلد بديل. ربما يطفئ لهيب الحنين المضطرم في داخله ولو إلى حين. لكنه، عادة، ما يخيب أمله، ولا يرتاح للتطور والتحديث الحاصلين فيه، ولا لطراز الحياة هناك مهما بدا متحسنا، لأن الجميل الوحيد في باله هو ما كان عليه الوطن في الطفولة واليفاعة والشباب.

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور. صحيح أن بعضهم استطاع بتوجيه الأهل تعلم اللغة العربية، وربما زار أرض الوطن مرة أو أكثر، ولكن الصلة بين آخرين ولغتهم، وبينهم وبين حضارتهم تلاشت تدريجيا إلى أن انقطعت، وبقيت معلوماتهم مقتصرة على الاطلاع باللغة الأجنبية من الإنترنت ويوتيوب. 

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم

كثير من الغربيين يحمل صورة مشوهة عن بلدان العالم النامي، خاصة تلك التي تضطرم فيها اضطرابات سياسية، أو تُحكم من قبل أنظمة لا تتماهى ولا تنسجم مع الأنظمة الغربية. لذا، لا لوم على المغتربين الشباب في امتلاكهم فكرة ضبابية ومشوشة عن ماهية الوطن، كيفية عمل مؤسساته، قدرات أفراده المبدعين من علماء ومسؤولين، من أساتذة ومحترفين، ومن أدباء وفنانين.

أذكر قصة أخرى عن أستاذ فولبرايت زائر، قدم إلى دمشق مع زوجته، ولا أذكر من رشحني لأعرفه على الحياة الثقافية في سوريا في مطلع القرن الحادي والعشرين. المهم، أنني تواصلت معه ووعدته أن أمر بسيارتي مع عائلتي وأصطحبه مع زوجته من فندقهما المتواضع في وسط العاصمة إلى مطعم شعبي في أحياء دمشق القديمة. 

بالفعل، وجدته وزوجته بانتظاري، وتوجهنا بسيارتي نحو المطعم المنشود المشاد في أحد البيويات العتيقة. سرعان ما لاحظت اضطراب الضيفين الشابين، وما أن اطمئنا لي ولزوجتي، حتى تجرأ الأستاذ الزائر على السؤال عن سبب وجود أشخاص في ثياب مدنية في الشوارع يحملون رشاشات كلاشينكوف. 

كان الذعر مرتسما في عينيه وعيني زوجته لمنظر غير مألوف ولا مستحب أوحى لهما بوجود انقلاب عسكري أو أنذرهما بإمكانية تعرضهما لاختطاف أو لسطو مسلح. ضحكنا، زوجتي وأنا، وطمأنا الضيفين الأجنبيين بأن هؤلاء الذين يرتدون بزات غامقة ويحملون كلاشينكوفات في وضح النهار إنما هم عناصر أمن يحرسون مؤسسات أو بيوت ضباط كبار. 

تظاهر الضيفان بالارتياح لهذا التفسير، ولكنني شعرت أن قلقهما الخفي لم يتلاش كليا، إذ قال لي الشاب: "إذا كانت تلك مهمتهم، لماذا لا يرتدون زيا رسميا يميزهم ويطمئن عابري السبيل من مواطنين وأجانب؟" لم أحر بجواب، لأن كلامه كان منطقيا ومقنعا.

يمر المغتربون من أصول عربية، خاصة أولئك الذين يملكون إلماما طيبا باللغة والحضارات والثقافة والفنون، بتجارب مختلفة. معظمهم يخال الأمور من خلال تصوير الإعلام الغربي لها أكثر قتامة ومأساوية مما يفاجؤون بأنها عليه في الواقع القائم. 

بالتأكيد، فإنهم يواجهون بعض المظاهر غير المستحبة، بل المنفرة مثل خشية الأجنبيين الزائرين من تسكع أشخاص في ثياب مدنية وهم يلوحون بالبنادق الرشاشة، لكن الزوار من المغتربين يواجهون غالبا بعض المفاجآت السعيدة. 

أذكر أنني استقبلت في فترتين متقاربتين اثنين من المغتربين المتخصصين في إدارة المتاحف والمعارض، أحدهما أميركي، والآخر بريطاني. أحتفظ بذكرى طيبة جدا عن كل من هذين الخبيرين المغتربين، لأن كلا منهما جاء على حدة حاملا أفكارا مسبقة عن كيفية عمل الإدارات المحلية، وبصراحة تامة، عن مدى تخلفها. 

لكن كليهما فوجئ بأن تلك الصورة مبالغ بها في ميدان الثقافة، وأنه توجد أسس للحوار والتفاهم على سبل تطوير عمل المتاحف، وجعلها أدوات استقطاب للسياحة من أرجاء العالم كله. 

بالتالي، كان التقدير والتعاون متبادلين مع كلا الشخصيتين الوطنيتين رغم اغترابهما الطويل، مما ضاعف حماستهما لطرح مزيد من الاقتراحات والمشاريع البناءة بانسجام مع فريق العمل المحلي في المضمار ذاته.

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم، تهتم بتعليم أبنائهم اللغة العربية، تجعلهم لا ينسون تاريخهم وثقافتهم رغم إقامتهم مدة طويلة في بلدان أخرى وحملهم لجنسياتها. 

لذا، أنشأت بعض البلدان وزارة المغتربين، وهي الوزارة المعنية بجالية كل بلدٍ من البلدان في شتى أرجاء العالم. نكصت بعض البلدان عن الاستمرار في وزارة تحمل هذا الاسم، وألحقت نشاط المغتربين بوزارة الخارجية. أميل إلى الاعتقاد أن وزارة الخارجية وزارة سياسية بالمقام الأول، ومهمات الوزير وبقية كبار المسؤولين فيها لا تعطيهم الوقت الكافي للتفكير في فعاليات والقيام بجولات تعزز صلة الجاليات بوطنهم الأم. 

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور

وزارة المغتربين هي وزارة واسعة الطيف، مرنة الممارسة، وتستطيع الإسهام بتشجيع إنشاء مشاريع اقتصادية واستثمار المغتربين في بلاد أجدادهم. ليس انطلاقا من "نوستالجيا" تحن إلى الماضي، بل من واقع كون كل بلد من بلدان العالم يملك إيجابيات وسلبيات، أقول: إن تعزيز العلاقة بين المغترب ووطنه الأم هام للغاية. 

ليس المطلوب إطلاقا أن يقتنع المغتربون بهجر أوطان الغربة والعودة إلى حضن الوطن، وليس المهم أن ينفروا من نمط حياتهم في بلدان أجنبية، بل أن يشعروا ببعض ميزات وطن الأجداد، ويحرصوا على عدم قطع علاقتهم معه، بل التردد عليه سياحة مع أبنائهم، وربما الاستثمار فيه لمن يملكون القدرة المادية على الاستثمار.

يحكى أن حكيما أرسل أبناءه إلى مدينة ليأتوه عنها بالخبر اليقين. غابوا شهرا، ثم عادوا. قال أولهم: إنها مدينة فساد ومجون، أهلها خبثاء شريرون، يسرقون الكحل من العين، ولا يأمنهم المرء حتى على حياته. قال الثاني، أنا وجدتها مدينة تقى وإيمان، أهلها دراويش ورعون، أخلاقهم حسنة، واستضافتهم كريمة، والإقامة بينهم آمنة. أما الثالث فقال: إنها مدينة علوم وفنون، فهي تسابق العصر، وتنافس مدن العالم المتقدمة. سكانها مبدعون وباحثون مجتهدون، وهم يتعلمون من الغريب ويعلمونه. ابتسم الأب الحكيم وقال: "كل منكم رأى في المدينة ما يعبر عن شخصيته".