آلاف العراقيين أطلقوا شعارات مناهضة للفساد في مواكب الزوار المشاركين في إحياء ذكرى أربعينية الحسين في مدينة كربلاء بتاريخ 19 أكتوبر 2019
آلاف العراقيين أطلقوا شعارات مناهضة للفساد في مواكب الزوار المشاركين في إحياء ذكرى أربعينية الحسين في مدينة كربلاء بتاريخ 19 أكتوبر 2019

517491 4

مايكل نايتس/

ردا على التظاهرات التي عمّت بغداد ومختلف المدن الجنوبية بين 1 و6 أكتوبر، اتخذت الحكومة العراقية إجراءات قمعية شديدة لم يسبق لها مثيل ضد المحتجين. وقد تعاونت مجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران ومسؤولي الأمن مع مستشارين إيرانيين لتصميم هذه المقاربة الأكثر صرامة، والتي تضمنت اغتيالات ونيران قناصة وهجمات بطائرات بدون طيار وترهيب واعتقالات غير قانونية وانقطاع الإنترنت.

وعندما نشرت بغداد نتائج التحقيقات التي توصلت إليها فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في 22 أكتوبر، حددت فقط صغار الضباط، وتجنبت الانتهاكات الرئيسية مثل هجمات القناصة والاعتداءات على محطات التلفزيون، وامتنعت عن تسمية أي من القادة المتورطين من الميليشيات المدعومة من إيران.

وفي ظل غياب تحقيق شفاف وصادق من قبل الحكومة العراقية، على الولايات المتحدة فضح أولئك المسؤولين ووضعهم على لوائح العقوبات ـ لمهاجمتهم المدنيين ـ ليس فقط لمعاقبتهم على جرائم الماضي، ولكن أيضا لمنع حدوث المزيد من الانتهاكات في الوقت الذي تلوح في الأفق احتجاجات جديدة بعد الفعاليات الدينية لإحياء الأربعين.

انتهاكات الميليشيات ضد المدنيين

خلال احتجاجات مختلفة في وقت سابق من هذا الشهر، نفذت السلطات العراقية عمليات إطلاق نار جماعية ضد مدنيين مسلمين شيعة. ووفقا للروايات الرسمية، قُتل 165 مدنيا وجُرح 6100 آخرون، رغم أن التقديرات المسربة من الحكومة تشير إلى مقتل ما يصل إلى 400 شخص، و"اختفاء" 257، وجرح 6200 آخرون. ونظرا إلى موقع الأحداث، كانت نسبة عالية للغاية من تلك الإصابات دون شك من الشيعة. وقد شملت عملية القمع الإجراءات التالية:

انقطاع الانترنت. بعد قطع كافة خدمات الإنترنت بالكامل في الفترة بين 2 و6 أكتوبر، قامت الحكومة بتعليق تلك الخدمات لفترات مختلفة منذ ذلك الحين، مع وجود قيود مستمرة على الـ "فيسبوك" و "تويتر" و "واتساب" و "انستغرام" وتطبيقات مماثلة.

الاعتقالات غير القانونية. تمّ اعتقال 923 شخصا على الأقل، بمن فيهم 35 على الأقل نُقلوا من المستشفيات؛ وقد أُرغم الكثيرون على توقيع تعهدات بعدم المشاركة في احتجاجات مستقبلية تحت طائلة الملاحقة القضائية. وفي 10 أكتوبر ذكرت "المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان" أن 257 شخصا ما زالوا في عداد المفقودين بعد أن أطلقت الحكومة سراح المحتجزين. ويُعتقد أن العديد من المفقودين في جرف الصخر وغيرها من السجون السرية التي تديرها ميليشيات تدعمها إيران تعمل ضمن "قوات الحشد الشعبي".

الترهيب. تحدّث المراسلون الصحفيون ونشطاء المجتمع المدني عن جمع معلومات لتشكيل ملفات عن المنشقين وإدراج أسمائهم في لوائح وترهيبهم جسديا، مما تسبب في فرار الكثيرين إلى "إقليم كردستان" شمالا أو مغادرة البلاد تماما. وقد تمّ وصف المحتجين على نحو غير دقيق بأنهم محرِّضون مدعومون من الخارج، حيث اتُهم البعض إما بأنهم "الجيش الرقمي للسفارة الأميركية" أو يسعون لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل.

هجمات القناصة. استخدمت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية وعناصر ميليشيات مقنّعين النار الحي ضد المحتجين. ومنذ 4 أكتوبر، استُهدف زعماء الاحتجاج بشكل فردي بنيران القناصة. ووفقا لتقارير وسائل الإعلام العراقية، تم نشر هؤلاء القناصة من قبل ميليشيات "قوات الحشد الشعبي" المدعومة من إيران. وجرى اعتقال أحد قناصة "كتائب سيد الشهداء" (اللواء 14 في "قوات الحشد الشعبي"). وفي 17 أكتوبر، أفادت وكالة "رويترز" أن عمليات القناصة كانت بالتنسيق مع أبو زينب اللامي، رئيس "مديرية الأمن المركزي" في "قوات الحشد الشعبي" وعضو في جماعة "كتائب حزب الله" التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية (الألوية 45 و 46 و 47 في "قوات الحشد الشعبي").

هجمات على محطات التلفزيون. تعرّضت ست محطات هي ـ "العربية" و"دجلة" و"الغد" و"أن أر تي" و"الحدث" و"تي أر تي" ـ للنهب وقُطع بثها من قبل رجال ميليشيا من "سرايا طليعة الخراساني" (اللواء 18 في "قوات الحشد الشعبي") و "حركة حزب الله النجباء" ("قوات الحشد الشعبي" اللواء 12) بسبب استمرارها في نقل مشاهد من الاحتجاجات. وذكرت "هيومن رايتس ووتش" أن الهجمات وقعت بعد فترة قصيرة على قيام "هيئة الإعلام والاتصالات" التابعة للحكومة المركزية بتوجيه تحذير للمحطات بوقف بثها. وجرى اقتحام محطة "أن أر تي" بعد أن بثت مقابلة مع أحد المتظاهرين الذي اتهم ميليشيات "قوات الحشد الشعبي" بتنفيذ هجمات القناصة. وعندما بدا أن محطة سابعة هي "الفرات" محصّنة جيدا بحيث يصعب اقتحامها، قامت "عصائب أهل الحق" (الألوية 41 و 42 و 43 من "قوات الحشد الشعبي") بقصف المبنى في 6 أكتوبر إما بواسطة متفجرات وُضعت يدويا أو بطائرة بدون طيار، مما أدى إلى إتلاف سيارات ومباني أخرى في المنطقة.

قادة الميليشيات الخاضعين للعقوبات

وفقا لوكالة "رويترز" ووكالات إعلامية أخرى، انضمت مجموعة من الميليشيات العراقية وقادة الأمن العراقيين إلى ضباط في "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني لتشكيل خلية أزمة في بغداد في 3 أكتوبر. وانطلاقا من غرفتي عمليات ـ منزل آمن سري في الجادرية ومبنى لهيئة تابعة لـ "قوات الحشد الشعبي" بالقرب من مستشفى ابن سينا ـ قدم ضباط اتصال إيرانيون المشورة بناء على خبرتهم في محاربة النشطاء في إيران، بالإضافة إلى توفيرهم مواد استخبارية عن النشطاء والاتصالات الآمنة للقناصة. وأبرزت "رويترز" أدلة على أن القناصة تلقوا الأوامر مباشرة من قادة ميلشياتهم "وليس من القائد الأعلى للقوات المسلحة... إنهم ينتمون إلى فصيل مقرب جدا من إيران".

ومن بين الأفراد الذين تمّ تحديدهم على أنهم يعملون في خلية الأزمة، نأتي على ذكر:

قاسم سليماني. قائد "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" المصنف إرهابي من قبل الولايات المتحدة، وصل إلى بغداد في 4 أكتوبر لضبط أنشطة الحكومة المناهضة للاحتجاجات.

أبو مهدي المهندس (اسمه الحقيقي جمال جعفر ابراهيم). قائد عمليات "قوات الحشد الشعبي"، صنفته الحكومة الأميركية إرهابيا في عام 2009.

فالح الفياض. مستشار الأمن القومي العراقي ورئيس "هيئة الحشد الشعبي"، عاد الفياض إلى بلاده في 4 أكتوبر بعد اجتماعه مع مسؤولين أميركيين في واشنطن. وبعدها، عمل مباشرة مع الخلية الإيرانية في وقت وفر فيه مساعده الإداري حميد الشطري الدعم.

أبو جهاد (اسمه الحقيقي محمد الهاشمي). مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، بدأ العمل مع الخلية بعد عودته من زيارة لبريطانيا في 5 أكتوبر.

قيس الخزعلي. الأمين العام لـ "عصائب أهل الحق"، كان قد دعم بشكل كامل حملة القمع والتشهير بالمتظاهرين بمساعدة "الحرس الثوري الإسلامي" بوصفهم محرِّضين مدعومين من الخارج.

أبو زينب اللامي (اسمه الحقيقي حسين فالح اللامي). كما ذُكر سابقا، قام بتنسيق عمليات القناصة ضد المتظاهرين، في وقت ساهم فيه اثنان من مساعديه، هما أبو بكر (مدير "مديرية الأمن المركزي" لمنطقة الرصافة ببغداد) وحجي غالب (رئيس قسم التحقيقات في "مديرية الأمن المركزي") في إدارة عمليات القمع.

أبو منتظر الحسيني (اسمه الحقيقي تحسين عبد مطر العبودي). رئيس العمليات السابق في "قوات الحشد الشعبي" والمستشار الحالي لرئيس الوزراء عبد المهدي لشؤون "الحشد الشعبي". وكان أبو منتظر شخصية رئيسية في جمع كافة الجهات الفاعلة معا في خلية الأزمة.

أبو تراب (اسمه الحقيقي ثامر محمد اسماعيل). يرأس حاليا اللواء الحقوقي اسماعيل، الذي هو عضو منذ وقت طويل في "منظمة بدر" المدعومة من إيران، "فرقة الرد السريع" التابعة لوزارة الداخلية (التي تعرف أيضا باسم "قسم الاستجابة لحالات الطوارئ"). وخلال المظاهرات، نشر قناصين لاستهداف المدنيين.

حميد الجزائري. قائد "سرايا طليعة الخراساني" (اللواء 18 في "قوات الحشد الشعبي")، ساعد في تنسيق الهجمات على محطات التلفزيون.

أبو آلاء الولائي (اسمه الحقيقي هاشم بنيان السراجي). قائد ميليشيا "كتائب سيد الشهداء" المدعومة من إيران (اللواء 14 في "قوات الحشد الشعبي")، عمل مع خلية الأزمة وقدّم قناصين لعملية القمع.

أبو إيمان الباهلي. رئيس مديرية الاستخبارات في "قوات الحشد الشعبي"، الذي هو مسؤول الارتباط مع مسؤولي الاستخبارات السيبرانية في "الحرس الثوري الإسلامي"؛ وقد أعدّ قوائم أهداف من نشطاء المجتمع المدني والصحفيين.

توصيات في مجال السياسة العامة

لمنع إيران من الإمعان في تعريض الحكومة العراقية للخطر أو إثارة العنف في جميع أنحاء البلاد، على واشنطن أن تُظهر أنها تقف إلى جانب الجيل القادم من العراقيين وتدعمهم، وخاصة الإصلاحيين ومؤيدي حرية التعبير الذين خرجوا إلى الشوارع على الرغم من مواجهتهم تهديد حقيقي بالموت.

وفي 18 يوليو، ساهمت الجولة الأولى من العقوبات المفروضة بموجب "قانون ماغنيتسكي الدولي" الأميركي ضد النخب العراقية في بث الخوف ضمن قيادة البلاد إلى حد كبير، مما أدّى إلى قيام الكثير من أفرادها بإرسال أموالهم ومحافظهم العقارية وعائلاتهم إلى سلطات قانونية أجنبية لا تطالها العقوبات الأميركية. يجب تكرار هذه التجربة من خلال جولات متعددة من العقوبات الجديدة وكشف الجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي:

فرض عقوبات على مسؤولين بارزين بجرائم انتهاك حقوق الإنسان. توفر القائمة أعلاه عددا من الأهداف للعقوبات المفروضة بموجب "قانون ماغنيتسكي الدولي". وحتى في الحالات التي يخضع فيها الأفراد أساسا لعقوبات من جراء ارتكابهم جرائم إرهابية، سيكون من المفيد إدراجهم أيضا بسبب انتهاكهم حقوق الإنسان، وهي تهمة قد يكون لها صدى أكبر مع الشعب العراقي.

ويجب كذلك إدراج أسماء كبار القادة ومن ذوي المستويات المتوسطة في القائمة، مع توجيه رسالة واضحة مفادها أنه يمكن رفع العقوبات بسرعة إذا غيّر هؤلاء المسؤولون سلوكهم خلال الاحتجاجات المستقبلية.

وفي غضون ذلك، ينبغي تشجيع بريطانيا على فرض عقوبات موازية لانتهاك حقوق الإنسان نظرا إلى الانكشاف الكبير لمسؤولين مثل أبو جهاد في ذلك الاختصاص القضائي.

مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان عن كثب بعد إحياء الأربعين. من المحتمل أن تندلع احتجاجات جديدة في 25 أكتوبر، وهو يوم الجمعة الأول بعد الفعاليات الدينية المهمة للشيعة. ومن المرجح بشكل بارز تنظيم تظاهرات كبيرة الآن خاصة أن الحكومة قد سلكت المسار المتوقّع المتمثل بتغطية تواطئها ومشاركتها في عمليات القمع بمساعدة "الحرس الثوري الإسلامي".

يتعين على الولايات المتحدة التركيز باهتمام على تصرفات المسؤولين العراقيين وأقوالهم واتصالاتهم خلال الموجة التالية من الاحتجاجات، وتوليدها أدلة إضافية على حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في حالة حدوثها.

تسليط الضوء على دور القوات الإيرانية. يجب الكشف عن تفاصيل الإجراءات الإيرانية المناهضة للاحتجاجات في العراق، حتى لو كان ذلك على حساب الكشف عن بعض فرص جمع المعلومات. يجب تسليط الضوء أيضا على أوجه الشبه بين تكتيكات مناهضة الاحتجاجات السابقة في إيران والتكتيكات الحالية للميليشيات في العراق، خاصة في مجالات الإنترنت والساحات الإلكترونية.

إعادة التركيز على عمليات الاعتقال التي تنفذها "كتائب حزب الله". على واشنطن أن تحث منظمات حقوق الإنسان والجهات الفاعلة الدولية الأخرى على إيلاء المزيد من الاهتمام لعمليات الاعتقال غير القانوني التي تنفذها هذه الجماعة بحق مئات المدنيين في سجونها السرية وأهمها جرف الصخر.

مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن. ومنذ عام 2003، أجرى أبحاثا مكثفة على الأرض في العراق إلى جانب قوات الأمن والوزارات الحكومية.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كشف انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل الميليشيات العراقية ومعاقبتها B3124372-D262-43D9-8C47-E7162D34F509.jpg Reuters كشف-انتهاكات-حقوق-الإنسان-المرتكبة-من-قبل-الميليشيات-العراقية-ومعاقبتها آلاف العراقيين أطلقوا شعارات مناهضة للفساد في مواكب الزوار المشاركين في إحياء ذكرى أربعينية الحسين في مدينة كربلاء بتاريخ 19 أكتوبر 2019 2019-10-24 16:14:21 1 2019-10-24 16:19:22 0

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.