المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس السويسري السابق يوهان شنايدر أمان في مؤتمر تكنولوجي
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس السويسري السابق يوهان شنايدر أمان في مؤتمر تكنولوجي

ربما كان الحلم الجميل لكثير من الناس أن يصبح "سفيرا". السفير في عرف الجمهور هو شخص يستمتع بالكثير من السفر والفخامة في حياته، بالإضافة للمكانة الاجتماعية الراقية كممثل لبلده، وهو شخص يحضر الكثير من الاجتماعات المغلقة، حيث يتحدث الجميع بشكل منمق حول "العلاقات بين البلدين".

هذه الصورة لا تمثل الحقيقة الكاملة بالطبع، فالدبلوماسية فن يتطلب الكثير من الخبرة والقدرات الشخصية والثقافة، وهو عمل معقد، ولكن الحقيقي والمؤكد أن هذا التعقيد سيزداد في المستقبل القريب، لأن العالم كله يزداد تطورا وتداخلا، بحيث سيتطلب العمل الدبلوماسي الكثير من الثقافة والمعرفة المتخصصة والتقنية، كما سيتطلب الكثير من الإبداع والقدرات الاتصالية كذلك.

لعل أهم صفات القرن الـ21 هو عبور التقنية وتطبيقاتها وشركاتها للقارات، وهذا ينطبق على الشبكات الاجتماعية التي تسيطر على حصة كبيرة من إنتاج المحتوى والحوار الاجتماعي والدخل الإعلاني في كل دولة، ومنصات التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية والترفيهية، وقريبا جدا المنصات التعليمية التي سيلجأ إليها الناس بديلا عن التعليم التقليدي.

الدبلوماسي سيحتاج للقدرة الاتصالية التي تؤهله للتعامل المميز مع الشبكات الاجتماعية

​​بالنسبة للدبلوماسي، ستتحول القضايا التقنية لجزء من أجندة اجتماعاته ومفاوضاته مع الدول الأخرى: قضايا الخصوصية، وجمع البيانات الضخمة من منصات في دول أخرى، والحروب السيبرانية، بالإضافة لقضايا علمية مثل التغيرات المناخية وأزمات المياه.

هذه العولمة في صميم مفهومها مخالفة لمفهوم السيادة الذي يدافع عنه كل دبلوماسي، وهي تمثل تحديا هائلا، وجزء من هذا التحدي هي المعرفة المتخصصة التي يحتاجها الدبلوماسي ليستطيع تمثيل مصالح دولته بالشكل اللائق. هذا الاحتياج سيفرض على وزارات الخارجية حول العالم تغيير هيكلتها التنظيمية، بحيث تضم بالإضافة للسفراء الخبراء المتخصصين في كافة المجالات، وبحيث يتشابك عمل السفراء مع الخبراء لتحقيق الأهداف العامة للوزارة.

بعض المتخصصين يقول بأن العولمة ستفرض على كل مؤسسة حكومية أن يكون لها نشاطا دوليا، مما سيمثل ضغطا على السفارات لتمثيل كل هذه الاهتمامات، وتغييرا للطبيعة التقليدية للعمل الدبلوماسي.

في ألمانيا مثلا، تبنت وزارة الخارجية الألمانية فكرة غرفة العمليات المفتوحة (Open Situation Room)، فعندما تكون هناك أزمة أو قضية، يحضر كبار المسؤولين والدبلوماسيين، بالإضافة لشباب من رواد الأعمال، والمبدعين، والعلماء الشباب، وحتى صناع المحتوى والمؤثرين على الشبكات الاجتماعية، ليشاركوا في معالجة الأزمة وإيجاد الحلول لها.

هذا يعني أن الإبداع سيصبح صفة أساسية للدبلوماسي الناجح، ليس فقط لإيجاد حلول جديدة للمشكلات الكثيرة التي تولد مع كل صباح. الوصفات الجاهزة في التعامل مع كل تحدي دولي، هو ما يعتمد عليه الدبلوماسيون الكسالى اليوم، سيصبح أمرا من الماضي قريبا جدا.

هناك حاليا محاولات لتطوير آليات لإنتاج أفكار أكثر تخدم عمل السياسة الخارجية. مثلا، سويسرا، ذات التقاليد الدبلوماسية العريقة، يخدمها مركز أبحاث اسمه (Foraus) والذي يعمل على فتح عصف ذهني حول القضايا التي تمثل مستقبل الدبلوماسية وتطور عمل السياسة الخارجية، ويستقطب مئات الدبلوماسيين الشباب. واحدة من مشاريعها خاص مثلا بالتقنية المالية "فنتك" حتى تخدم القطاع المالي السويسري عالميا. الفكرة الأساسية هنا هي عصف جماعي على مستوى مئات المهتمين بالشؤون الدبلوماسية والسياسية، حتى يتم الخروج بأفكار خلاقة وفعالة في الوقت نفسه.

مثل هذا الإبداع هو ما سيتطلب نشوء جيل من رواد الأعمال من نوع خاص جدا، أولئك الذين يبتكرون مبادرات دولية لها تأثير دبلوماسي إيجابي، ويأخذون على عاتقهم المخاطرة والعمل المتواصل لتحقيق النجاح لتلك المبادرات.

من أهم تطورات الدبلوماسية اليوم هو انبثاق ما يسمى بـ"الدبلوماسية الرقمية"، أي استخدام التقنية الرقمية في بناء صورة ذهنية إيجابية للدولة، وكسب عقول وقلوب شعوب الدول الأخرى، والتفاعل اليومي معهم عبر الشبكات الاجتماعية.

الدبلوماسية الرقمية تعني الوصول للشعوب مباشرة، بحيث تستغل قوة الرأي العام في الدول الأخرى ليس فقط للضغط على الحكومات وإنما لجذبهم سياحيا وتجاريا وفكريا. الدبلوماسية الرقمية تصاعدت مع تصاعد مفهوم آخر هو الدبلوماسية الشعبية أو الدبلوماسية العامة. هذا النوع من الدبلوماسية سيتصاعد في السنوات العشر القادمة، وهو أيضا سيحتاج الكثير من الإبداع في صناعة البرامج والمبادرات والرسائل الجذابة، حتى يمكن كسب اهتمام الجمهور المشتت وإقناعه بمضمون هذه الرسائل والمبادرات.

من أهم تطورات الدبلوماسية اليوم هو انبثاق ما يسمى بـ"الدبلوماسية الرقمية"

​​محصلة هذا كله أن الدبلوماسي سيحتاج للقدرة الاتصالية التي تؤهله للتعامل المميز مع الشبكات الاجتماعية. لم يعد ممكنا تجاهل الجمهور في أي دولة، لأن هذا التجاهل قد تنتج عنه أزمات حقيقة. أضف إلى ذلك، أن السياسيين أنفسهم صاروا مؤثرين على الشبكات الاجتماعية، ويقومون ببث رسائلهم من خلالها، ولعل نموذج الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يكتفي باستخدام موقع تويتر للحديث في الشأن السياسي الخاص، ولكنه يستخدم أسلوبا غير دبلوماسي في كثير من الأحيان، ويتطلب من الدول تعاملا ذكيا معه، والجدل الذي حصل مع الدنمارك حول شراء جزر غرينلاند هو مجرد مثال من عشرات الأمثلة من هذا النوع.

هذا كله يهدف في النهاية لبناء "القوة الناعمة" للدولة، وبناء "العلامة الوطنية" (Nation Branding)، والتي سيكون لها أهمية بالغة في عالم المستقبل لتحقيق أهداف الدول.

هناك سؤال دائم فيما إذا كانت العولمة المتزايدة ستقتل الحاجة للدبلوماسيين في المستقبل لأن كل تواصل سيكون دولي. في رأيي، المستقبل سيكون لصالح الديبلوماسية لأن تعقيد العالم والتأثيرات المتبادلة بين الدول وزيادتها ستفرض الحاجة للدبلوماسيين الحيويين والمثقفين، وليس "المخمليين" الذين نحلم بحياتهم الجميلة أحيانا!

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟