خواكين فينيكس مشاركا في العرض الافتتاحي لفيلم "الجوكر" في لوس أنجلس
خواكين فينيكس مشاركا في العرض الافتتاحي لفيلم "الجوكر" في لوس أنجلس

إنها لمفارقة حقا أن فيلم "الجوكر" افتتح في الهند في الثاني من شهر أكتوبر بمناسبة "يوم اللاعنف"، وهو عطلة رسمية احتفاء بذكرى ميلاد المهاتما غاندي. في الوقت ذاته، وجه تحذير لمشاهديه من "العنف الشديد والمزعج" الذي يتضمنه الفيلم!

تلك نتيجة الحيرة بين الرغبة التجارية في جني الأرباح من شباك التذاكر المزدهر في أيام العطل والأعياد وبين الخشية من تأثيرات فيلم يتضمن إراقة الدماء.

تلتهب الحروب في منطقة الشرق الأوسط، وتنذر بانفجارات أوسع مدى على جبهات عديدة، فالانتفاضات الشعبية تتوالى ـ وأحدثها اندلع في السودان والجزائر ـ كما عادت مظاهرات الاحتجاج مؤخرا إلى الاندلاع في شوارع مصر والعراق.

نرى آرثر يحاول التعويض عن قهره ووحدته بالحب

لا شك، إذن، أن عالمنا عنيف. لا أحد يمكنه إنكار العنف المتفاقم في مناطق وقارات مختلفة. لذلك، اعتقد كثير من المشاهدين أن "الجوكر" (2019) فيلم من أفلام الخيال العلمي الحافلة بالمغامرة والحركة، نظرا لأن بطله الشرير هو الشخصية غريبة الأطوار التي تضع مكياج مهرج، خصم "باتمان" اللدود.

فوجئ المشاهدون بأن الفيلم لا علاقة به بذلك النمط من الأفلام على الإطلاق، بل هو فيلم سياسي بامتياز. عند الخروج من صالة السينما ترددت أصداء ضحكات عالية عديدة تقلد ضحكة الجوكر، وعندما صرنا في الشارع كانت مجموعات من الشباب تقلد حركاته الراقصة المجنونة. بالتالي، لا غرابة أن فيلم "الجوكر" حظي بضجة عالمية ليس على الصعيد السينمائي فحسب، وإنما على الصعيد السياسي.

يذكرني فيلم الجوكر (Joker) في تأثيره بفيلم V for Vendetta (عام 2005). حرض كل من الفيلمين مشاعر الثورة النابعة من الإحباط والإهمال والعزلة والبطالة وخيبة الأمل، كما صور تمرد الشباب ضد الفساد المستشري في المجتمع وضد تحكم قلة من الأثرياء بمصائر غالبية عظمى من الفقراء.

في الفيلمين هناك قناع ما يلبث أن يتحول إلى رمز، يضعه متظاهرون يقومون بانتفاضة ذات نزعة فوضوية، لكنهم يعبرون بارتدائه عن نقمتهم على الفساد والاستبداد اللذين يبقيانهم في حضيض المجتمع، يتسولون العمل، وبالكاد يحظون بفرصة لائقة للعيش بكرامة.

يحطم المتظاهرون واجهات المحلات، يحرقون السيارات، يطلقون النار عشوائيا، مثلما حدث في بعض عواصم هبت عليها رياح الربيع العربي أو في انتفاضة السترات الصفراء في باريس.

لهذا السبب أثيرت موجة شائعات لدى افتتاح فيلم "الجوكر" في الولايات المتحدة عن احتمال وقوع أحداث عنف مشابهة، غير ناجمة عن دافع ديني أو نزعة عرقية أو تعصب قومي، بل عن انفجار نقمة كامنة في نفوس المحبطين والمهمشين والناقمين، خاصة وأن العنف سبق أن وقع في عدة ولايات ومدن أميركية بسبب التساهل في اقتناء الأسلحة، بحيث يطلق مهووس أو مختل العقل أو خائب الأمل الرصاص عشوائيا موقعا ضحايا أبرياء. لحسن الحظ، لم يحدث شيء حتى الآن.

جدير بالذكر أن فيلم "الجوكر" (2019) لمخرجه تود فيليبس حاز جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الشهير، وسيرشح بالتأكيد لعدة جوائز أوسكار وغولدن غلوب.

تكمن صعوبة دور الجوكر في نمو الشخصية عبر الحبكة. نرى آرثر فليك في البداية شخصا عاديا بائسا يتعرض لسرقة اللوحة الإعلانية التي يحملها وهو في زي مهرج من قبل زعران، يضربونه دون أن يستطيع لهم صدا.

لاكيث ستانفيلد مشاركا في العرض الافتتاحي لفيلم "الجوكر" في لوس أنجلس

ثم نراه يقع ضحية خداع زميل يطمع أن يسرق وظيفته كمهرج، فيغريه بحمل مسدس ليدافع به عن نفسه، وإذا به يردي ثلاثة معتدين هاجموه في قطار قتلى بالرصاص. عندما يسقط المسدس منه وهو يؤدي دور المهرج لأطفال مرضى في مستشفى، يطرد من عمله.

في بيته، نرى آرثر يعتني بأمه المريضة، سنده الوحيد في الحياة، لكنه عندما يكتشف بأنها خدعته وأوحت له نتيجة هلوساتها ووساوسها أنه ابن غير شرعي لصاحب النفوذ والثروة توماس وين، (والد بروس وين الذي سيصبح باتمان)، بينما هو في الحقيقة طفل متبنى، لا يتورع عن خنقها بوسادة وهي في المستشفى.

من ناحية أخرى، نرى آرثر يحاول التعويض عن قهره ووحدته بالحب، فيلاحق جارته الشابة السوداء الجميلة ويقيم معها علاقة، لكنها ما تلبث أن تشعر أنه يشكل تهديدا لأمانها وسلامة ابنتها الصغيرة.

يقوم آرثر بطعن زميله الذي خدعه بمقص في مشهد دموي فظيع، لكنه لا يؤذي القزم الذي يرافقه، لأنه لم يقم بأية إساءة له. في آخر الفيلم، يوحي لنا المخرج بأن الجوكر قتل السيدة السوداء التي تأخذ إفادته، إذ تطبع خطواته على الأرض آثار دماء.

لا أحد يمكنه إنكار العنف المتفاقم في مناطق وقارات مختلفة

هل هذه شخصية تدعو للتعاطف حقا؟ هل تثير شخصية آكل اللحم البشري هانيبال ليختر التي أداها أنتوني هوبكنز في فيلم "صمت الحملان" التعاطف؟ آرثر فليك في "الجوكر" شخصية إشكالية، يقدمها المخرج تود فيليبس، الذي أسهم في كتابة السيناريو أيضا مع سكوت سيلفر، ببراعة أوضحت الدوافع النفسية الكامنة وراء انحراف شخص عادي ليصبح مجرما شديد العنف يقتل بلا هوادة أو رحمة، وهي دوافع تنبع من تعرضه للاضطهاد، وتجعله من المذلين المهانين في مجتمع لا يعامل أبناءه بعدلٍ وإنسانية.

إنها شخصية ذات أسطح متعددة، تارةً تثير تفهمنا ورثائنا، وتارةً تثير فزعنا ونفورنا. لا يلحق الجوكر الأذى بشرطيين يشتبهان في مسؤوليته عن مصرع ثلاثة أشخاص في القطار، بل يؤذيهما أولئك الذين يتخذونه رمزا ويتقمصون دوره، لكن الجوكر يردي النجم صاحب البرنامج الكوميدي قتيلا على الهواء مباشرة أمام كاميرات التلفزيون، لأنه استغله وأثار سخرية الناس منه.

لا يقتل الجوكر الثري توماس وين وزوجته أمام عيني طفلهما (باتمان المستقبل)، بل يقدم على الجريمة شخص مجهول الهوية يرتدي قناع مهرج. إن رمز الجوكر هو القاتل، لا شخصه. صحيح أن توماس وين ليس والد الجوكر، لكنه المسؤول مجازيا عن ولادة المجرم الشرير فيه. لذلك، لا بد أن يقتله أحد أشباه الجوكر.

وجه السؤال إلى خواكين فينيكس فيما إذا قصد إثارة التعاطف مع شخصية الجوكر، فتحفظ عن إعطاء جواب، تاركا التقدير للمشاهدين. في الواقع، يقدم الفيلم تحليلا نفسانيا موضوعيا ومتوازنا لشخصية أرثر، الشاب الفقير المحبط الذي يحلم أن يصبح فنانا كوميديا ناجحا، لكنه مصاب بداء الضحك اللاإرادي الذي يسبب له كثيرا من الحرج، ويجعله هدفا لسخرية الناس على خشبة المسرح وشاشة التلفزيون، رغم أن ضحكته ممتزجة بالأسى والدموع.

أشهر من سبق أن أدى دور الجوكر من قبل كل من سيزار روميرو، جاك نيكلسون وهيث ليدجر. عندما توفي الأخير وهو في عز شبابه وعطائه، لم يحل ذلك دون منحه أوسكار أفضل ممثل مساعد عن دور الجوكر في فيلم المخرج كريستوفر نولان "فارس الظلام".

عقب وفاة هيث ليدجر المفاجئة عن عمر 28 عاما، قال جاك نيكلسون ما معناه: "حذرته من أن الجوكر سيقتله". اعترف نيكلسون أنه خلال أدائه للدور لم يكن ينم أكثر من ساعتين في اليوم نتيجة التوتر والقلق. بالنسبة إلى خواكين فينيكس، أعتقد أن الجوكر أحياه.

تكمن صعوبة دور الجوكر في نمو الشخصية عبر الحبكة

سبق أن رفض فينيكس أدوارا محورية في طراز أفلام الخيال العلمي، مثل "دكتور سترينج" وشخصية العملاق الأخضر هالك في "المنتقمون" لأنه لم يرغب أن يقيد نفسه بأداء دور في سلاسل سينمائية متتالية.

إنه ممثل حريص على انتقاء أدواره بعناية، وأشهرها Walk the Line الذي أدى فيه دور المغني جوني كاش، وHer الذي أدى فيه دور رجل يقع في غرام كومبيوتر.

صرح خواكين فينيكس إن أصعب ما في دور الجوكر كان إتقان ضحكته اللاإرادية التي تمتزج فيها القهقهة بالألم. كما أنزل خواكين فينيكس وزنه 52 رطلا ليناسب الشخصية. من المؤكد أن خواكين فينيكس سيرشح للأوسكار، وأرجح فوزه كأفضل ممثل عن دوره الصعب، الذي أداه برهافة حس وإتقان بالغين.

كم من جوكر يسعى ناقما وسط زحام شوارع مدننا العربية، معانيا من الإحباط والإهمال والظلم والفساد؟ كم من جمرة تحت الرماد تتأجج مهددة بحريق يلتهم الأخضر واليابس؟ لم يلد الجوكر في شوارع مدينة "غوثام" من فراغ نتيجة مؤامرة خارجية، بل ولد من جملة عناصر اجتماعية وسياسية محبطة من شأنها أن تسبب ولادة مائة ألف جوكر.

President of Kurdistan Region Nechirvan Barzani speaks during a press conference in Arbil, the capital of the northern Iraqi…

بينما يواجه كردستان العراق عدة أزمات حادة في الوقت نفسه، يجدر به تقييم فوائد ومساوئ الدعوة الشعبية إلى إصلاح نموذج الحكم المعتمد فيه حاليا وجعله لامركزيا. فمن المرجح أن يثبت نموذج الحكم المتقادم الذي تنتهجه "حكومة إقليم كردستان" حاليا عدم فعاليته في التعامل مع هذه التحديات الكبيرة، ما يكشف عن حاجة ملحة إلى اللامركزية.

وتُعتبر الدعوات إلى اللامركزية خير دليل على بروز مسار في المنطقة بالاتجاه المعاكس. فمنذ العام 1991، خضع "إقليم كردستان العراق" لحكم حزبين سياسيين رئيسيين هما "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني". وقد حكم الحزبان الإقليم وفق نموذج مركزي إنما غير موحد. ومع مرور الوقت، أثبت هذا النموذج أن له الكثير من السلبيات التي زادت الوضع سوءا بالنسبة لـ"حكومة إقليم كردستان".

وتصف مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (ميري)، وهي مركز بحوث في أربيل، الهيكلية الإدارية الحالية لـ"حكومة إقليم كردستان" بأنها تطورت لتصبح "بيروقراطية مركزية ومتضخمة وغير فعالة بشكل كبير". وتنتقد المؤسسة نموذج الحكم المركزي الذي تنتهجه الحكومة بعدما عمد "المسؤولون في الحكومة إلى تبريره وتعريفه على أنه محاولة لاستحداث سمات وعناصر للسلطة والسيطرة المركزيتين"، وهو أمر أثر سلبا في الواقع على "سير عمل النظام الحاكم وأدائه". ورغم أن هذا الإجراء مطبق منذ سنوات، إلا أن الضغوط التي ستنتج عن تراجع الاستثمار خلال الأشهر القادمة ستمارس ضغوطا إضافية على هيكليات الحكم القائمة.

من شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية

وقد سمح قطاع عام منتفخ وقطاع خاص ضعيف واقتصاد غير متنوع بنشوء دولة ريعية مركزية تسببت بالكثير من المشاكل للعديد من الأشخاص العاديين. فالإجراءات القديمة التي تعتمدها الحكومة متقادمة وبحاجة للتحديث. 

على سبيل المثال، لا يمكن للوزارات قبول نماذج رقمية ولا بدّ من تسليم المستندات الورقية باليد إلى المكاتب في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان العراق". ويجعل هذا الإجراء الرجعي الخدمات اليومية بطيئة، وهي مشكلة يمكن حلها فقط من خلال السماح باستخدام نسخ إلكترونية للنماذج. وتُعتبر هذه السمة المهمة للبيروقراطية السائدة في الإقليم أحد الأمثلة فقط على سوء التنظيم الذي دفع بالشعب إلى التشكيك بسبب وجود السلطات المحلية التي انتخبها.

اللامركزية مقابل خلفية سياسية ضبابية

من هذا المنطلق، إن اللامركزية التي أصبحت كلمة طنانة بالنسبة للأحزاب السياسية في "إقليم كردستان العراق" هي وسيلة لإصلاح هذا الانتفاخ الحاصل، رغم أنه لدى كل حزب أسبابه الخاصة لتحبيذ هذا المفهوم. 

وفي الآونة الأخيرة، شهد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" على السواء عملية انتقالية على صعيد القيادة، وقد حرص القائدان الجديدان لأبرز حزبين في الإقليم على إظهار قوتهما وشخصيتهما إلى الناخبين. 

فالقائدان الشابان واللذان يتمتعان بالجاذبية من عائلتي بارزاني ("الحزب الديمقراطي الكردستاني") وطالباني ("الاتحاد الوطني الكردستاني") سعيا إلى الاستفادة من الإرث الذي ورثاه، بما في ذلك الاستقطاب ضمن المجتمع الكردي. وقد تطور هذا الاستقطاب ليصبح حربا أهلية ناعمة ـ برزت بشكل خاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وضمن هذا الإطار، ستكون اللامركزية بمثابة تشارك للسلطة والموارد بين القطبين.

وخلال السنوات العديدة الماضية، جرى تعطيل عمل هذين القطبين. ففي السابق، كانت الهيكلية السياسية لإقليم كردستان مشكّلة نوعا ما وفق نظام ميزان القوى. لكن القيادة الحالية تفتقر إلى التماسك والدعم السياسي إذ تتوزع المقاعد في البرلمان وأحجام قواعد الأحزاب الانتخابية والسيطرة على الأجهزة الحكومية كلها بشكل غير متساوٍ ـ ما يؤدي إلى ميزان قوى متزعزع يظهر في معظم الأنظمة السياسية المركزية.

وفي السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي، بعدما عجز "الاتحاد الوطني الكردستاني" عن حل الانقسامات الداخلية. ونشأ الصراع على السلطة الناتج في مناطق كان يسيطر عليها هذا الأخير في السابق من دعوات متزايدة إلى الإصلاح والتغيير. ويبدو هدف "الاتحاد الوطني الكردستاني" الحالي لتأييد اللامركزية كوسيلة لاستعادة موقعه، جليا ليس فقط بالنسبة لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" بل للأحزاب السياسية الأخرى والشعب.

وعندما يعزز حزب سياسي واحد قوته، غالبا ما يحاول الحزب المهدد استعادة نفوذه من خلال تشكيل تحالف دفاعي "لإرساء ثقل موازن" في وجه الحزب الأكبر سيطرة. وفي وقت يسعى فيه "الاتحاد الوطني الكردستاني" إلى الاستفادة من التغيير المستجد في السياسة الكردية، والعودة إلى "الوضع القائم" السابق، سيواجه المزيد من الصعوبات في إطار مشهد سياسي ضبابي ومتخلف مماثل. ونتيجة لذلك، يقف الأكراد أمام مجموعة محدودة من الخيارات السياسية وعليهم الاختيار بين "حزب ديمقراطي كردستاني" "قوي" أو أحزاب أكثر ضعفًا ومنقسمة داخليا.

ومن موقع قوته، لا يعارض "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مباشرة اللامركزية، إنما لديه عوضا عن ذلك شرحه الخاص للمفهوم لا يتطابق بالضرورة مع فهم "الاتحاد الوطني الكردستاني" له. فـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" يرى أن اللامركزية ستكون في المقام الأول خطوة إدارية تؤثر على كافة محافظات وأقاليم كردستان. من ناحية أخرى، يواصل الحزب التشديد على سلطة الحكومة. وتعني هذه الرسائل شبه المتعارضة أن الحزب سيسمح بلامركزية إدارية محدودة طالما أن الأمر لا يشمل أي تغييرات في سلطة الحكومة المركزية للإقليم. في المقابل، يفسر "الاتحاد الوطني الكردستاني" اللامركزية على أنها الحدّ من مركزة السلطة في الإقليم.

وإلى جانب التفسيرين السياسيين أعلاه للامركزية، ثمة مطالبة شعبية بها أعربت عنها الأحزاب السياسية المعارضة في "إقليم كردستان العراق". ومع ذلك، فإن الصراع على السلطة بين الأحزاب السياسية المختلفة هو أحد الأمثلة فقط على الديناميكيات المعقدة القائمة وسط خطاب اللامركزية الحالي. وبالتالي، لا بدّ من تفسير نقاش اللامركزية الحالي في إطار المنافسة بين الأحزاب السياسية.

تجدر الملاحظة أن الأحزاب السياسية الأخرى ـ على غرار "حركة كوران" والأحزاب الإسلامية في "إقليم كردستان العراق" ـ لديها مواقف مختلفة إزاء المسألة. فالأحزاب التي لا تملك مجموعة مسلحة تعتبر اللامركزية وسيلة لتمكين الحكومة المحلية وتوزيع السلطة والحكم. والبعض يرى اللامركزية كسبيل لتجديد الانقسامات القديمة التي لا تزال قائمة منذ الحرب الأهلية العراقية ـ الكردية في تسعينيات القرن الماضي. 

في المقابل، تدعم أحزاب أخرى اللامركزية باعتبارها وسيلة لإعادة تخصيص الإيرادات التي تجدها موزعة بشكل غير متساوٍ. وثمة أحزاب تخشى من آثار اللامركزية، معتقدة أن خطوة مماثلة قد تدمر في نهاية المطاف التوازن الهش أساسا في حكومة الإقليم.

خطوات لتحقيق لامركزية فعالة

نظرا إلى التركيبة التقليدية للمجتمع الكردي، يُعتبر الجدال المحيط بموضوع اللامركزية من حيث مفهومها أولوية قصوى. وبالتالي، ستطلب الأحزاب السياسية والنخب الأخرى شرحا واضحا لمفهوم اللامركزية قبل إحداث أي تغيير حقيقي. يُذكر أن مشكلة المفهوم تنطبق على معظم المفاهيم المرتبطة بالحكم وليس على اللامركزية فقط. 

في هذا السياق، يشدّد المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك على أن مفاهيم الحكم "هي على السواء عوامل ومؤشرات على التحرك التاريخي". ويرى أن هناك ارتباط سببي بين الأحداث التاريخية التي نقلت الأنظمة الاجتماعية المشتركة في الأنظمة الحديثة الأولى والتغييرات في اللغة السياسية ـ الاجتماعية؛ "فالمفاهيم المركزية لم تعكس فقط الإصلاحات الاجتماعية إنما لعبت دورا فعالا في هذه العملية".

في السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي

وفي الحالة الكردية، يجعل الالتباس المحيط بمفهوم اللامركزية من المحادثات والجدالات والتبادلات بين الأحزاب وأفرادها شبه مستحيلة. وعليه، يجب أن تتمثل الخطوة الأولى التي ستتخذها "حكومة إقليم كردستان" باعتماد ميزات اللامركزية والشفافية العملية، وهو ما يمكن أن يبدأ بإصدار مستند حكومي حول المسألة يكون متوافرا أمام العامة.

وتنطوي الخطوة الثانية على تحديد إطار زمني واضح وواقعي للعملية، يبدأ بإصلاح الحكومة المركزية. وما إن يتمّ تشكيل سلطة مركزية فعالة وقادرة على نحو أكبر، ستتمكن "حكومة إقليم كردستان" من استهداف اللامركزية المالية والإدارية.

وتكمن الخطوة الثالثة في تغيير النظام الانتخابي للإقليم ليصبح نظاما انتخابيا مختلطا على غرار نظام الأغلبية ذات العضوية المختلطة (MMM)، الأمر الذي سيسمح بإجراء انتخابات متعددة. وفي حين يحتاج الناس إلى معرفة ممثليهم، يتطلب الإقليم أيضا ممثلين يتمتعون بالمعرفة والخبرة في مجالات الحكم، على غرار إعداد الموازنة والتخطيط والطاقة والبيئة، يكونون ممثلين على نحو أفضل في نظام انتخابي مختلط.

عوامل المنافسة

رغم أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا، تصبح الحاجة والضرورة لإجراء مثل هذه التغييرات واضحة على نحو متزايد. وتواجه "حكومة إقليم كردستان" حقبة جديدة من الحكم المركزي "ما بعد النفط" نتيجة انهيار سوق النفط بسبب فيروس "كوفيد-19"، وهذا ما يجعل اللامركزية أكثر إلحاحا. وقبل التدخل الدولي لمحاربة "داعش"، كان الإقليم يتمتع بفترة من الحكم "السهل"؛ حيث كانت أسعار النفط مرتفعة والشركات مزدهرة. وخلال فترة النمو هذه، كانت حكومة الإقليم قادرة على توسعة قطاعها العام وإرضاء قواعد الأحزاب الانتخابية إلى حدّ ما.

غير أنه في ظل دخول العالم في فترة التقلبات المرتفعة هذه ـ بسبب الجائحة العالمية وخيبة أمل الشعب من السياسة ـ على الإقليم الاستعداد للتحرر مما يسمى بالحكم "السهل". ومن شأن اللامركزية أن تقلّص التكاليف التنظيمية الضرورية لتحقيق توزيع أمثل للسلطات. كما ستفتح الاقتصاد وسوق الإقليم أمام القطاعيْن العام والخاص، على أمل أن يعزز ذلك نمو الوظائف الذي تشتد الحاجة إليه.

ويتمثل أحد العوامل الأخرى الذي يجب أن يدفع بالإقليم نحو فعالية ولامركزية أكبر، في علاقاته المعقدة مع بغداد. ففي حين يعترف الدستور العراقي بـ"حكومة إقليم كردستان"، تبقى العلاقة بين أربيل وبغداد قائمة على القوة بدلا من القانون. 

وحاليا، يتعين على حكومة الإقليم التفاوض بشكل دائم مع الحكومة المركزية في بغداد من أجل وضع الموازنة والمشاركة في الحكومة وغيرها من جوانب الحكم. ومن شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية والعكس صحيح. 

ورغم أن طبيعة البلاد اتحادية بموجب الدستور وتخضع لحكم مركزي إلى حدّ كبير، من الواضح أن الحكومة المركزية العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بحاجة إلى لامركزية على صعيد الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية.

من شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف

مع ذلك وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لتطبيق اللامركزية في كردستان العراق، كان الإقليم يسير في الاتجاه المعاكس، مركزا السلطة على نحو متزايد في أيدي الأحزاب الصغيرة وعلى مستويات الأعمال. فقبل فترة ليست ببعيدة، كان الإقليم يتمتع بمعارضة حيوية ووسائل إعلام حرة ناشطة ومجتمعات مدنية فعالة، وهي عوامل أثّرت جميعها في عملية اتخاذ القرار في الإقليم. 

ولسوء الحظ، لم يعد كردستان العراق في هذا الموقع. وحتى ضمن الأحزاب السياسية، لم يعد المكتب السياسي ـ الرمز السابق لمركز النفوذ في الإقليم ـ يملك السلطة نفسها وبات مهمشا بسبب البروز المتزامن للنفوذ العائلي ضمن الأحزاب الرئيسية. ومن هذا المنطلق، يتحول إقليم كردستان أكثر فأكثر إلى نظام حكم الأقلية على غرار بعض أجزاء الشرق الأوسط.

واستنادا إلى هذه الخلفية المعقدة، يتضح أن إقليم كردستان، على غرار بقية العراق، يحتاج إلى نوع من اللامركزية، حتى ولو لم تتفق بعد الأحزاب المختلفة على شكله. مع ذلك، لا بدّ من التوصل إلى إجماع في مرحلة ما بغية المضي قدما. فيصعب بشكل خاص تطبيق الإصلاحات باتجاه اللامركزية لأنه يتمّ التعامل مع المركزية باعتبارها السمة الرئيسية للسلطة في كل جانب من جوانب المجتمع تقريبا؛ سواء من حيث الهيكلية العائلية والثقافة الشعبية والدين. وعليه، يتطلب الانتقال نحو اللامركزية مقاربة طويلة ومتعددة الأوجه.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى التي سعت إلى دعم الأجهزة الأمنية في الإقليم، لا بدّ من توجيه اللامركزية بطريقة تؤدي إلى توحيد الإقليم وإنشاء نظام حكم أكثر تماسكا. وقد يكون ذلك سبيلا لتخطي الانقسامات في كردستان العراق ويجعله شريكا إقليميا موثوقا على نحو أكبر.

غير أنه من أجل تحقيق اللامركزية، لا بدّ من اتخاذ عدد من الخطوات ضمن إطار زمني واقعي. ومن شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف.

المصدر: منتدى فكرة