هي "ثورة لبنانية" كاملة، من شأنها أن تؤسس "الجمهورية الثالثة"، وتأتي بوعي ومتابعة لحراك الجزائر والسودان والعراق، بما يفيد أن العالم يشهد الإصدار الثاني من "الربيع العربي".

وهذا الإصدار وإن كان كما سابقه لا يأتي مصحوبا بضمانات النجاح، يكشف أن طاقة التحوّلات في المحيط العربي لبلوغ حقوق الحياة والحرية والكرامة والتمثيل السياسي الصادق والعدالة الاجتماعية ليست عرضة لأن تنضب.

يمكن التنبيه إلى السقف العالي للمطالب التي يعبّر عنها المتظاهرون في لبنان، كل على طريقته، والتي في أكثر من حالة تتضمن توقعات صعبة أو مستحيلة (ثمة من يريد طبابة وتعليم وفرص عمل، طبعا لا بأس، وثمة من يريد أن تسدد الدولة كامل مصاريفه).

تجوز كذلك الإشارة إلى منزلق تنزيه الجيش وقيادته، وصولا إلى الدعوة الصريحة والخطيرة لانقلاب يتجاوز الأطر الثابتة ويزّج كل السياسيين في السجون.

لا بد من إنهاء الاحتلال الإيراني، المتأرجح بين السفور والنقاب

ومن الضروري مساءلة غياب البنى التنظيمية في هذه الثورة التلقائية العفوية العضوية الطبيعية، والتي فرضت نفسها على التاريخ اللبناني، بما يعرّضها له هذا الغياب من احتمالات اختراق وتسلّق و "جرف" (في استعارة لعبارة وقحة من أحد السياسيين المتعملقين في لبنان)، ويذكّر بمأساة "العقل الجمعي" المصرية.

ولكن، رغم أهمية هذه الملاحظات، ما لا شك فيه هو أن الثورة اللبنانية تسير على وقع صرخات المعتصمين وغضبهم، وغنائهم وفرحهم، ومسيرها ومصيرها يحددها هؤلاء في ردود فعلهم على ما تقدم عليه الطبقة السياسية من محاولات احتواء واسترضاء.

على أن التسليم بالأساس للشارع، لا يعفي المعنيين بالشأن اللبناني الداخلي من أبناء الوطن المجليين عنه في منافيهم الطوعية والقسرية، كما لدى أصدقاء لبنان من الذين يدركون قيمته كتجربة حضارية تتجاوز ضآلته في المساحة والتعداد، البتة من مسؤوليتهم في المساهمة في طرح الأفكار في هذا السعي الظاهر إلى تحقيق الجمهورية الثالثة.

نشأ لبنان قبل مئة عام كمشروع حداثي، رأت في البطريركية المارونية المستنيرة آنذاك السبيل إلى ضمان الوجود المسيحي في مشرقه لا في إطار صدام مع محيطه، بل من خلال الانتقال بالمجتمعات المسيحية وتلك المجاورة لها إلى منطق المرجعية الوطنية المنفتحة، ودعمها في رؤيتها هذه الانتداب الفرنسي ومعظم النخبة الفكرية المحلية، بغالبية مسيحية إنما لا بحصرية.

كان على لبنان الكبير الإقرار بالطائفية، هذا الإطار القائم منذ قرون، كواقع انتقالي يكون الخروج منه بالتدرج، رغم ما ينضوي عليه من تحبيذ للزعامات الإقطاعية. وإذا كان تاريخ لبنان منذ نشأته الحديثة جدلية سياسية اجتماعية اقتصادية بين مسعى توضيح التواصل الأفقي الصاعد العابر للطوائف والقائم على القيم والمصالح المشتركة، وجهد مقابل للمحافظة على التقسيم العامودي المعزّز للحس الطائفي، والقائم على العلاقة الزبائنية بين الزعامات وجماعاتهم الطائفية، فإن العقود اللبنانية الماضية شهدت حالات متكررة من الترابط الأفقي الأصيل والذي اعترضته عوامل طارئة إنما قاسية.

آخر هذه العوامل وأثقلها كان اقتحام إيران للمشهد اللبناني وإرساؤها إيالة أو دويلة في قلب الوطن كسلاح يمنع تحقق اللحمة بين مكوناته ويسمح لداء الطائفية أن يستفحل في سائر أعضائه.

فإذا كانت جمهورية الاستقلال اللبنانية على قدر من السذاجة في توقعها الانقضاء التلقائي للطائفية لصالح الدولة الحداثية الموعودة، فإن الجمهورية الثانية قد أدرجت الطائفية، في صيغتها المختلة والمتعجرفة، كوجه ثابت ودائم للدولة والمجتمع في لبنان، بل أنتجت توجهات تعمل على تحقيق مشروع سياسي يفترض فشل لبنان الوطن الجامع، الذي جرى تصورّه قبل قرن، والذي أعاد تأكيده البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي عام 1998.

لا بد من التذكير بهذه الحقيقة، والتي تعكّر دون شك لحظة البروز المستجد للوحدة الوطنية، وذلك للتحذير من مسألتين من شأن كل منهما أن تحرم لبنان خروجه من مستنقع جمهوريته الثانية.

الأولى هي أنه على الرغم من الحماس الوطني الذي تظهره الثورة في تحدياتها للدولة كما في ساحاتها وحفلاتها، فإنه لا يمكن الافتراض أن اللبنانيين بمجموعهم قد تجاوزوا انتماءاتهم الطائفية، بل الأقرب إلى الواقع هو أن أوساطا واسعة منهم قد أظهرت القدرة على تحييد انتماءاتها هذه وتغليب حسّها الوطني عند الاستحقاقات الكبيرة.

في الجانب الشخصي، لا يمكن الطعن بصدق حسن نصرالله وإخلاصه لقضيته

وقد لا يكون المطلوب من كافة اللبنانيين أكثر من ذلك، وإن كان ثمة نواة اجتماعية تزداد حضورا وثقة تجعل من الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة وجهها الأول. الحاجة إلى هذا التمييز هي للتنويه بأنه ثمة أوساط لبنانية، من طوائف مختلفة، ترى خلاف ذلك، وتغلّب الانتماء الطائفي، صراحة أو مع التمسح بالوطنية والحرية، كما أنه ثمة أوساط عديدة توازن بين الهويتين، ومن شأنها، إذا تمّ تصوير الأوضاع على أنها تستهدف حضورها الطائفي، أن تنحاز عن الصف الوطني.

ولا شك أن جهات نافذة متضررة من الانتهاء المحتمل للجمهورية الثانية سوف تسعى إلى تعبئة هاتين الفئتين لتذويب الأكثرية الوطنية المطالبة بإسقاط النظام. وإذا كان أهم الإنجازات المطلوبة في الجمهورية الثالثة إقرار حقيقة "طائفة الحق العام" الإضافية والاختيارية، وغير القائمة على أساس ديني، فإنه لا بد كذلك، في هذه المرحلة وكافة المراحل من مراعاة الجمهور من الفئتين، تلك التي تتأرجح في تغليب إحدى الهويتين الطائفية والوطنية، وتلك التي تغلّب الهوية الطائفية.

فالتعددية في لبنان تقتضي الحرية في هذا الشأن على أي حال، على أن الحذار من الانجرار إلى تصوير الثورة الحالية، كما يريد ضمنا الساعين إلى إجهاضها، على أنها مواجهة بين الوطنية الفوقية القطعية، والتي قد ترفضها بعض الشرائح، والطائفية بمعنى الهوية الذاتية وتالتي تستقر هذه الشرائح عندها.

أما المسألة الثانية والتي تبدو مقيّدة في أوجه بالمسألة الأولى، فهي في شعار "كلّن يعني كلّن" (بالعامية اللبنانية، حيث تضمر الهاء وتنوّن الميم، أي كلّهم يعني كلّهم)، والذي يدعو جميع المواطنين اللبنانيين إلى الاتحاد على أساس التبرؤ من زعماء السلطة والأحزاب والطوائف لتحقيق اللحظة الوطنية.

شخصيات السلطة، كل على حدة، تستميت للتموضع خارج الـ "كلّن"، تتبرأ من الفساد وتصدح بثباتها على التصدي له، وتعتبر أن الحراك هو تعبير عن صميم قناعاتها بل عن مشاريعها. وإن كان الأمر لا يتعدى مسرحيات فاشلة، فإن هذه الشخصيات ليست على مسافة واحدة من النجاة من مقتضى "كلّن يعني كلّن".

"استقالة الحكومة" هو الهدف الأقرب لسهولته، ولأن رئيسها سعد الحريري قد أبدى الاستعداد لذلك إن لم يتمكن من الإنجاز. الحريري هو بالتالي عند خط الدفاع الأول، وحظوظ سقوطه مرتفعة. استقالة الوزراء، كما فعل وزراء القوات اللبنانية، أقل جاذبية وفعالية، وهي على أي حال لن تحدث فرديا وطوعيا حيث هي مطلوبة أي من جانب وزير الخارجية جبران باسيل وسائر وزراء التيار الوطني الحر.

أما حل المجلس النيابي والشروع بالانتخابات المبكرة، فالتهويل بخصوص استحالة الأمر واحتمال الدخول في الفوضى قد نجح في الإقلال من المطالبة الصريحة به. ثمة إنجاز كذلك مرتبط بالهيبة المجانية لرئيس الجمهورية ميشال عون، فهو رغم تقاعسه عن الدور القيادي المطلوب في هذه المرحلة الحرجة، قد تجنب وفرة المطالبات بإسقاط العهد.

لن يقوم لبنان تعلو عليه إيران باسم "حزب الله"

بل ربما أن الرئيس لم يتجنب ذلك بنفسه، بقدر ما جنبّه هذه المطالبات قائم مقام الولي الفقيه في لبنان، الأمين العام حزب الله، حسن نصر الله. لا بد من الإقرار لنصر الله، والفضل لإيران طبعا، بالنجاح الهام الذي حققّه على مدى الأعوام، في اعتلاء منصب صاحب القرار الأول في لبنان دون الحاجة إلى منصب يخضع للمساءلة وإن الشكلية للبنية الدستورية. فالرجل يتفوه بالوعد والوعيد، يرفع الصوت ويتجهم من موقع القوة القاضية، دون استجواب أو اعتراض.

نقل عن أحد سلاطين المخزن المغاربة قوله "من ولانا عذبناه، ومن عادانا قتلناه، ومن تأفف في قبره رحلناه، والسعيد السعيد من لا يرانا ولا يراه". منطق الكثر في "الجمهورية الثانية" هو السعي إلى هذه السعادة السعيدة في تجاهل الواقع الذي يشكله حضور جيش جرار يأتمر بأمر الخارج ولا يخضع لمساءلة الدولة أو المواطن، يرسل أبناء الوطن للقتال في حروب الآخرين ويعود منهم من يعود في الأكفان أو مقعدا، رغم أنه تورّط بعيدا عن أي حساب أو عقاب، كما تبين التحقيقات، بقتل من عاداه من خيرة أهل هذا الوطن.

في الجانب الشخصي، لا يمكن الطعن بصدق حسن نصرالله وإخلاصه لقضيته. من يأذن لفلذة كبده أن يقاتل العدو فيقتل، ثم يرفض أن يستعيد جثمانه تفضيلا، ينال حقّه من الاحترام. ورجال "المقاومة الإسلامية" الذين حرّروا ديارهم ووطن جميع اللبنانيين من احتلال غاشم ظالم، يشغلون، شهداء وشهودا، مقاما رفيعا دائما في ذاكرة الوطن.

ولكن هذا التقدير لا يمحي التجاوزات الخطيرة من جانب قيادات "حزب الله" وأفراده بشأن آخرين، بل ذكرى مهدي عامل وصحبه، وغيرها، لا تزول، كما تبقى المسؤوليات، مع حاجتها إلى المزيد من الاتضاح، عن سلسلة اغتيال الوطنيين غدرا، نجحت أو فشلت، من مروان حمادة إلى محمد شطح مرورا برفيق الحريري. أي أن هذا التقدير ليس صكا على بياض ليفعل الحزب وأمينه ما يشاء بهذا الوطن، معذّبا وقاتلا ومرحّلا، ومرغما من تبقى على الصمت والطاعة.

يتوجب أن يبقى الشعار الذي طرحه المتظاهرون "كلّن يعني كلّن، نصر الله واحد منن" في الصدارة

وإن وضع الماضي برمتّه جانبا، لن يقوم لبنان تعلو عليه إيران باسم "حزب الله"، لما ينتج عن هذا النموذج من إساءات مادية ومعنوية قاضية. ليس لحسن نصر الله منصبا رسميا كي يستقيل. على أن مقتضى "كلّن يعني كلّن" لا يستقيم بالاقتصار على استقالة الحكومة أو وزرائها أو حل المجلس النيابي أو حتى إسقاط العهد، بل لا بد من الانتهاء من ظاهرة "حزب الله" كقوة قاهرة وجيش تابع للخارج.

فالحقيقة الموضوعية لكي تتمكن "كلّن يعني كلّن" من التمهيد للجمهورية الثالثة، السيدة فعلا لا قولا، والحرة فعلا لا قولا، والمستقلة فعلا لا قولا، هي أنه لا بد من إنهاء الاحتلال الإيراني، المتأرجح بين السفور والنقاب، ولا بد لـ"حزب الله" من أن يخرج من موقع التبعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا بد لحسن نصر الله من أن يستقيل من المنصب غير المعلن كمرشد أعلى للجمهورية اللبنانية، وأن يسلّم "حزب الله" بالكامل والمطلق سلاحه للجيش اللبناني، وأن يعود قيادة وأفرادا إلى حضن الوطن (في استعارة صادقة لكلام منافق من الجوار).

فالأمل، والذي يتوجّب أن يتحقق كي يستكمل لبنان ثورته ولا يفشل الانتقال إلى الجمهورية الثالثة، هو ألا ينسى الحراك الثوري اللبناني هذه الحقيقة، وأن يبقى الشعار الذي طرحه المتظاهرون "كلّن يعني كلّن، نصر الله واحد منن" في الصدارة.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.