| Source: Courtesy Image

تروي قصة الخليقة أن حواء خلقت من ضلع آدم. لو توقفت القصة عند هذه النقطة فقط، لما ظهرت البشرية، لكن حواء حملت من آدم وأنجبت. بالتالي، رغم أن قابيل قتل أخاه هابيل، إلا أن سلالة الإنسان ما كان لها أن تكون لولا وجود المرأة.

عندما نرجع إلى الحضارات القديمة، سنجد احتفاءً هائلا بالمرأة، يصل إلى حد إضفاء الألوهية الوثنية على أشكال النساء وخصالهن. لا فرق في هذا بين الحضارات الغربية والحضارات الشرقية. نجد ذكرا لأمثلة عديدة من حضارات العالم ضمن كتاب جيمس فريزر الموسوعي "الغصن الذهبي". بدورها، لم تطلق نوال السعداوي على أحد أهم كتبها عبثا عنوان "الأنثى هي الأصل".

وأقول شخصيا إن أصغر وحدة إنسانية في الكون ليست مخلوقا واحدا، بل هي مخلوقان. المرأة فخر الإنسانية، أما كانت أم زوجة أم أختا أم ابنة أم حبيبة. لا غرابة أن كثيرا من كبار الشعراء ـ وأخص بالذكر نزار قباني ومحمود درويش بين العرب منهم ـ قاموا بتصوير المرأة رمزا للوطن.

اختلف كتاب الدراما في مقاربتهم للمرأة عبر العصور، فمنهم من أضفى عليها هالة البطولة والتضحية والنبل والسمو إلى درجة التقديس، ومنهم من انتقدها بشكل لاذع، سخر من سطحية سلوكها وتقلب مزاجها، وزين بتعالٍ وهمَ تفوق الذكور.

اللافت للانتباه لدى ندرة نادرة من عباقرة الكتاب احتمال تفسير أعمالهم على نحوين متناقضين، بحيث يقرأ بعض المتلقين فيها ما يراه عداءً للمرأة وانتقاصا من مكانتها عبر تضخيم أخطائها والتهكم عليها، بينما يقرأ بعضهم الآخر فيها ما يؤيد تحررها ويشيد بدورها المحوري في بناء الأسرة والمجتمع، سواءً كفاعلة مساهمة أم كمحرضة ملهمة.

أثير هذا الجدل عن موقف المسرحي العربي الكبير توفيق الحكيم من المرأة، كما أثير عن البريطاني جورج برنارد شو، والسويدي أوغست سترندبرغ، والأميركي تنيسي وليامز وسواهم من مشاهير الكتاب.

أما النرويجي هنريك إبسن، فاعتبر من مناصري المرأة والمنادين بتحررها من هيمنة الرجل، خاصة عبر مسرحيته "بيت الدمية" التي تقرر الزوجة نورا في نهايتها هجر بيت زوجها وأطفالها من أجل كرامتها المهدورة، لأن شريك عمرها يعاملها كمجرد دمية دون أن يقدر تضحيتها، بل يتخلى عنها في وقتٍ كانت في أشد الحاجة إلى دعمه ومساندته.

ما زالت تحيا مسرحية "بيت الدمية" وعديد من مسرحيات إبسن الأخرى مثل "هيدا غابلر" و"عدو الشعب"، مما يدل على أن مضمونها لم يتلاشَ، وبالأخص في عديد من دول العالم العربي، وأن التساوي في الحقوق والوجبات بين الرجل والمرأة لم يتحقق كاملا بعد، بالرغم من نيل النساء لقدر كبير من حقوقهن المستحقة عن جدارة.

الحق يقال، إن أفضل الإحياءات لمسرحية "بيت الدمية" تلك التي يتم اقتباسها بحيث تضع نورا وزوجها تورفولد في أحد المجتمعات النامية حيث سلوك "الماتشو" الذكوري ما زال طاغيا. عندها، تكتسب العبارة التي قيلت حين أطلق إبسن مسرحيته معناها من جديد: "إن صفقة نورا لباب بيت الزوجية هزت أوروبا".

للأسف، ليس كل توزيع أدوار غير تقليدي ناحجا، رغم أن فكرة الخروج عن التقاليد المملة في توزيع الأدوار أمر إيجابي في عالم المسرح. غلطة سوء توزيع دور معين أشبه بمن يزرع الألغام، غلطته الأولى هي الأخيرة. لذلك، قال المخرج السينمائي الشهير إيليا كازان ذات مرة: "سوء توزيع دور معين هو الغلطة التي لا يمكن أن تصحح".

نورا تخلع خاتم الزوجية في مسرحية إبسن "بيت الدمية" في "مسرح الكتاب" إخراج لافينا جادهواني

كان العرف الاجتماعي المحافظ في الأزمنة القديمة لا يَسمح للنساء بالظهور على خشبات المسارح، بل يلعب أدوار النساء شبان يافعون. ساد هذا في عصر شكسبير في إنكلترا، وفي عصر أبي خليل القباني في دمشق وسواها.

في القرن التاسع عشر، طرحت النجمة الكبيرة ساره برنار السؤال المنطقي والمشروع: "كثيرا ما يلعب الرجال شخصيات النساء على المسرح، فلماذا لا يسمح أن تلعب امرأة دور رجل؟" 

في الواقع، راج توزيع الأدوار غير التقليدي منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، وازدهر في عصرنا الراهن. أذكر أنني حضرت ذات مرة في مسرح "غلوب" اللندني (المشيد معماريا نسخة طبق الأصل عن المسرح الذي شهد معظم أعمال شكسبير في زمانه) عرضا لمسرحية "العاصفة"، فوجدت الممثلة الشهيرة فانيسا ريغريف تلعب دور بروسبيرو، الرجل النبيل المنفي والمتمكن من فنون السحر. تقبل الجمهور ذلك بسلاسة وصفق طويلا لأدائها الرائع وحضورها الأخاذ.

مؤخرا، لعبت الممثلة الكبيرة غليندا جاكسون دور الملك لير على المسرح البريطاني، وأشاد النقاد بأدائها. لم يعترض أحد في المرتين على كون ممثلة امرأة تلعب دور رجل.

أما في القرن التاسع عشر، فشكل قرار الأيقونة المسرحية الفرنسية الشهيرة سارة برنار بلعب دور هاملت صدمة للرأي العام الفرنسي والأوساط الاجتماعية الأوروبية برمتها. كانت ساره برنار قد بلغت من العمر خمسين عاما، فأرادت أن تحيي بريق مجدها بتحدٍ تمثيلي جبار ومدهش. اقتضاها طموحها هذا أن تعمد إلى تكليف كاتبين بإعداد النص الشكسبيري هما يوجين موراند ومارسيل شاوب.

أما في مسرحية "برنار/هاملت" للمؤلفة المعاصرة الموهوبة تيريزا ريبيك، التي أنتجها مسرح "غودمان" في شيكاغو، فنجدها تكلف عشيقها المؤلف المسرحي الشهير إدموند روستان بالقيام باقتباس "هاملت" عن نص شكسبير الشعري، وتحثه على استبدال الشعر بالشاعرية، طامحة أن تحافظ بذلك الدور على تألقها. لا تغفل موهبة تيريزا ريبيك في نصها الممتاز من حيث الحبكة ورسم الشخصيات وأسلوب الحوار تضمين كثير من التفاصيل والأسماء، بما في ذلك مشهد من مسرحية روستان الأشهر "سيرانو دو برجراك"، فضلا عن ذكر شخصيات عاصرت ساره برنار عدة مرات، وفي مقدمتها منافستها الإيطالية على الساحة الأوروبية إليانور دوز، التي قال عنها أحد النقاد: "أقسم أنني رأيت بأم عيني قامتها القصيرة تنمو وتطول على خشبة المسرح مثل شجرة".

جنيفر لاتيمور وتيري ماكموهان في مشهد مواجهة الزوجة والعشيقة

لا تتجنب الأعمال الإبداعية العظيمة تصوير هنات وأخطاء أبطالها. في هذه المسرحية، لم تصور المؤلفة تيريزا ريبيك ولا المخرجة دونا فيوري شخصية ساره برنار المحورية بطلة منزهة عن الأخطاء.

على العكس تماما، قدمها العرض إنسانة إشكالية من لحم ودم، يمكن أن يقرأ بعضهم في تكوينها ما يبرر وقوع ملوك ورؤساء وفنانين وأدباء في هواها، ويمكن أن يقرأ بعضهم الآخر في تكوينها وسلوكها أنانية وانحرافا عن الأعراف الأخلاقية المألوفة، لكن أحدا من الطرفين لا يستطيع إنكار موهبتها وإغفال حضورها الآسر الذي جسدته تيري ماكموهان بإتقان.

كان أحد أروع المشاهد في العرض مواجهة زوجة روستان لعشيقته ساره برنار، التي تحرج وتلجأ للكذب بالرغم من نفوذها الواسع وشخصيتها المسيطرة.

اتسم أداء الممثلة تيري ماكموهان باللمسات الشكسبيرية، وهي المتمرسة في أداء بطولات مسرحياته عبر تجربتها المديدة مع فرقة "مهرجان أوريغون الشكسبيري"، حيث ظهرت في أكثر من 50 عرضا.

أبدع المؤدون جميعا، بالأخص جون تافتس في دور المؤلف المسرحي إدموند روستان ولاري ياندو في دور الممثل الشهير كونستانت كوكلان، كما أسهم تكامل الديكور والإضاءة والموسيقا والأزياء في جعل عرض "برنار/هاملت" تحفة مسرحية نادرة محورها تصوير فلسفي عميق وثري وإشكالي للمرأة، أصل البشرية وملهمة الرجل.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.