خواكين فينيكس
خواكين فينيكس

إنها لمفارقة حقا أن فيلم "الجوكر" افتتح في الهند في الثاني من شهر أكتوبر بمناسبة "يوم اللاعنف"، وهو عطلة رسمية احتفاء بذكرى ميلاد المهاتما غاندي. في الوقت ذاته، وجه تحذير لمشاهديه من "العنف الشديد والمزعج" الذي يتضمنه الفيلم!

تلك نتيجة الحيرة بين الرغبة التجارية في جني الأرباح من شباك التذاكر المزدهر في أيام العطل والأعياد وبين الخشية من تأثيرات فيلم يتضمن إراقة الدماء.

تلتهب الحروب في منطقة الشرق الأوسط، وتنذر بانفجارات أوسع مدى على جبهات عديدة، فالانتفاضات الشعبية تتوالى ـ وأحدثها اندلع في السودان والجزائر ـ كما عادت مظاهرات الاحتجاج مؤخرا إلى الاندلاع في شوارع مصر والعراق.

نرى آرثر يحاول التعويض عن قهره ووحدته بالحب

لا شك، إذن، أن عالمنا عنيف. لا أحد يمكنه إنكار العنف المتفاقم في مناطق وقارات مختلفة. لذلك، اعتقد كثير من المشاهدين أن "الجوكر" (2019) فيلم من أفلام الخيال العلمي الحافلة بالمغامرة والحركة، نظرا لأن بطله الشرير هو الشخصية غريبة الأطوار التي تضع مكياج مهرج، خصم "باتمان" اللدود.

فوجئ المشاهدون بأن الفيلم لا علاقة به بذلك النمط من الأفلام على الإطلاق، بل هو فيلم سياسي بامتياز. عند الخروج من صالة السينما ترددت أصداء ضحكات عالية عديدة تقلد ضحكة الجوكر، وعندما صرنا في الشارع كانت مجموعات من الشباب تقلد حركاته الراقصة المجنونة. بالتالي، لا غرابة أن فيلم "الجوكر" حظي بضجة عالمية ليس على الصعيد السينمائي فحسب، وإنما على الصعيد السياسي.

يذكرني فيلم الجوكر (Joker) في تأثيره بفيلم V for Vendetta (عام 2005). حرض كل من الفيلمين مشاعر الثورة النابعة من الإحباط والإهمال والعزلة والبطالة وخيبة الأمل، كما صور تمرد الشباب ضد الفساد المستشري في المجتمع وضد تحكم قلة من الأثرياء بمصائر غالبية عظمى من الفقراء.

في الفيلمين هناك قناع ما يلبث أن يتحول إلى رمز، يضعه متظاهرون يقومون بانتفاضة ذات نزعة فوضوية، لكنهم يعبرون بارتدائه عن نقمتهم على الفساد والاستبداد اللذين يبقيانهم في حضيض المجتمع، يتسولون العمل، وبالكاد يحظون بفرصة لائقة للعيش بكرامة.

يحطم المتظاهرون واجهات المحلات، يحرقون السيارات، يطلقون النار عشوائيا، مثلما حدث في بعض عواصم هبت عليها رياح الربيع العربي أو في انتفاضة السترات الصفراء في باريس.

لهذا السبب أثيرت موجة شائعات لدى افتتاح فيلم "الجوكر" في الولايات المتحدة عن احتمال وقوع أحداث عنف مشابهة، غير ناجمة عن دافع ديني أو نزعة عرقية أو تعصب قومي، بل عن انفجار نقمة كامنة في نفوس المحبطين والمهمشين والناقمين، خاصة وأن العنف سبق أن وقع في عدة ولايات ومدن أميركية بسبب التساهل في اقتناء الأسلحة، بحيث يطلق مهووس أو مختل العقل أو خائب الأمل الرصاص عشوائيا موقعا ضحايا أبرياء. لحسن الحظ، لم يحدث شيء حتى الآن.

جدير بالذكر أن فيلم "الجوكر" (2019) لمخرجه تود فيليبس حاز جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الشهير، وسيرشح بالتأكيد لعدة جوائز أوسكار وغولدن غلوب.

تكمن صعوبة دور الجوكر في نمو الشخصية عبر الحبكة. نرى آرثر فليك في البداية شخصا عاديا بائسا يتعرض لسرقة اللوحة الإعلانية التي يحملها وهو في زي مهرج من قبل زعران، يضربونه دون أن يستطيع لهم صدا.

لاكيث ستانفيلد مشاركا في العرض الافتتاحي لفيلم "الجوكر" في لوس أنجلس

ثم نراه يقع ضحية خداع زميل يطمع أن يسرق وظيفته كمهرج، فيغريه بحمل مسدس ليدافع به عن نفسه، وإذا به يردي ثلاثة معتدين هاجموه في قطار قتلى بالرصاص. عندما يسقط المسدس منه وهو يؤدي دور المهرج لأطفال مرضى في مستشفى، يطرد من عمله.

في بيته، نرى آرثر يعتني بأمه المريضة، سنده الوحيد في الحياة، لكنه عندما يكتشف بأنها خدعته وأوحت له نتيجة هلوساتها ووساوسها أنه ابن غير شرعي لصاحب النفوذ والثروة توماس وين، (والد بروس وين الذي سيصبح باتمان)، بينما هو في الحقيقة طفل متبنى، لا يتورع عن خنقها بوسادة وهي في المستشفى.

من ناحية أخرى، نرى آرثر يحاول التعويض عن قهره ووحدته بالحب، فيلاحق جارته الشابة السوداء الجميلة ويقيم معها علاقة، لكنها ما تلبث أن تشعر أنه يشكل تهديدا لأمانها وسلامة ابنتها الصغيرة.

يقوم آرثر بطعن زميله الذي خدعه بمقص في مشهد دموي فظيع، لكنه لا يؤذي القزم الذي يرافقه، لأنه لم يقم بأية إساءة له. في آخر الفيلم، يوحي لنا المخرج بأن الجوكر قتل السيدة السوداء التي تأخذ إفادته، إذ تطبع خطواته على الأرض آثار دماء.

لا أحد يمكنه إنكار العنف المتفاقم في مناطق وقارات مختلفة

هل هذه شخصية تدعو للتعاطف حقا؟ هل تثير شخصية آكل اللحم البشري هانيبال ليختر التي أداها أنتوني هوبكنز في فيلم "صمت الحملان" التعاطف؟ آرثر فليك في "الجوكر" شخصية إشكالية، يقدمها المخرج تود فيليبس، الذي أسهم في كتابة السيناريو أيضا مع سكوت سيلفر، ببراعة أوضحت الدوافع النفسية الكامنة وراء انحراف شخص عادي ليصبح مجرما شديد العنف يقتل بلا هوادة أو رحمة، وهي دوافع تنبع من تعرضه للاضطهاد، وتجعله من المذلين المهانين في مجتمع لا يعامل أبناءه بعدلٍ وإنسانية.

إنها شخصية ذات أسطح متعددة، تارةً تثير تفهمنا ورثائنا، وتارةً تثير فزعنا ونفورنا. لا يلحق الجوكر الأذى بشرطيين يشتبهان في مسؤوليته عن مصرع ثلاثة أشخاص في القطار، بل يؤذيهما أولئك الذين يتخذونه رمزا ويتقمصون دوره، لكن الجوكر يردي النجم صاحب البرنامج الكوميدي قتيلا على الهواء مباشرة أمام كاميرات التلفزيون، لأنه استغله وأثار سخرية الناس منه.

لا يقتل الجوكر الثري توماس وين وزوجته أمام عيني طفلهما (باتمان المستقبل)، بل يقدم على الجريمة شخص مجهول الهوية يرتدي قناع مهرج. إن رمز الجوكر هو القاتل، لا شخصه. صحيح أن توماس وين ليس والد الجوكر، لكنه المسؤول مجازيا عن ولادة المجرم الشرير فيه. لذلك، لا بد أن يقتله أحد أشباه الجوكر.

وجه السؤال إلى خواكين فينيكس فيما إذا قصد إثارة التعاطف مع شخصية الجوكر، فتحفظ عن إعطاء جواب، تاركا التقدير للمشاهدين. في الواقع، يقدم الفيلم تحليلا نفسانيا موضوعيا ومتوازنا لشخصية أرثر، الشاب الفقير المحبط الذي يحلم أن يصبح فنانا كوميديا ناجحا، لكنه مصاب بداء الضحك اللاإرادي الذي يسبب له كثيرا من الحرج، ويجعله هدفا لسخرية الناس على خشبة المسرح وشاشة التلفزيون، رغم أن ضحكته ممتزجة بالأسى والدموع.

أشهر من سبق أن أدى دور الجوكر من قبل كل من سيزار روميرو، جاك نيكلسون وهيث ليدجر. عندما توفي الأخير وهو في عز شبابه وعطائه، لم يحل ذلك دون منحه أوسكار أفضل ممثل مساعد عن دور الجوكر في فيلم المخرج كريستوفر نولان "فارس الظلام".

عقب وفاة هيث ليدجر المفاجئة عن عمر 28 عاما، قال جاك نيكلسون ما معناه: "حذرته من أن الجوكر سيقتله". اعترف نيكلسون أنه خلال أدائه للدور لم يكن ينم أكثر من ساعتين في اليوم نتيجة التوتر والقلق. بالنسبة إلى خواكين فينيكس، أعتقد أن الجوكر أحياه.

تكمن صعوبة دور الجوكر في نمو الشخصية عبر الحبكة

سبق أن رفض فينيكس أدوارا محورية في طراز أفلام الخيال العلمي، مثل "دكتور سترينج" وشخصية العملاق الأخضر هالك في "المنتقمون" لأنه لم يرغب أن يقيد نفسه بأداء دور في سلاسل سينمائية متتالية.

إنه ممثل حريص على انتقاء أدواره بعناية، وأشهرها Walk the Line الذي أدى فيه دور المغني جوني كاش، وHer الذي أدى فيه دور رجل يقع في غرام كومبيوتر.

صرح خواكين فينيكس إن أصعب ما في دور الجوكر كان إتقان ضحكته اللاإرادية التي تمتزج فيها القهقهة بالألم. كما أنزل خواكين فينيكس وزنه 52 رطلا ليناسب الشخصية. من المؤكد أن خواكين فينيكس سيرشح للأوسكار، وأرجح فوزه كأفضل ممثل عن دوره الصعب، الذي أداه برهافة حس وإتقان بالغين.

كم من جوكر يسعى ناقما وسط زحام شوارع مدننا العربية، معانيا من الإحباط والإهمال والظلم والفساد؟ كم من جمرة تحت الرماد تتأجج مهددة بحريق يلتهم الأخضر واليابس؟ لم يلد الجوكر في شوارع مدينة "غوثام" من فراغ نتيجة مؤامرة خارجية، بل ولد من جملة عناصر اجتماعية وسياسية محبطة من شأنها أن تسبب ولادة مائة ألف جوكر.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!