تظاهرة في لندن ضد الهجوم التركي في شمالي شرقي سوريا
تظاهرة في لندن ضد الهجوم التركي في شمالي شرقي سوريا

للولايات المتحدة تقليد عريق في التخلي عن الأكراد في أحلك لحظاتهم. وبعد أن تنهي واشنطن العلاقة المنفعية والآنية مع التنظيمات الكردية، يعود قادة الأكراد لاسترضاء جلاديهم السابقين للبحث عن تسوية جديدة من موقع ضعيف.

بعضنا لا يزال يذكر الابتسامات غير الطبيعية للمام جلال طالباني والأستاذ مسعود برزاني جالسين مع صدام حسين بعد أن تخلت عنهم واشنطن (هنري كيسنجر تحديدا) بعد اتفاق الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين في 1975 حول شط العرب والذي أنهى الدعم الاميركي للأكراد وأعطى نظام البعث الضوء الأخضر لاجتياح كردستان العراق.

هذا ما نراه اليوم بعد أسبوع واحد من إعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضوء الأخضر لاجتياح شمالي سوريا للقضاء على أي فرصة للأكراد لتقرير مستقبلهم.

وخلال مكالمة هاتفية واحدة قوّض الرئيس ترامب كل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، بالتعاون مع "قوات سوريا الديمقراطية" التي يشكل الأكراد عمودها الفقري، وأبرزها دحر إرهابيي "الدولة الإسلامية"، وإعطاء الأكراد في شمالي شرقي سوريا للمرة الأولى في تاريخهم فرصة إدارة شؤونهم الذاتية، في تجربة كان يمكن أن تتطور إلى حكم ذاتي في صيغة فدرالية مستقبلية في مرحلة ما بعد نظام بشّار الأسد.

مرة أخرى يجد الأكراد أنفسهم لوحدهم، وهذه المرة حتى بعيدين عن أصدقائهم القدامى: جبالهم الوعرة في العراق

​​تاريخ الأكراد في القرن الماضي هو سلسلة من المحاولات الشجاعة واليائسة، وأحيانا المتهورة، لتقرير مصيرهم في جزء من وطنهم المقسم بين أربع دول التقت على حرمانهم من حقوقهم الوطنية والسياسية والثقافية.

عندما ناقش الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى مصير الشعوب والأراضي التي كانت تضمها الإمبراطورية العثمانية في مؤتمرات دولية، قرروا خلال مؤتمر سيفر في 1920 إعطاء الأكراد وطنا قوميا لهم.

ولكن بريطانيا استخدمت نفوذها وتعاونت مع تركيا للقضاء على الحلم الكردي في مؤتمر لاحق عقد في لوزان في 1923 والذي تم فيه الاتفاق على تقسيم الأراضي الكردية بين تركيا والعراق وسوريا. هذا المؤتمر كان أول نكسة يلحقها الغرب بالأكراد.

جمهورية مهباد في كردستان إيران، والذي كان الملا مصطفى برزاني من قادتها بالكاد بقيت على قيد الحياة لأقل من سنة قبل انهيارها في 1946 لأسباب عديدة من بينها أخطاء القيادات الكردية، وإصرار إيران على تقويضها، وامتناع الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة عن دعمها.

محاولات أكراد العراق إقامة حكم ذاتي في الشمال، بعد عودة الملا برزاني من منفاه السوفياتي في 1958 قوبلت بمقاومة قوية من بغداد. ما حققه أكراد العراق من حقوق سياسية وثقافية جاء نتيجة نضال طويل تخلله مساومات سياسية واقتتال داخلي وأخطاء سياسية ارتكبتها قيادات "وسلالات" احتكرت السلطة لوقت طويل.

الاجتياح التركي السريع، والذي جاء بعد انسحاب أميركي أسرع لقوات محدودة من شمالي سوريا، فرض على قادة الأكراد خيارات شبه مستحيلة. قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عابدي لخص معضلة الأكراد بعد تخلي الرئيس ترامب عنهم بالشكل التالي "إذا كان علينا أن نختار بين التسويات وإبادة شعبنا، بالتأكيد سوف نختار الحياة لشعبنا". وأضاف عابدي في مقال نشره في مجلة فورين بوليسي "نحن نعلم أنه علينا أن نختار تسويات مؤلمة مع موسكو ومع بشّار الأسد إذا قررنا السير على طريق العمل معهم".

تاريخ الأكراد في القرن الماضي هو سلسلة من المحاولات الشجاعة واليائسة، وأحيانا المتهورة، لتقرير مصيرهم

​​وفسّر عابدي الانهيار السريع لقواته بالإشارة إلى أنه بناء على طلب من واشنطن (وتحت الضغوط التركية) سحب الأكراد أسلحتهم الثقيلة ودمروا دفاعاتهم العسكرية في المنطقة الحدودية وسحبوا أفضل عناصرهم العسكرية. هذا القرار الكردي اتخذ في سياق قناعتهم بأن تركيا لن تجرؤ على اجتياح شمالي سوريا طالما التزم الأميركيون بضماناتهم الأمنية. وهذا بالضبط ما لم يلتزم به ترامب، الذي اتخذ قرارا اعتباطيا بمفرده، ودون استشارة المسؤولين في مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع، أو الحلفاء في الخارج.

مرة أخرى يجد الأكراد أنفسهم لوحدهم، وهذه المرة حتى بعيدين عن أصدقائهم القدامى: جبالهم الوعرة في العراق.

منذ وصوله إلى البيت الأبيض والرئيس ترامب يكرر رغبته بالانسحاب من سوريا في سياق إنهاء ما يسميه "الحروب التي لا نهاية لها". المسؤولون الأمنيون والعسكريون أقنعوه بتأجيل الانسحاب إلى حين القضاء كليا على تنظيم "الدولة الإسلامية" كقوة عسكرية فعالة.

في ديسمبر الماضي، وبعد مكالمة هاتفية مع أردوغان أعلن ترامب بطريقة اعتباطية أنه سيسحب القوات الأميركية من سوريا. ذلك القرار دفع بوزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس إلى الاستقالة. الهدف الأولي للتدخل العسكري الأميركي (والدولي) في سوريا، والذي أمر به الرئيس السابق باراك أوباما، كان لهزيمة قوات "الدولة الإسلامية" التي اجتاحت أراضي سورية وعراقية كبيرة في صيف 2014.

القضاء على "الدولة الإسلامية" في سوريا بعد 4 سنوات من القتال لم يكن ممكنا لولا التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية. بعد القضاء على دولة "الخلافة"، أبقت الولايات المتحدة على قواتها في سوريا لاستخدامها للتأثير على أي تسوية سياسية، ولكن أيضا لمنع قوات النظام في دمشق والقوات الإيرانية من استعادة السيطرة على شمالي شرقي سوريا الذي انتشرت فيه القوات الأميركية وحلفائها الغربيين بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، خاصة وأن المنطقة غنية زراعيا ونفطيا.

أعطت السيطرة على المنطقة الفرصة للقوات الأميركية لمنع إيران من مد جسر بري بين إيران وسوريا عبر العراق. صحيح أنه لم يكن لحكومة الرئيس أوباما، ولا لحكومة الرئيس ترامب سياسة واضحة وقابلة للتطبيق لمستقبل سوريا، إلا أن الوجود العسكري الأميركي كان يعني أنه لا يمكن تجاهل واشنطن في أي حل مستقبلي للحرب في سوريا.

ترامب وأردوغان يواجهان تحديا قويا قد يهدد مستقبلهما السياسي

​​ولكن الانسحاب الأميركي السريع الذي نراه الآن في خضم وضع أمني خطير وفوضوي ومتغير، يعني أن واشنطن تخلت طوعا عن نفوذها لحماية مصالحها ومصالح أصدقائها، وأنها ستترك وراءها وضعا هشا ومفككا، سوف تكون فيه روسيا الدولة ذات النفوذ الأوسع سياسيا وعسكريا في المدى المنظور. وأن أي تغيير في سوريا لن يكون فيه أي دور للولايات المتحدة.

الطريقة التي وصف فيها وزير الدفاع مارك أسبر انسحاب القوات الأميركية من سوريا، والتي يصل عديدها إلى ألف عنصر لأنها وجدت نفسها بين الجيش التركي الزاحف من الشمال وجيش الأسد وحلفائه الزاحف من الجنوب، أعطى الانطباع بأن القوات الأميركية كانت في حالة تقهقر.

وفي إشارة لافتة، عكست ازدياد استياء المسؤولين الأميركيين من تركيا ورئيسها، قال أسبر إنه لا يعتقد أن تركيا تتصرف كحليف لأميركا، وتبع في مقابلة تلفزيونية أن سلوك تركيا "في السنوات الماضية كان رهيبا، لأنها تبتعد عن الفلك الغربي".

مع نهاية الأسبوع الأول للأزمة الجديدة يمكن القول إن موسكو هي الرابح الأكبر، لأنها الطرف الوحيد القادر على التواصل مع جميع الأطراف المعنية والمتقاتلة: الأكراد، نظام الأسد، تركيا وإيران.

دعوة الأكراد حكومة بشار الأسد لإرسال قواتها إلى المناطق الحدودية التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية من القامشلي إلى منبج، هو اعتراف ضمني، ولكن مدو بأن الاكراد قد فقدوا السيطرة على هذه المناطق التي أداروها لسبع سنوات.

ومن غير الواضح ما الذي حصلوا عليه من ضمانات ـ هذا إذا حصلوا على أي ضمانات ـ من نظام الأسد أو من الروس. اللافت هو أن الأكراد كانوا قد ألمحوا لمحللين أميركيين، بعد استقالة وزير الدفاع ماتيس، أن عليهم استشراف سبل استئناف الاتصالات مع الروس ونظام الأسد، كضمانة ضد أي تغيير مفاجئ في مواقف ترامب.

سيجد الأكراد أنفسهم في وضع ضعيف في أي مفاوضات تجري بينهم ونظام الأسد، وسوف يلجؤون ـ الآن بعد أن تخلت عنهم واشنطن ـ أكثر فأكثر إلى موسكو.

قرار الرئيس ترامب سحب القوات الأميركية من سوريا، دون تنسيق ذلك مع الحلفاء ستكون له مضاعفات بعيدة المدى على سمعة ووعود والتزامات واشنطن السياسية والأمنية من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

استمرار الاحتلال التركي للأراضي السورية سوف يشجع الأصوات المطالبة بطرد تركيا من حلف الناتو

​​الاجتياح، شاء أردوغان أم أبى، سوف يلحق أضرارا كبيرة بتركيا سياسيا واقتصاديا. ومع مرور كل يوم يزداد فيه عدد الدول الاوروبية التي تفرض حظرا عسكريا على تركيا، الدولة التي لا تزال عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وسوف يناقش مجلس الشيوخ في الأيام المقبلة مشروع قرار برعاية السناتور الجمهوري ليندزي غراهام والسناتور الديمقراطي كريس فان هولن لفرض عقوبات اقتصادية ضد أردوغان ونائبه ووزراء المالية والدفاع والطاقة والاقتصاد، إضافة إلى فرض عقوبات عسكرية ضد تركيا، تضمن معاقبة أطراف ثالثة تساعد تركيا عسكريا.

ما هو مؤكد في نهاية الأسبوع الأول للأزمة، هو أن الرئيسين ترامب وأردوغان يواجهان تحديا قويا قد يهدد مستقبلهما السياسي. الكونغرس الأميركي غاضب منهما، ومن المتوقع أن يصوت على قرارات عقابية سوف تضعضع أكثر العلاقات بين واشنطن وأنقرة ـ الهشة أصلا.

استمرار الاحتلال التركي للأراضي السورية سوف يشجع الأصوات الأوروبية والأميركية المطالبة بطرد تركيا من حلف الناتو، بعد أن يتوصل الحلف إلى آلية تنفيذية لهذا الهدف.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.