Russian President Vladimir Putin (R) and his Turkish counterpart Recep Tayyip Erdogan shake hands during a joint press conference
أردوغان وبوتين خلال اجتماعها الأخير

إيلان بيرمان/

ما الفارق الذي يمكن أن تحققه في أربع سنوات. في خريف عام 2015، اتخذت الحكومة الروسية قرارا رسميا بالتدخل العسكري لدعم نظام الديكتاتور السوري بشار الأسد. في ذلك الوقت، كان موقع الكرملين إقليميا ضعيف إلى حد كبير. حيث أنه بعد فترة من التراجع المطول بعد الحرب الباردة، تراجع تواجد موسكو في الشرق الأوسط ليقتصر على موقع عسكري دائم واحد: قاعدتها البحرية في مدينة طرطوس الساحلية السورية. وفي ذلك الوقت، حتى هذه المنشأة كانت معرضة لخطر الضياع إذا سقطت حكومة الأسد على يد قوات المعارضة السورية.

اليوم، وعلى النقيض من ذلك، فإن الوجود الإقليمي لروسيا قوي ـ ويزداد قوة. في سوريا، نجحت موسكو في تعزيز قاعدتها البحرية في طرطوس (وبات لديها عقد إيجار طويل الأمد)، وأنشأت ما لا يقل عن ثلاث قواعد عسكرية إضافية في البلاد، وعززت وجودها البحري في شرق البحر المتوسط. وفي الوقت نفسه، تمكنت روسيا من الاستفادة من مشاركتها العسكرية في سوريا لإطلاق عملية تمدد تاريخية في المنطقة من خلال زيادة مبيعات الأسلحة وإنشاء قواعد جديدة في شمال أفريقيا ووجود أقوى في السياسات الإقليمية. خلال السنوات القليلة الماضية، ساعدت هذه الاستراتيجية روسيا على استعادة دورها كوسيط قوي في الشؤون القضايا الإقليمية.

ينبغي النظر إلى صفقة 22 أكتوبر على حقيقتها: نصر واضح لموسكو

تم تعزيز هذا الواقع في مطلع هذا الأسبوع، عندما التقى الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود للتوصل إلى اتفاق ثنائي حول مستقبل سوريا. ويتضمن الاتفاق الجديد، الذي يأتي عقب الغزو العسكري التركي الأخير، عددا من الأحكام الرئيسية التي تساعد في وقت واحد على تقوية العلاقات الاستراتيجية الروسية التركية وتأمين موقع موسكو الإقليمي المهيمن حاليا.

لحظ البند الأول تدوين الالتزام المشترك بالتعاون العميق لمكافحة الإرهاب. هذا التعهد مهم، لأنه يشير إلى مزيد من الابتعاد التركي عن أوروبا. بعد كل شيء، ألقت أنقرة باللوم على الدول الأوروبية لعدم مكافحتها التطرف الإسلامي بحزم، وكان هذا الفشل أحد الأسباب الأساسية وراء قرار إردوغان بالقيام بعمل عسكري مستقل. من الواضح أن استنتاج تركيا هو أن روسيا ـ التي تملك أصولا عسكرية منتشرة وتعمل في سوريا ـ ستكون مستعدة وقادرة على القيام بخطوات أكثر من أوروبا.

ويضمن الاتفاق أيضا التزام البلدين بالقيام بدوريات مشتركة في المنطقة العازلة التي تم إنشاؤها حديثًا في شمالي سوريا. وهنا أيضا، وضعت روسيا نفسها، بذكاء، كضامن للأمن التركي. إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعد أن أعطت تركيا في البداية "الضوء الأخضر" لغزو سوريا، حاولت متأخرة التخفيف من أفعال أنقرة من خلال فرض عقوبات جديدة وتلميحات عن عواقب محتملة أكثر خطورة. ومع ذلك، من غير المحتمل أن يحدث هذا طالما أن روسيا مشاركة ـ وهو أمر يفهمه إردوغان جيدا. هكذا، ترى حكومته تورط روسيا في حماية شمالي سوريا كوثيقة تأمين من نوع ما ضد أميركا.

الوجود الإقليمي لروسيا قوي ـ ويزداد قوة

أخيرا، يشتمل الاتفاق على التزام تركي بالامتناع عن الاندفاع أكثر في عمق الأراضي السورية. في السابق كان حصول هذا الأمر احتمالا حقيقيا، لأن وقف إطلاق النار المبدئي الذي أعلنه إردوغان في 17 أكتوبر، كان مؤقتا، ولأن مراكز القوى الأيديولوجية القوية داخل تركيا تحث حكومته على الضغط لتحقيق مصلحتها. ومن خلال الحصول على تعهد من الرئيس التركي بعدم القيام بذلك، نجح بوتين في تجنب احتمال نشوب صراع في المستقبل بين اثنين من الشركاء الاستراتيجيين الرئيسيين لروسيا حيث كانت ستضطر موسكو حتما إلى الوقوف إلى جانب أحد الطرفين.

لذا ينبغي النظر إلى صفقة 22 أكتوبر على حقيقتها: نصر واضح لموسكو. من خلالها، تمكنت روسيا من التفوق على كل من أوروبا والولايات المتحدة، وتعزيز دورها السياسي في سوريا، وجعل نفسها لاعبا لا غنى عنه في الجغرافيا السياسية الإقليمية. بمعنى آخر، لقد نجح الكرملين في لعب ما كان ذات يوم، سياسية ضعيفة جدا، بشكل جيد للغاية.

اقرأ للكاتب أيضا: حول قرار ترامب بشأن سوريا.. وتداعياته

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A man adjusts a facemask with his face's image printed on it created at a photo studio as other facemasks are hung amid…
كمامات بشكل مبتكر

يتعجب البعض ـ إن لم يكن الكثيرون ـ من فيروس كورونا والمرض الذي يحدث بسببه. فمعظم من يصاب به لا يعاني من مرض شديد، وقد لا تظهر عليه أي أعراض على الإطلاق، وهو أيضا فيروس قد يتسبب في موت البعض، وخاصة من كبار السن، ومع ذلك فقد ينجو منه الكبار، وقد يموت بسببه الصغار بدون سبب معروف. وهو فيروس قد يصاب به شخص لديه أمراض عديدة وينجو منه، في حين أن بعض الأصحاء قد يموتون بسببه بدون أي سبب معروف.

وهكذا حير الفيروس الكثيرين معه!

ولفهم هذا الأمر وهذا التباين الشديد في تأثير الفيروس على المصابين به نحتاج أن ندرك أن نتيجة الإصابة بالأمراض الفيروسية لا تعتمد فقط وبالضرورة على قدرة الفيروس على تدمير خلايا الجسم، بل تعتمد أيضا ـ وأحيانا بدرجة كبيرة ـ على رد فعل جهاز المناعة في أجسامنا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فيروس الكبد الوبائي من نوع "بي" لا يدمر خلايا الكبد، ولكنه وبالرغم من ذلك يتسبب في التهاب كبدي مزمن ومدمر للكبد في بعض الأحيان، ويفسر ذلك بأن تدمير خلايا الكبد بسبب الفيروس أساسا، ولكن بسبب رد فعل جهاز المناعة.

الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه

 فلو كان جهاز المناعة ضعيفا فإنه يترك الفيروس لحاله ويصبح المريض في هذه الحالة "حاملا" للمرض فقط وخلايا كبده تظل سليمة، أما إذا كان جهاز مناعته كفؤا للغاية فإنه يقضي تماما على الفيروس في الجسم.

والعجيب أن الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه، بل يحاول القضاء عليه ويفشل ثم يحاول مرات عديدة وهو غير قادر على الفتك النهائي بالفيروس، وفي كل هذه المحاولات الفاشلة لتدمير الفيروس يدمر جهاز المناعة خلايا الكبد وسط معركته الفاشلة مع الفيروس.

فيا للعجب، فلو أن جهاز المناعة كان ضعيفا لما مرض الإنسان بالالتهاب المزمن المدمر لخلايا الكبد، وفي هذه الحالة فإن المناعة الضعيفة ـ تكون أفضل من المناعة المتوسطة.

وفي حالة فيروس كورونا فإن جهاز المناعة قد يحدد أيضا مسار المرض. فنحن نعلم أن الفيروس وحده قد يصيب خلايا الرئة وخاصة الخلايا الموجودة في جدار الحويصلات الهوائية (نيوموسيتس ـ 2)، ويتسبب في الكثير من مضاعفات المرض، ولكن في نفس الوقت فإن جهاز المناعة عند بعض المصابين بالفيروس قد يتعامل بصورة محمومة مع الفيروس فيصدر أو ينتج مواد التهابية شديدة مثل "الستوكينز" وهو ما يسمى بعاصفة الستوكينز المدمرة، وهذه المواد الالتهابية قد تتسبب في مضاعفات كارثية قد تنهي حياة بعض المرضى، سواء كانوا كبارا أم صغارا، وسواء كانوا أصحاء أم مصابين بالعديد من الأمراض المزمنة.

ويأتي أيضا توقيت علاج المرض بالعقارات ليساهم في تباين نتائج الإصابات بين المصابين به، فإن تم استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين أو الأزيثروميسين أو الزنك أو غيرها في مرحلة متأخرة جدا من المرض وبخاصة إذا تم تدمير خلايا جدار الحويصلات الهوائية وإصابة الأخيرة بنوع من التليف، فإن هذه العقارات قد لا تفلح في علاج المرض على الإطلاق.

العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا

ومن عجائب هذا الفيروس أنه لا يكتفي فقط بمهاجمة خلايا الرئة بل قد يتسبب أيضا في تنشيط زائد لعملية التجلط في الدم مما قد يؤدي إلى حدوث جلطات في أماكن عديدة من الجسم ومن أشهرها جلطات الرئة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الفيروس قد يتسبب في التهاب في عضلة القلب وقد يصيب أحيانا الجهاز العصبي.

وهناك أيضا عوامل أخرى قد يكون لها علاقة بالتباين الشديد في الوفاة كنتيجة للمرض، فعلى سبيل المثال فإن استخدام عقار "الإيبوبروفين" لعلاج بعض أعراض المرض مثل ارتفاع درجة الحرارة قد يزيد من عدد مستقبلات الفيروس على سطح خلايا الرئة، وبالتالي قد يزيد من احتمالات الوفاة به، ولذا وعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا.

ومما سبق يتضح لنا أنه بالرغم من أن حالات الوفاة من الفيروس تكون غالبا في كبار السن المصابين بعدة أمراض، ولكن طبيعة الفيروس ورد فعل جهاز المناعة ضده، وتوقيت استخدام العقارات لعلاجه ونوع هذه العقارات تتحكم جميعا وتؤثر في النتائج المترتبة على الإصابة بالفيروس.

وأخيرا فمن الجدير بالذكر أيضا أن معظم المصابين بالفيروس تمر إصابتهم من دون إحداث أي أعراض مرض أو أي مضاعفات لديهم!